حاجة السوريين إلى “الكواكبي”
كان يستحق بجدارة إدراج اسمه ضمن قائمة المثقفين العضويين الذين يمارسون الفكر والنظرية مباشرة على أرض الواقع وبالعين المفتوحة والشجاعة القصوى، وذلك كله مما يحتاج السوريون الذين تم تغييب ظاهرة الكواكبي عن ثقافتهم السياسية والاجتماعية

محمد علاء الدين عبد المولى – العربي القديم
يتذكر السوريون حلقة من حلقات مسلسل (ضيعة ضايعة) تدور حول اكتشاف ورقة مطبوعة في دكان الضيعة يلفّ بها البائع مشتريات الناس، وقد كتب على الورقة مقطع تُرينا الكاميرا أنه بعنوان (ما هو الاستبداد). ولدى التحقيق مع البائع يعترف بأن شخصا سبق وقد مرّ به وترك لديه مغلّفا فيه هذه الأوراق التي لا يفقه ما فيها ولكن المغلف يحمل اسم (عبد الرحمن كواكبي)! فيتم الإيعاز إلى عناصر الشرطة للبحث عن المدعو عبد الرحمن كواكبي.
كانت حلقة هامّة بما فيها من مفارقات تاريخية وكوميديا سوداء فاقعة. لكن الفكرة في الحلقة توحي بما هو أعمق من ضرورة الكوميديا السوداء، خاصة أن كاتب العمل شخص ثريّ فكريا وماهر في توظيف الظواهر الثقافية عبر سياق اجتماعي فنيّ ممتع ومؤثر.
وليس حديثنا عن الحلقة بحدّ ذاتها إلا بالقدر الذي يفيدنا في استذكار عبد الرحمن الكواكبي الذي تمرّ ذكرى وفاته في 14 حزيران من عام 1902
فليس من باب التجريب والعشوائية أن يزجّ الكاتب ممدوح حمادة باسم الكواكبي في تلك الحلقة، بل هي لعبة ذكية هرّب الكاتب بواسطتها رسالة عميقة هي مدى حاجة السوريين في حياتهم اليومية إلى نموذج الكواكبي خاصة وأن الكواكبي ارتبط اسمه ارتباطا عضويا بقضية نقد ونقض الاستبداد وتفكيك مظاهره وأشكال تغلغله في أوساط الدولة والمجتمع على الأصعدة كافة. ومن بينها قطاع الشرطة مثلا وهو القطاع الذي يمثل في المسلسل رمزية لمؤسسة الأمن بشكل من الأشكال.
يشعر النظام الأمنيّ الشموليّ بالرعب حين تنبع له من أوساط (الشعب) من يتحدث عن الاستبداد وظواهره، ففي دولة يحكمها هذا النظام يمكن لك انتقاد الفساد والرشاوى والتهريب وتأخر التعليم… الخ ولكن يجب أن يتم ذلك في سياق مفهوم الولاء المبتذل والممجوج في الحياة السورية. فالحديث عن الفساد والرشاوى وسواهما من مظاهر فساد الدولة يحتاج إلى مفاتيح بنيوية لوضع اليد مباشرة وبصراحة على السبب الأساسي المركزي لكل ذلك، وألا وهو (الاستبداد) الذي ينتفخ ويستفحل مع الوقت خالقا في ظلاله كل تلك الظواهر من فساد وانحلال وسرقة وعدم أمان ومحسوبيات… الخ
مظاهر الفساد يقف وراءها نظام (سيستيم) كامل من الاستبداد لا يقوى على توصيفه وتشريحه إلا شخص مثل عبد الرحمن الكواكبي. فكتاب الكواكبي (طبائع الاستبداد) بات يشكّل أهمّ مدوّنة فكرية معاصرة عربيا في تفكيك الاستبداد كمفهوم شموليّ مستقرّ في شرايين الدولة ومؤسساتها كافة.
لم يكن الكواكبي يمارس مهمّته الفكرية الانتقادية من فوق (الأساطيح) أو من وراء حجُبٍ وأقنعةٍ، بل كان يواجه الظاهرة بالاسم وبملء الصوت والاتهام العلنيّ، لم يكن يداور ولا يلجأ لاستعارات ومجازات ولغة ماورائية في تحليل السبب المركزي لمعضلة الدولة، كان يستحق بجدارة إدراج اسمه ضمن قائمة المثقفين العضويين الذين يمارسون الفكر والنظرية مباشرة على أرض الواقع وبالعين المفتوحة والشجاعة القصوى، وذلك كله مما يحتاج السوريون الذين تم تغييب ظاهرة الكواكبي عن ثقافتهم السياسية والاجتماعية نظرا لما يشكله حضوره والإصرار عليه من إحراجٍ وفضح لدوائر دولة الأسد وزبانيته الذين، وحتى اللحظة الراهنة، ينطبق عليهم بالحرف الواحد ما أطلقه الكواكبي منذ قرنٍ من الزمان!
يعني استحضار الكواكبي ضمن السؤال عن حاجة السوريين إليه، أن يستلهم كل مثقف وكاتب وسياسيّ حرّ، من (معنى) الكواكبي بما هو خطابٌ ذو قدرة هائلة على التأثير والتنوير لخلق بيئة ثقافية غنية للحرية وفضائلها.
لقد كان السوريون الذين بدأوا محاولة كتابة واقع مغاير منذ آذار 2011 يمارسون خطاب الكواكبيّ بوعي منهم وبلا وعيٍ. وكما في المسلسل المشار إليه حين زعم أكثر من شخص أنه عبد الرحمن الكواكبيّ، ليتخلص من التعذيب والتحقيق، (حتى إن واحدا قال في لفتة كوميدية عالمية: إن زوجته في البيت هي أيضا عبد الرحمن الكواكبي) نقول كما في المسلسل، فعلى كل سوريّ أن يزعم أنه فعلا عبد الرحمن الكواكبيّ ولكن ليس ليتخلص من التعذيب كحالة هروب مؤقت، بل كحالة حرية وثورة فعلية.
يروى أن زكريا تامر حين استلم رئاسة تحرير مجلة (المعرفة) الصادرة عن وزارة الثقافة السورية، وضع كافتتاحية لأحد أعدادها مقتطفاتٍ من كتاب (طبائع الاستبداد) للكواكبيّ، فكان أن اهتزت فرائص المعنيين بالأمر. ويقال إن ذلك كان من أسباب التعجيل يإعفاء زكريا تامر من مهمة رئاسة تحرير المجلة.
أي أن واقعة زكريا تامر كانت الدليل القاطع على استفحال الاستبداد في المؤسسة الثقافية! فكيف يريد سوريّ محاربة هذا الاستبداد بآلةٍ كواكبيّة؟ إن مسعى نظام كالنظام الأسديّ كان هو تحويل الكواكبي فعلا إلى مجرد أوراق تلفّ بها المشتريات من قضامة وفلافل، في إشارة إلى رغبته في تفريغ الكواكبيّ من أمثولته الفكرية والمعرفية.

ولو ألقينا نظرة بانورامية على كيفية تعاطي النظام الأسديّ مع السوريين الذين أصروا على البقاء في الداخل بعد الانفجار السوري 2011 لرأينا رأي العين أنه كان ينبذ كل حالة فكرية يمكن أن يندرج الكواكبيّ في منظومتها المعرفية، مثل الراحل د. طيب تيزيني الذي ما تردد في فضح النظام ورفضه للحوار، مما جرّ عليه تضييقا ونبذا طال حتى جنازته! كذلك يمكننا ضرب مثال آخر هو عبد العزيز الخيّر الذي تم تغييبه لأنه لم يساوم النظام.
أما الحالات التي تمارس مواقفها المائعة والمترددة فلا غبار عليها لأنها تدور في الفلك المسموح.
السوريون بحاجة ماسة يومية ومستقبلية إلى فكر الكواكبيّ مستعاداً وبصورة متطورة وفاعلة حقا، لأن السياق الذي ولدت فيه ظاهرة الكواكبيّ هو سياق ما زال مستمرا في مناحي حياة السوريين جميعا.

