إيران في غياهب الجبّ: هندسةُ الغموض وصناعةُ التوريث
في المشهد الإيراني، تتسم بنية السلطة بغموض بالغ وتتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع الهياكل الخفية، يصبح فهم سلوك الفاعلين السياسيين محاولة مضنية لفك طلاسم لغة غير مقروءة.

براء الجمعة – العربي القديم
تتجلى المفارقات السياسية أحياناً في تعليقات عابرة، تشبه مزحة تخفي بين طياتها دلالات بالغة الأهمية. قبل سنوات، أطلق الكاتب الإيراني الساخر الراحل إبراهيم نبوي دعابة لاذعة قال فيها: “في رأيي، قائد ومرشد إيران هو جاسوس لإسرائيل”. لم تكن هذه العبارة مجرد سخرية عابرة، كانت تلتقط مفارقة جوهرية في صلب السياسة الإيرانية؛ وهي أن العديد من السياسات والمواقف التي تُتخذ في طهران، ورغم رفعها شعار العداء المطلق للخصوم، أفضت في نهاياتها إلى نتائج تخدم مصالح أولئك الخصوم بدقة متناهية.
في المشهد الإيراني، تتسم بنية السلطة بغموض بالغ وتتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع الهياكل الخفية، يصبح فهم سلوك الفاعلين السياسيين محاولة مضنية لفك طلاسم لغة غير مقروءة. في ظل هذا الانسداد المعرفي، يقترب التحليل السياسي أحياناً من سرديات تتحرك على الحواف الفاصلة بين التحليل المنطقي ونظرية المؤامرة. وبشكل أدق، تتصرف بنية السلطة في طهران، وعلى رأسها ما يُعرف بـ “بيت المرشد”، بطريقة يمكن من خلالها إعادة قراءة الأحداث وفق منطق تآمري متماسك، دون الوقوع في أي تناقض يذكر.
لفهم هذه الحالة، لا بد من العودة إلى ما أشار إليه الفيلسوف كارل بوبر حول “الأسلوب البارانويائي” في قراءة المجتمع. إن العقل البشري، حين يقف حائراً أمام ضبابية الأحداث وانعدام الشفافية، يميل إلى تبسيط المشهد. في الحالة الإيرانية، لا يُعد اللجوء إلى السرديات التآمرية مجرد سذاجة سياسية، إنما محاولة حثيثة من الوجدان الجمعي لبناء “خريطة معرفية” تعينه على استيعاب هيكل سلطة يتعمد الإبحار في العتمة. عندما تعجز البنية السياسية عن شرح مساراتها بوضوح، يبتكر العقل خريطته الخاصة لتفسير هذا التخبط، باحثاً عن السكينة وسط بحر من التساؤلات.
لفك شيفرة هذا الغموض، يمكننا إجراء تمرين فكري نقدي يتمحور حول “بيت المرشد”. هذا المكان لا يمثل مجرد مكتب إداري، هو شبكة عنكبوتية من العلاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تصوغ كبرى قرارات البلاد. في هذه المساحة، يبرز اسم “مجتبى خامنئي”، الذي لا يحمل منصباً رسمياً معلناً، لكنه يدير فعلياً ما يمكن تسميته “حكومة الظل”.
دعونا نفترض، من باب التفكيك والتحليل، صحة واحدة من أغرب السرديات التي قد تُطرح: ماذا لو كان مجتبى خامنئي، المهيأ لخلافة والده، هو في الواقع أداة أو “عميل اختراق” ينفذ أجندة الخصوم الإقليميين؟ قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى سريالية ومضحكة، لكن إذا أعدنا قراءة العقدين الأخيرين من تاريخ الجمهورية الإسلامية بمنطق “منظّر المؤامرة”، سنجد أن السردية تتطابق بشكل يثير الذهول.
تبدأ هذه السردية من عام 2005، مع الصعود المباغت لشخصية مغمورة نسبياً مثل محمود أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة. في ذلك الوقت، أطلق الإصلاحي مهدي كروبي رسالته المفتوحة الشهيرة، كاشفاً لأول مرة عن تدخلات “مجتبى خامنئي” ومؤسسات الظل في هندسة الانتخابات. من تلك اللحظة، بدأ مشروع إعادة هيكلة السلطة في إيران.
ثم تأتي انتخابات عام 2009 لتشكل المحطة التالية في هذا المسار. عبر الإقصاء الممنهج والتعامل العنيف مع الاحتجاجات، تم تهميش أكبر حركة إصلاحية في تاريخ البلاد. النتيجة المباشرة لهذا الحدث كانت تصب تماماً في مصلحة خصوم طهران: القضاء التام على التيارات المعتدلة، ودفع السياسة الإيرانية نحو أقصى درجات التطرف والراديكالية، مما سهل عملية عزلها لاحقاً.
وفي سياق هذه السردية، لعبت سياسات تلك المرحلة دوراً مفصلياً في استنزاف البلاد. فالخطاب الخارجي المتشنج، مثل إنكار الهولوكوست وتحدي القرارات الدولية، وضع إيران تحت طائلة أقسى العقوبات الاقتصادية، وذلك تحديداً في اللحظة التاريخية التي بلغت فيها أسعار النفط ذروتها. هنا يتساءل العقل التحليلي: لو أراد خصم ما أن يعزل إيران دولياً، ويحرمها من ثرواتها، ويدمر اقتصادها من الداخل، فهل كان سيجد خطة أكثر إحكاماً مما نُفذ بالفعل؟
تستمر قطع الأحجية بالتجمع لتشكل صورة متكاملة. على مدار سنوات، قام مجتبى خامنئي بنسج شبكة نفوذ واسعة داخل الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، مترافقاً ذلك مع اختفاء تدريجي ومريب للوجوه التاريخية للنظام. من النهاية الغامضة لهاشمي رفسنجاني، مروراً بحادثة سقوط مروحية إبراهيم رئيسي، وصولاً إلى الترتيبات المستمرة التي تقصي أي منافس محتمل من خلال غربلة “مجلس صيانة الدستور”. كل هذه التحولات تبدو وكأنها تمهيد مدروس لمسرحية معدة سلفاً. إن التواجد في قلب مركز القوة، وإدارة خيوط اللعبة دون الخضوع لأي مساءلة علنية، هو السلوك النموذجي لأي مخطط طويل الأمد.
وتصل هذه السردية إلى ذروتها في السيناريو الختامي المتوقع: وقوع حدث أمني ضخم أو مواجهة عسكرية تؤدي إلى غياب المرشد الحالي. في ظل مناخ الطوارئ والنزاع، ستغلق الأبواب أمام أي نقاش داخلي، وستنطلق الآلة الدعائية لتردد خطابها المألوف: “لا وقت الآن للاختلاف، التماسك الداخلي هو الأولوية، والبلاد بحاجة إلى قيادة سريعة وحاسمة لضمان الاستقرار”. هكذا، يتم تتويج مجتبى خامنئي زعيماً دون أي معارضة تُذكر، ليكتمل مسار استغرق تصميمه عشرين عاماً، ويُفتح الباب أمام المآلات النهائية التي تخدم خصوم إيران: التفكك المجتمعي، إضعاف مؤسسات الدولة، وربما الانزلاق نحو صراعات داخلية تأكل ما تبقى من موارد البلاد.
في الختام، يجب التأكيد على أن الغاية من هذا الطرح ليست إثبات صحة هذه المؤامرة حرفياً، إنما تسليط الضوء على الخلل البنيوي في تشكيل السلطة الإيرانية. إن البنية السياسية التي تدير شؤونها من خلف ستار، وترفض مكاشفة مجتمعها، تجعل من أغرب السرديات التآمرية أمراً قابلاً للتصديق التام لدى الرأي العام. حين تتسع المسافة بين المواطن ومركز القرار، وتمتلئ بالغموض والقرارات الفوقية، تتلاشى فرص التكاتف الفعلي. لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق الترميم الداخلي والعبور الآمن نحو المستقبل، طالما أن سياسات دولته تُصاغ في غرف مظلمة، مما يترك الوجدان العام فريسة لشك دائم يحيل الوطن إلى ساحة مستباحة للتأويلات والمآسي.