الرأي العام

هل فاق التطبيل التشبيح؟

الحكومة نفسها تقول إن لديها أخطاء، سواء في بعض القرارات أو بعض التعيينات، فلماذا يصر بعض الأشخاص على أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك؟

محمد الشيخ علي- العربي القديم

في بداية الثورة السورية، كان التشبيح، وخاصة على قناة (الدنيا) التابعة للنظام البائد، يكاد يقتلنا، بل أجزم أن كلمات التشبيح التي كانت تُبث بكل ما تحمله من إنكار وأكاذيب والتفاف وقح على الوقائع، كانت أقوى من الرصاص والقذائف التي كان يرمينا بها الهارب بشار الأسد.

واليوم، يبدو أن الحال قد انقلب وصار لحمى التبرير وإنكار الوقائع تسمية أخرى. لا أريد تحديد شخصية بعينها، ولكن لا أعلم لماذا هذا التطبيل.

أنا شخصياً، كصحفي، أشاهد عشرات الأخطاء يومياً في وسائل الإعلام التابعة لسوريا الجديدة أو للحكومة “الانتقالية” كما يريدها البعض، ولا أجد أي مبرر للتطبيل والترقيع، بل أجد أن هذه الأخطاء حالة صحية في أي بلد قامت فيه ثورة وعانى ما عاناه من فوضى وتخريب ودمار.

لا أنكر أننا نستنكر ونعارض بعض القرارات الحكومية، وهي أخطاء جسيمة، ولكن يستطيع المرء انتقادها نقداً صحيحاً، أو أن يبررها بجملة: حكومة ناشئة وبلد لا يزال يلفظ تبعات إرهاق حرب دامت 14 عاماً.

التطبيل لمجرد التطبيل

لا أريد أن أتحدث عن الدكتور حسن دغيم لأن الكل هاجمه، ولكن الدكتور هو حالة لأشخاص كُثر؛ قبل حسن دغيم كان هادي العبدالله وبسام أبو عدنان وغيرهم، وقائمة أسماء قد تطول. ومن خلال عرض هذه الأسماء لا أريد الانتقاص منهم، بل سؤالهم: لماذا هذا التطبيل؟ الأمور ليست طبيعية وليست كارثية؛ نعم، هناك أخطاء، وهذا أمر طبيعي، وليس بحاجة إلى جوقة من التبرير.

للأسف، أي شخص يبرر الخطأ، سواء للحكومة أو لأي مسؤول، فهو يهدم ولا يبني. الحكومة نفسها تقول إن لديها أخطاء، سواء في بعض القرارات أو بعض التعيينات، وللأمانة هي سابقة لم يعتد عليها السوريون. فلماذا يصر بعض الأشخاص على أن يكونوا  ملكيين أكثر من الملك؟ فهم بذلك يسيئون للثورة والحكومة والشعب.

ربما لم يعتادوا التأييد

المتابع للإعلام ولتصرفات الحكومة السورية يجد أن أغلب الناطقين باسمها أو المدافعين عنها، رغم أنهم في مركز السلطة، نجدهم يرتجلون العبارات والإجابات. فمثلاً، السيد نور الدين البابا المتحدث باسم وزارة الداخلية في حادث مقتل الجنود الأميركيين بتدمر، يصرّ على أن المنفذ لا يزال ينتمي للأمن العام، في حين أن الرئيس دونالد ترامب ذاته قال إنه عنصر تابع لداعش. وهنا أرجّح أن كثيراً من الأشخاص الذين تسلّموا مناصب تنقصهم المهنية، ولم يعتادوا التأييد، وأقصد بذلك أن يتكلموا بعقلية الدولة لا بعقلية نشطاء الفصائل.

في نهاية المطاف، سوريا بحاجة إلى الكثير، وربما هذه الأخطاء تحتاج إلى النقد والتغيير من أصحاب القرار، ولكن الأمور ليست بحاجة إلى التبرير والتطبيل الأعمى. وإذا كان لا بد من الدفاع عن الحكومة، فيجب أن يكون دفاعاً مهنياً وواقعياً وبعيداً عن التطبيل الذي أرى أنه فاق التشبيح أحياناً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى