جبل الجليد السُّوري
لابد لنا من أن نعرف بعضنا البعض، فقد انكشف جبل الجليد السوري، من القمة للقاعدة، فلا تقية، ولا تعليمات سرية

موسى رحوم عبَّاس – العربي القديم
ينقل الدكتور إبراهيم الحيدري ( بغداد 1936- ) أستاذ الفلسفة في جامعات برلين وبغداد والجزائر عن عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي ( الكاظمية 1913- 1995) في خاتمة كتابه ” دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، بغداد، 1965 ” [i]بأن العراق شهد منازعات عنيفة إثر ” هزة” الرابع عشر من تموز 1958 ، تلك الهزة التي ” نبشت” ما كان مدفونا في داخل المجتمع العراقي، وكشفت ما كان غامضا منها، وأعطت للعراقيين دروسا بمقدار ما أخذت من ضحايا. كما ظهرت تلك المنازعات العنيفة مصبوغة بطلاء من الشعارات والمبادئ الحديثة” (ص 53/54) يطلق الدكتور الوردي مسمى” هزَّة” على ثورة تموز العراقية التي أطاحت بالحكم الملكي الهاشمي، وأعلنت قيام الجمهورية العراقية العربية( هكذا) ولن نتوقف عند المصطلحات، ولا عند ثقافة السحل والقتل … فقد يكون لها وقفة أخرى، لكن ما لفتني هو بحث العالم الوردي عن الجذور، جذور الظواهر لا أعراضها، وهو الأكاديمي وخريج الجامعة الأمريكية في بيروت ومن ثم جامعة تكساس؛ فراح يحفر عميقا في بنية الشخصية العراقية ومكوناتها الطائفية والقبلية والتأثير الطبقي والاجتماعي، بلغة سهلة غير متعالية كما يفعل الكثيرون من كتابنا ومحللينا السياسيين، وما أكثرهم! حتى إنه عاد لفترات تاريخية كان لها الأثر البالغ في تكوين هذه الشخصية، ورفدها بعناصر متشابكة شكلت الأساس في الظواهر اللاحقة، دفعني لهذه العودة لأبحاث الوردي ما جرى ويجري منذ تحررت سوريا من حكم العائلة وطغيانها بهروب الديكتاتور، بما خفَّ حمله، وغلا ثمنه من الأموال السورية، وقد علت أصوات الكثيرين من المندهشين لاكتشافهم الطائفية المكبوتة، والمظلوميات لمعظم فئات المجتمع السوري، وكأنهم كانوا ينعمون بالمواطنة والانتماء للوطن كما ينعم المواطن الفرنسي أو الألماني، ولسان حالهم يردِّد، لم نكن نسمع بالأصوات الطائفية سابقا، وهانحن أولاء نواجه سيلا، بل بحرا متلاطما منها!
لم يخترع الطائفة، بل الطائفية
الحقيقة أن الطاغية الأب والابن لم يخترعا الطوائف، فسوريا فيها طوائف عبر تاريخها، فيها الدرزي، والعلوي ، والسني، والإسماعيلي، والمرشدي، … الخ وفيها قوميات مختلفة، فيها العربي، والكردي، والشركسي، والسرياني …. الخ إذن أين هي المشكلة؟ المشكلة هي ” الطائفية” وليست الطائفة، والشوفينية ” التعصب القومي” وليست القومية. جريمة الديكتاتورية في سوريا هي بناء الدولة بناء طائفيا، بحيث تكون مراكز السيطرة والتحكم في مفاصل الدولة بيد الطائفة العلوية، مع رشة توابل سنية ومسيحية ودرزية … الكل متأكد من هذا، ويلمسه في كل السلطات من التشريع للقضاء والتنفيذ، من أجهزة المخابرات بأنواعها التي تتفوق على الدول العظمى عددا واختصاصات، وكذا في الجيش، وكلما ازدادت حساسية الجهاز تزدد كثافة طائفيته، لكننا متواطئون على الصمت لعشرات السنين، ومصرون على أن نصِفَ مجتمعنا بأنه لا طائفي! مثلنا في ذلك مثل مريض السرطان الذي يخفي مرضه على أهله وجيرانه، يستمر المرض في انتشاره في جسده، ويستمرون هم في راحة الضمير وحجتهم الدامغة ” لم تخبرنا بذلك” ومن المضحك المبكي أن مسؤولا حكوميا عن النشر والمطبوعات الرسمية، أقال هيئة تحرير إحدى الصحف المحلية وفي أول أسبوع له في الوظيفة، لأن افتتاحية العدد لكاتب ساخر تضمنت عبارة ” نحن الأمة الحمصية” فنزل عليهم البلاء، لأنهم يوهنون الأمة، وينشرون الطائفية!
هل الصمت هو الحل؟!
بعد ثورة تموز 1958 في العراق لاذ الوردي بالصمت، حفاظا على رأسه، وربما لأسباب أخرى، وربما فضل استيعاب ما يحدث ؛ ليكتب وفقا لأسلوبه الأكاديمي، وقد يكون لكل تلك الأسباب، أما في سوريا بعد اشتعال شرارة الثورة، انقسم الناس إلى فئات أربع:
- الصامتون: وهم فئة فضلت الانتظار حتى ينجلي غبار المعركة، وهؤلاء يؤثرون السلامة، يخافون على مكاسبهم، أو حياتهم، ويفضلون الاستقرار حتى لو كانت السلاسل في رقابهم.
- الثُّـــوار: ويندرج في هذه الفئة أصناف كثيرة من المواطنين، الضباط المنشقون، الضحايا أصحاب الملفات الأمنية السابقة، المثقفون وطلاب الجامعات، أصحاب الفكر الثوري، أبناء الضحايا في حكم الطاغية الأب، ولاحقا الابن، انتظموا في منظمات شبه عسكرية، ومع الوقت أصبحت كيانات تختلف أيديولوجيا، وتلتقي في بعض أهدافها، وتتعاون لتحقيقها، وأحيانا تختلف لدرجة الاقتتال.
- الموالون: وهم كل من ربط مصيره بالديكتاتور من خلال انتمائه الحزبي أو الطائفي أو المصلحي، والفاسدون الذين يخشون المحاسبة، ولا طريق لهم سوى الاندفاع لحماية الوضع الراهن الذي يلائم مصالحهم، وهذه الفئة تضم أعدادا هائلة من كل الطوائف، لكن ضمن التراتبية المتواطأ عليها قبل الثورة.
- تجار الثورات وجنرالات الحرب: برزت هذه الفئة خلال الثورة من خلال تقمص الفاسدين والمنتفعين لهيئة الثوري، وتسنموا إدارة بعض الجمعيات الإغاثية والمؤسسات الخيرية الممولة خارجيا، وهم خليط من المنتفعين والعملاء والمخبرين لأكثر من جهة، يحققون أهداف رعاتهم المحلييين والدوليين.
الهروب وانكشاف جبل الجليد السوري
أما بعد التحرير وهروب الطاغية؛ فقد أصبح التمايز واضحا، ووجد الذين أضاعوا ألسنتهم سنوات الجمر أخيرا ألسنتهم، وتواصلوا مع الفلول في أرجاء البلاد؛ فصار لهم صوت يتردد عبر وسائل التواصل والاتصال الجماهيري، فهم الأعلى صوتا، والمطالبون ب ” الديمقراطية” المفقودة، وبالانتخابات التي يعشقونها 99% لا تنقص غراما، والطائفيون القدامى والجدد صارت لهم خصوصيات يجب مراعاتها من الدولة الجديدة، فكل قرية يجب أن يكون لها علم ونشيد وطني، وشيخ يفتي لهم، ويرعى ” علمانيتهم” وفي الطرف الآخر ارتفع صوت بعض الثوار؛ فهم من دفع ضريبة الدم، وعلينا الصمت، فهم من حررونا، وبدأت المظلوميات تتراكم، ويصبح لها شعراء وكتاب وإعلاميون، ترى نعيد السؤال المركزي لهذه المقالة
هل كنا نعرف بعضنا؟
ماذا أعرف عن طقوس الدروز ودينهم، عن موقفهم من ” الأغيار” ماذا يخفي أهل التقية عنا، مانوع التربية التي ينشأ عليها أجيالهم؟! وماقلته عن الدروز ينطبق على العلويين والإسماعيليين والمراشدة والإزيديين … وبقية الطوائف الموجودة على الأرض السورية ولو بنسب مختلفة، هل ثمة كتب سرِّية لكل طائفة؟ ماذا تقول هذه الكتب؟ وقد يسأل سائل لماذا لم تذكر السنة والمسيحيين، وهو سؤال وجيه، الإسلام السني لا أسرار فيه، آلاف الكتب المطبوعة عن كل مباحثه الشرعية، الفقه والمواريث، والحديث، والتفسير، والعقيدة، والأخلاق … ويستطيع كل إنسان الاطلاع عليها ومناقشتها، وانتقادها، وبيان جوانب القصور في بعضها، وهي مقررات جامعية يحق لأي طالب دراستها، ولو كان غير مسلم، والمسيحية كذلك فهما ديانتان تبشيريتان أي لهما جانب دعوي؛ لهذا لا أسرار يخفيانها، ولا تقية في طريق الدعوة، بعد إعلان الجمهورية الثالثة في سوريا، صار الناس يناقشون الآخرين المختلفين مذهبيا أو دينيا، فكيف أنام هانئا وجاري يعتقد بأن قتلي وحرق بيتي يعجل في ظهور من ينتظره مخلصا للعالم من آلامه، كيف أكون من ” الأغيار” في وطني، وجاري الذي يبتسم لي صباحا، يخفي سكينه خلف ابتساماته الصفراء، لأني وريث يزيد، أو أنتمي لبني أمية كما يصنفني!
الطريق الوعرة نحو الوطن
لابد لنا من أن نعرف بعضنا البعض، فقد انكشف جبل الجليد السوري، من القمة للقاعدة، فلا تقية، ولا تعليمات سرية، احترام طقوس الآخرين وعباداتهم، ونبذ رسائل الكراهية العابرة للطوائف، والقوميات، سبعون سنة لم تبن الحكومات المتعاقبة قبل انقلاب البعث 1963 مواطنة حقيقية، بل كانت مشغولة بالانقلابات العسكرية، وبعد الانقلاب دخلت البلاد في مستنقع الطغيان، بل استقالت من وظيفتها الأساس بشكل شبه تام، ولا عبرة لشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، فهي أغنية سخيفة، واسطوانة مشروخة، فبدأت بنى ما قبل الدولة تطل برأسها، وأعني ببنى ما قبل الدولة الطائفية والمذهبية والقومية والمناطقية…، وأخذت هذه البنى الهشة وغير المنظمة تحل محل الدولة، وتشعر أفرادها بالحماية في وجه الآخرين أي ” الأغيار” وهو مصطلح يهودي عنصري، إننا أمام عمل جبار ومتشعب ومعقد هو بناء المواطنة لمجتمع متشظٍّ، قلوب أفراده ملأى بجراحات لمَّا تندمل! ويعرف الأطباء أن الجرح يُعقَّم أولا، ثم يُعالج بالإجراءات الطبية والعلاجية المناسبة، وإلا كان سببا في القضاء على صاحبه، نحتاج للكثير من العمل والصبر والتسامح رغم الجراح.
كنت قبل أيام أتابع لقاء متلفزا مع نائب رئيس الوزراء الكرواتي وهو من مسلمي كرواتيا، وفي ختام اللقاء اصطحب النائبُ الإعلاميَّ الذي يجري اللقاء إلى المقبرة، ووقف عند شاهدتين، وبعد قراءة الفاتحة على روحيهما، قال له، هذان قبران لأخويَّ، قتلهما الكروات، وأنا اليوم نائب رئيس الوزراء، علينا أن نمضي قدما للبناء!
موسى رحوم عباس
السويد
[i] الحيدري، إبراهيم، “علي الوردي، شخصيته، ومنهجه، وأفكاره الاجتماعية “
منشورات الجمل: كولونيا، ألمانيا، 2006