سقوط الخلافة الفاطمية في المناهج السورية: كيف استبدلت “الدولة الفاطمية” بـ”العبيدية” في الكتاب المدرسي (2025–2026)
يؤدي فتح ملفات الخلافات المذهبية الحساسة، وإدخال لغة الطعن والتشكيك في المكونات التاريخية والدينية في المناهج الرسمية، وزرع خطابات الفرز العقائدي في كتب الجيل الناشئ إلى إذكاء بذور الشقاق وتعميق الانقسامات المجتمعية.

نوار الماغوط – العربي القديم
شهدت المنظومة التعليمية السورية هزة فكرية واسعة عقب إصدار وزارة التربية التعديلات الجديدة المخصصة لطبعة كتاب التاريخ بالصف الأول الثانوي الأدبي. حمل التعديل الأخير إحلالاً شاملاً لمصطلح “الدولة العبيدية” كبديل اصطلاحي معتمد رسمياً عن المسمى التاريخي المستقر عبر القرون “الدولة الفاطمية”. ترافق هذا الإجراء مع إدراج أوصاف تعبوية صريحة تصنف التسمية الفاطمية بالزائفة والكاذبة، وتوجه طعوناً مباشرة تطال أصل ونوايا مؤسس السلالة عبيد الله المهدي. يتجاوز هذا التوجه حدود المراجعات اللغوية المعتادة، ليتحول إلى إعادة صياغة جذرية تعكس أبعاداً إيديولوجية تثير مخاوف حقيقية لدى قطاعات عريضة من المجتمع السوري وأبناء المناطق المرتبطة حضاريا بهذا الإرث.
في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى ترسيخ قيم المواطنة والجامع الوطني، تُفاجئنا الوزارة بهذه الخطوة الصادمة والارتجالية التي تحمل في طياتها تداعيات خطيرة على المستويين الأكاديمي والاجتماعي، وتطرح تساؤلات عميقة حول دوافع هذا التغيير البنيوي في الرواية التاريخية المعتمدة.

ينطوي هذا التحول التربوي على إشكاليات معرفية واجتماعية تستوجب التوقف والمراجعة عبر المحاور الأساسية التالية:
أولاً: تغييب الارتباط المعرفي والحياد الأكاديمي
عاشت الدولة الفاطمية لأكثر من قرنين من الزمان، وتركت إرثاً حضارياً ومعمارياً وفكرياً شاخصاً في المشرق والمغرب العربي، ودُونت باسمها مئات المراجع التاريخية المعتمدة عالمياً وعربياً. وقد استقرت الكتابات المعاصرة والوثائق الكلاسيكية على اعتماد المسمى الفاطمي لتعريف تلك الحقبة التاريخية التي شملت مراكز حضارية كبرى كالقاهرة والقيروان والشام.
يمثل إسقاط ألفاظ حادة وتخوينية كـ”الكذب” والـ”تزوير” في صلب المناهج المدرسية الرسمية تراجعاً واضحاً عن معايير الموضوعية العلمية، ويهبط بالمناهج التربوية إلى مربع استخدام ألفاظ الإقصاء والوصم بالزيف. ينبغي أن يقتصر دور الكتاب المدرسي على تقديم الحقائق والوقائع بشكل محايد يتيح للطالب إعمال عقله وتفكيره النقدي، وتؤدي إضافة التوجهات الذاتية للجان التأليف إلى تحويل المؤسسة المعرفية من وثيقة معرفية محايدة إلى منبر للمحاكمات العقائدية وتصفية الحسابات الأيديولوجية بأسلوب يقوض الرصانة التربوية.
ثانياً: نسف الخصوصية الثقافية والذاكرة المحلية للمكونات السورية
تمتلك الحوادث التاريخية جذوراً مكانية واجتماعية لا يمكن عزلها عن الواقع الحالي. يرتبط التاريخ الفاطمي وجذوره الفكرية ارتباطاً وثيقاً بمدن ومناطق سورية عريقة؛ وتعد مدينة سلمية السورية التي توصف تاريخياً بـ”أم القاهرة”، إضافة إلى مناطق مصياف ونهر الخوابي، مراكز جغرافية محورية شهدت انطلاق وتأسيس معالم هذه الدولة وتطورها الفكري.
إن محاولة محو هذا الرابط التاريخي أو تشويهه في وعي الأجيال القادمة لا يمثل إنكاراً للحقائق التاريخية فحسب، بل يُعد استهدافاً معنوياً ومباشراً للذاكرة الجمعية لأبناء هذه المناطق الذين يروْن في هذا الإرث جزءاً أصيلاً من هويتهم الثقافية والتاريخية الممتدة عبر القرون ومساهمة أجدادهم في التاريخ الإسلامي. تنتج هذه الممارسات شعوراً بالتهميش والإقصاء المعنوي عندما تجد مجتمعات بأكملها أن إرثها الحضاري الممتد يُختزل ويُهاجم في الكتب الدراسية الرسمية التي يدرسها أبناؤهم.
تنتج هذه الممارسات شعوراً بالتهميش والإقصاء المعنوي عندما تجد مجتمعات بأكملها أن إرثها الحضاري الممتد يُختزل ويُهاجم في الكتب الدراسية الرسمية التي يدرسها أبناؤهم.
ثالثاً: تفخيخ التماسك الاجتماعي وتهديد السلم الأهلي
تتطلب المرحلة الحرجة والبيئة السورية الحالية صياغة سياسات ومناهج تربوية تجمع الأطياف المتعددة، تبني الجسور، وترسخ قيم المواطنة المتساوية التي تعتمد على قبول الآخر وتؤكد على القواسم المشتركة. يؤدي فتح ملفات الخلافات المذهبية الحساسة، وإدخال لغة الطعن والتشكيك في المكونات التاريخية والدينية في المناهج الرسمية، وزرع خطابات الفرز العقائدي في كتب الجيل الناشئ إلى إذكاء بذور الشقاق وتعميق الانقسامات المجتمعية الشاخصة.

