الرأي العام

الاستقلالية المزعومة: الوجه الخفي  لفضاءات ميديا

ما الذي لم يُقل عن عزمي بشارة ومركز حرمون؟

نوار الماغوط – العربي القديم

‎ظهور مؤسساتٍ بحثية وإعلامية عربية تعمل من قاعدةٍ إقليمية ثم تنقل نشاطاتها أو تفتح «منافذ» إلى داخل سوريا ليس مسألة تقنية أو نزهة ثقافية فحسب؛ إنه فعل سياسي يحمل آثارًا على الذاكرة، العدالة، والقدرة الوطنية على التعافي. عندما نتحدث عن شخصية مثل عزمي بشارة الذي صار من الشخصيات المؤثِّرة في دوائر بحثية وثقافية مرتبطة بقطر بعد خروجه من الكنيست وملفاته المتنازع عليها فمن الطبيعي أن نقرأ أفعاله ضمن بُعدين: البُعد المعرفي والبُعد السياسي والاستراتيجي.
‎أثارت تجربة مركز حرمون للدراسات المعاصرة جدلًا واسعًا في الأوساط الفكرية والسياسية السورية، ليس بسبب طبيعة إنتاجه البحثي فحسب، بل بسبب بنيته المؤسسية، وإدارته للخلاف، وعلاقته بالتمويل، وحدود استقلاله الفعلي.
‎المقال الأخير للكاتب نادر جبلي، والذي قدّمه بوصفه محاولة لـ“إراحة الضمير” وقول ما لم يكن ممكنًا أثناء عمله، يسعى إلى إضفاء شرعية أخلاقية على روايته عبر التأكيد على أنه لم تعد تربطه بالمركز أي مصلحة. غير أن هذه المقدمة تخفي تفصيلًا جوهريًا: انتهاء عمله لم يكن نتيجة موقف مستقل أو استقالة مبدئية، بل جاء بسبب إغلاق المركز بعد ما يقارب عشر سنوات من العمل. كما يتجاهل المقال حقيقة استمرار ارتباط الكاتب بمؤسسات أخرى مرتبطة بعزمي بشارة، مثل منظمة سلام الكواكبي، ما يضعف ادعاء القطيعة الكاملة والاستقلال التام.
‎استقلالية شكلية وحدود التأثير السياسي
‎يركّز المقال على فكرة أن مركز حرمون كان مستقلًا بالكامل، وأن التمويل القطري لم يفرض أي توجيه سياسي أو فكري. لكن هذا الادعاء يعكس فهمًا سطحيًا لمعنى الاستقلال. فالاستقلالية التشغيلية اليومية أي حرية تنفيذ الأنشطة والبحوث لا تعني استقلالًا استراتيجيًا أو فكريًا في بيئة تمويلية مرتبطة بدول ذات أجندات إقليمية واضحة.
‎التمويل لا يحتاج إلى أوامر مباشرة كي يؤثر؛ إذ يكفي أن يرسم الإطار العام للخطاب، وحدود المقبول، وأولويات القضايا، وطريقة تقديم النتائج وتسويقها. وهكذا، تتحول الحرية المعلنة إلى حرية مشروطة بسقف سياسي غير معلن.
‎المشاريع التابعة للمركز: إنتاج وفير وتأثير مضلل
‎يصوّر المقال مشاريع مثل مركز حرمون، تلفزيون سوريا، ومشروع الذاكرة السورية على أنها مبادرات خالصة لخدمة الثورة السورية وبناء الدولة الحديثة. غير أن قراءات نقدية عديدة من بينها تحليلات نوار الماغوط ومهنا بلال الرشيد تشير إلى أن هذه المؤسسات عملت ضمن إطار سياسي يخدم النفوذ القطري ويعزز حضور تيارات محددة، لا سيما الإخوان المسلمين.
‎المشكلة هنا ليست في حجم الإنتاج الأكاديمي أو الإعلامي، بل في الوظيفة السياسية غير المعلنة لهذا الإنتاج. فوفرة الدراسات والبرامج لا تعني بالضرورة نزاهة الخطاب، بل قد تكون غطاءً لإعادة إنتاج سردية تخدم مموليها وتتماهى مع مصالحهم.
‎عزمي بشارة يعرفه الجمهور كسيرة مركّبة: ناشط سياسي برلماني سابق، مفكّر ومؤسس مراكز بحثية كبيرة، ومثير جدل بسبب اتهامات أُثيرت ضده في أعقاب حرب 2006. بعد مغادرته إسرائيل استقرّ في قطر وتفرّغ لعمل مؤسسي وإعلامي؛ وفي السنوات الأخيرة عبّر عن مُواقف سياسية حول مستقبل سوريا، داعياً صراحة إلى حماية مؤسسات الدولة وتجنّب فراغ إداري يدمّر فرص التعافي. هذه المواقف هي مادة مفتوحة للتأويل: هل هي دعوة لإدارة انتقال يقي البلد من الفوضى، أم أنها منطقٌ يقرّ طريقًا لتسوياتٍ ثقافية تنسف العدالة؟
‎يقدّم المقال عزمي بشارة بوصفه داعمًا مطلقًا للثورة السورية ورمزًا للتحرر والديمقراطية. لكن هذا التوصيف يتجاهل تاريخًا سياسيًا وفكريًا شديد التعقيد.
‎فانتقال بشارة من اليسار الماركسي إلى العمل السياسي داخل الكنيست الإسرائيلي، ثم دفاعه عن المشاركة السياسية ضمن نظام الاحتلال، يثير تساؤلات جوهرية حول التطبيع السياسي والفكري، وحول منحه شرعية لمنظومة يفترض مناهضتها. ووفق قراءات نقدية، فإن هذا المسار لا يمكن اعتباره مجرد خيار شخصي، بل جزءًا من مشروع سياسي يعيد إنتاج الهزيمة بدل تفكيكها.
‎وعليه، فإن تصويره كداعم غير مشروط للثورة السورية يتجاهل تشابك أدواره الإقليمية، وعلاقاته السياسية، ودوره كوسيط يخدم سياسات قطرية، بما في ذلك إدارة توازنات تخدم مصالح تتجاوز الخطاب المعلن.
‎تشويه المنتقدين وإقصاء المستقلين

