العدالة المتأخرة أخطر من النسيان
الخطر الأكبر اليوم ليس فقط في الإفلات من العقاب، بل في الرسالة الضمنية التي تصل للناس: أن الجريمة يمكن أن تمر بلا ثمن.

مرهف مينو* العربي القديم
ليس السؤال اليوم ماذا حدث في صيدنايا أو في الأفرع الأمنية، فذلك بات موثقًا في ذاكرة السوريين قبل أي تقرير أو لجنة. السؤال الحقيقي، الذي يتردد في صدور آلاف العائلات، هو: أين من فعل ذلك؟
لقد رأى العالم الزنازين، وسمع الشهادات، وعرف أن أجسادًا ذابت تحت التعذيب وأن مقابر جماعية ابتلعت أسماءً وأرواحاً وقلوباً، لكن العدالة لا تُقاس بحجم الكشف عن الجريمة فقط، بل بقدرة الدولة على ملاحقة من ارتكبوها. وهنا تكمن الفجوة الأخطر.
أين السجّانون؟ أين المحققون؟ أين الضباط وعناصر الأجهزة الذين أداروا منظومة الدولة المتوحشة؟ أين الموظفون الذين كتبوا التقارير، والوسطاء الذين سهّلوا الاعتقال، والشبكات التي احتضنت الشبيحة ووفرت لهم الغطاء الاجتماعي واللوجستي؟
هؤلاء لم يكونوا كيانًا غامضًا، بل أشخاصًا بأسماء ووجوه، يعرفهم الضحايا ويعرفهم الجيران وتعرفهم المدن.
إن تجاهل هذا السؤال لا يعني طي صفحة الماضي، بل يعني ترحيل الجرح إلى المستقبل. فالعدالة ليست فعل انتقام، لكنها أيضًا ليست خطابًا أخلاقيًا مجردًا. هي عملية واضحة: تحديد المسؤوليات، محاسبة المتورطين، وإنصاف الضحايا. دون ذلك، تبقى الدولة في موقع المتفرج على أكبر مأساة عرفها مجتمعها.
الخطر الأكبر اليوم ليس فقط في الإفلات من العقاب، بل في الرسالة الضمنية التي تصل للناس: أن الجريمة يمكن أن تمر بلا ثمن. وعندما يحدث ذلك، لا تُبنى الثقة، ولا يبدأ التعافي، بل يُعاد إنتاج الخوف بصيغ جديدة.
السوريون لا يطلبون المستحيل. هم يطالبون بالحد الأدنى الذي تقوم عليه أي دولة تدّعي احترام القانون: أن يُسأل كل من شارك في منظومة القمع عمّا فعل.
فالعدالة المتأخرة مؤلمة، لكن العدالة الغائبة أخطر بكثير… لأنها تترك المجتمع معلقًا بين ذاكرة دامية ومستقبل بلا ضمانات.
………………………………………………………..
- صحفي سوري