تفتح هذه التعديلات الباب على مصراعيه لخطابات الكراهية والانقسام، وتهدد بشكل مباشر ما تبقى من تماسك في السلم الأهلي، من خلال زرع بذور الإقصاء والفرز الطائفي والفكري في عقول الطلبة في سن مبكرة. تحتاج الأجيال الجديدة إلى مناهج تدعم المشتركات الإنسانية والوطنية وتوضح التنوع الثقافي كعامل قوة وازدهار، وتساهم الطروح الإقصائية في بناء حواجز نفسية وتعبئة فكرية عدائية بين أبناء الوطن الواحد في مرحلة عمرية حرجة.
تحتاج الأجيال الجديدة إلى مناهج تدعم المشتركات الإنسانية والوطنية وتوضح التنوع الثقافي كعامل قوة وازدهار، وتساهم الطروح الإقصائية في بناء حواجز نفسية وتعبئة فكرية عدائية بين أبناء الوطن الواحد في مرحلة عمرية حرجة.
يظل التاريخ ملكاً للشعوب وللبحث العلمي الموثق، وتخضع الروايات التاريخية لمعايير التمحيص المعرفي بعيداً عن أهواء التغيير السياسي والقرارات الإدارية الفوقية؛ فالتاريخ ليس ملكاً لجهة أو قرار وزاري يُعدل بجرّة قلم. يمثل هذا التعديل المدرج في طبعة 2025–2026 سابقة خطيرة في إدارة المناهج السورية، وخطوة غير مدروسة تفتقر إلى بعد النظر واستشراف العواقب الوطنية والاجتماعية.
ومن هنا، يصبح من واجب الهيئات الأكاديمية، والنخب الثقافية والفكرية، والأوساط الأكاديمية، والغيورين على استقرار هذا المجتمع والتماسك بين أفراده، رفع الصوت عالياً وتوجيه نداءات واضحة لوزارة التربية تطالبها بالتراجع الفوري عن هذه التعديلات الإقصائية، والعودة إلى تبني المضامين العلمية المتوازنة والرواية التاريخية الموضوعية التي تحفظ مكانة وكرامة وتاريخ وحضور جميع المكونات السورية بلا تمييز أو تشويه.