‎يصنّف جبلي منتقدي المركز إلى ثلاث فئات: إسلاميون، علمانيون، وأشخاص مدفوعون بضغائن شخصية وهو تصنيف هدفه نزع الشرعية عن النقد بدل مناقشته بجدية.

‎المفارقة أن المقال أقرّ ضمنيًا بصحة انتقادات الفئتين الأولى والثانية، ولم يستطع الدفاع عنها إلا بالمراوغة والادعاء بأنها “غير منطقية”، دون تقديم رد موضوعي أو تفنيد حقيقي… وهو ما يكشف ضعف الحجة أكثر مما يدعمها.
‎لكن الأخطر هو التجاهل المتعمّد لفئة واسعة من الصحفيين والكتّاب المستقلين الذين رفضوا الانخراط في الاصطفافات الإقليمية، وتمسكوا بمسافة نقدية من جميع المحاور. هؤلاء لم يُواجَهوا بالحوار، بل بحملات تشكيك وتخوين، في سلوك يعكس ثقافة مؤسسية تقوم على تأديب الخارجين عن الخط العام.

‎ويزداد التناقض وضوحًا عندما يهاجم كتّاب مرتبطون ماليًا بالمركز أصواتًا مستقلة، بينما يقدّمون أنفسهم كحماة للحرية الفكرية والذاكرة السورية في نموذج فجّ للازدواجية واستغلال النفوذ المؤسسي لتصفية أصوات الشرفاء
‎القضية ليست هوية المنتقدين، بل صحة ما يقولونه ومن يهرب من الرد على النقد إلى تصنيف المنتقدين، فهو يعترف ضمنيًا بعجزه عن الدفاع عن نفسه.
‎التمويل والحرية: الفجوة بين الخطاب والواقع
‎يزعم المقال أن التمويل القطري كان غير مشروط، لكن التجربة العملية تشير إلى أن المال يترك دائمًا بصمته، سواء عبر توجيه السياسات، أو ضبط سقف النقد، أو إدارة صورة المؤسسة بما يخدم مصالح سياسية أوسع.
‎وقد صُرفت مبالغ ضخمة على مشاريع ذات طابع سياسي وإعلامي، بينما ظل دعم الفكر النقدي المستقل غائباً، ما يكشف فجوة واضحة بين خطاب الحرية وممارستها الفعلية.
‎الاستقلالية ليست ادعاءً بل اختبارًا
‎لا يمكن التعامل مع تجربة مركز حرمون أو مع دور عزمي بشارة عبر سرديات تبريرية أو تلميع أخلاقي. فالقضية ليست في النوايا المعلنة، بل في البنية، والتمويل، وحدود الحرية الفعلية، وطريقة إدارة الخلاف.
‎إن الاستقلال الحقيقي لا يُقاس بعدد الندوات أو حجم التمويل، بل بقدرة المؤسسات على حماية الأصوات النقدية، واحترام التعدد، ورفض التحول إلى أدوات ضمن صراعات إقليمية.
‎وحتى يتحقق ذلك، ستظل الاستقلالية في مثل هذه التجارب شعارًا أكثر منها واقعًا.
‎نذهب أبعد من ذلك ونربط ما يجري بمشروعٍ أوسع يقارنه بمشروعات تاريخية تسعى لإضعاف بنى الدول . ربطٌ خطير لكنه يفيد إذا رُفِق بأدلة: عقود تمويل، اتفاقيات تشغيل، أسماء فاعلة، أو سياسات معلنة تقود إلى إضعاف البنى الأمنية أو المدنية عمداً لصالح توازن إقليمي معين. حتى الآن، ما نملكه علنيًا هو سجل بشارة السياسي ومواقفه، وخطاب قطري عام يدعو للتعامل مع جميع الأطراف في سوريا بعد التغيُّرات السياسية، لكن لا توجد، على الأقل في المصادر المفتوحة الموثوقة المتاحة اليوم، وثائق تُثبت وجود خطة ممنهجة لتمهيد الأرضية لسلامٍ مع إسرائيل ، عبر إفقاد سوريا قوتها البشرية أو النظامية بصورة منهجية. لذلك نقف هنا بين فرضية مُعقّلة وضرورة دليلٍ قاطع.

من حقّنا وواجبنا أن نكون حذرين؛ فالنقد لا يعني دائمًا رفض العمل الثقافي أو السياسي، بل هو دعوة إلى تهيئة شروط تحفظ الذاكرة والحقوق. إن الاتهام بوجود «مشروع لإضعاف سوريا بهدف منعها من قبول سلام حقيقي مع إسرائيل» قد يكون تفسيرًا سياسيًا ذا قيمة إذا وُجدت أدلة؛ لكنه، في غيابها، يظل فرضية تستدعي تحرّيًا دقيقًا ونشرًا للوثائق والممارسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى