الدولة – 1 | تقاطع المخاوف أو المصالح
الهاجس الذي تعاني منه السلطة اليوم هو الثقة....! من يتولّى ومن أي بيئة وبنية نولّي؟ وكيف؟

مصعب الجندي – العربي القديم
الإنسان عدو ما يجهل (مثل عربي) وبالتالي السواد الأعظم من مخاوف الناس تنبع من هذه النقطة بالذات لأن مقدرة الإنسان ضعيفة مع إرثه الفردي والجمعي خصوصاً حين يكون أليم ويرتبط بمستقبله وحياته. أنا لا أهاجم الخوف بل أحاول التعامل مع جانب من جذوره.
إعادة إنتاج الدولة
هل يجوز التعاون مع دولة غير واضحة المعالم وكأنها غائبة أو مُغيبة؟ وهل خطت السلطة باتجاه مشروعها في هذا البلد السعيد ليكون لفئة دون أخرى؟ وهل هناك من يصدق لوهلة، أنه قادر على إنتاجها (الدولة) على مقاسه وحده لزمن طويل وأنه جازماً باعتقاده بوجود مظلة تغنيه عن مظلة دولة مكتملة السيادة والحرمة الوطنية والدولية؟
هل يصدق البعض أو يقنعون أنفسهم والآخرين أنهم قادرون من خلال استلامهم للسلطة التمهيد والتحضير لإعادة إنتاج الدولة وفق توازنات مجتمعية واقتصادية جديدة كلّ الجدّة وخاصّةً بهم ومن يشبههم فقط مهما غُلّفت سياسياً وعقائدياً….؟
أصبحت هذه الأسئلة ملحة وصارخة لأننا في مكان الزلازل المحيطة مع عالم مفتوح الأفق والارتدادات، والإجابة عليها هي وقفة ومراجعة شجاعة لبناء السلطة إن اعتبرت نفسها الأمينة المؤتمنة على السوريات والسوريين مهما كانت خسائرها مما استأثرت خلال عام وبعض العام.
لا تنحصر القضية هنا لبحث مآسي الحاضر ومستقبل البلد الواحد في الحوار على ضرورته، وإنما أيضاً قراءة تجاربنا في ماضيها القريب لنتعلم دروسها بعيدا عن وضعية النكوص والمقارنات المجردة والتكرار الفج ونتخلص من مرارات أولها الدولة التي لم يحظَ بها السوريون كاملة مكتملة طوال عقود:
البديهي هو اختفاء توازنات النظام السابق مع سقوطه. فهذه التوازانات كانت مُختلة في عمقها ولا مؤسساتية، ولا وطنية جامعة، وهي فقدت كل إمكانية بعودتها بسبب بنائها الهرمي الذي يتصف بأن سقوط حجرة واحدة منه يعني انهياره كاملاً، اللهم إلا إمكانية قيام بقاياها بافتعال منغصات لا تقدم ولا تؤخر في شيء من جوهر التغيير، وبالتالي حكماً لابد أن يكون القادم هو نقيضها ولو ضمن أدنى مستويات هذا التغيير وليس على شاكلتها حتى وإن حقق تشاركية أوسع في إدارة المؤسسات.
والنقيض هنا هو إقصاء كليّ وكامل لمنهج التفكير وأسلوب الإدارة السابقين وإن غُلفا بشعارات سياسية تُدغدغ عواطف السوريين لأنها غالباً ستسقط مع أول مواجهة لحقيقة ما يجب أن تكونه الدولة، أي أن السياسة وشعاراتها هي ضمن المرتبة الأخيرة في الإدارة ولا تتعدى مجال الحلول حيث تتكثف فيه وتظهر الإرادة من خلال مقدرتها (إدارياً) على امتصاص الصراعات أياً كان مصدرها واتجاهاتها (داخلي أو خارجي أو تشمل الإثنين) بحيث تتجلى في التنظيم الحيادي والمتحكّم في ضبط الأوامر والنواهي والسيادة.
هاجس الثقة
يبقى الهاجس الذي تعاني منه السلطة اليوم هو الثقة….! من يتولّى ومن أي بيئة وبنية نولّي؟ وكيف؟
الإجابات بسيطة على تعقيد الحالة السوريّة وكثرة المنافقين و(المكوعين الانتهازيين) فيها. مادام الأمر سقوط منهج التفكير والإدارة السابقين يستتبع حكماً سقوط الأشخاص لأنه ضمن مجال الحلول وضبط الصراعات، أي السياسة مُدمجة في القانون والإدارة معاً (العدالة الانتقالية) فهم أفراد أصبحوا حلقة ضعيفة وهزيلة يكفي فقط استلام البنية المادية منهم بدقة ورقمية وإقصاءهم وفق المستوى الجرميّ فليس كل من عمل في المؤسسات كان من النظام (الفئات الوظيفية خمسة والإدارة العليا هي الأقل عدداً والأكثر تأثيراً في نشاط هذه المؤسسات _ وزراء ومحافظين ومعاوينهم_) وهو الإجراء الذي لم ينفذ مع سقوط النظام وفق إجراءات منتظمة بسبب العجلة باستلام السلطة وليس شبه الدولة التي كانت.
الدولة لا تحتاج القيم بمطلقاتها … الثقة المطلقة هنا هي هاجس سلطة عجزت عن تحييد إدارة وبناء الدولة، وبدقة أكثر لغاية اللحظة لم تقدم مشروعاً واضح وخطوات بناءّة من قبلها يستطيع من خلالها السوريون معرفة قواسمهم المشتركة وتقاطع المصالح، وإن كان الكثير منها (للأسف) ما يزال هواجس طائفية ومذهبية وإثنية (المسلة التي تنخز في السياسة). لكن في نهاية الأمر: الناس تعرف المصالح جيداً وهي طينة هذا الزمن الذين يعيشون، شرطها الوحيد على السوريين إطلاق الحبيس في عقولهم وقلوبهم لعقود… (الإبداع كأساس للشرف الوطني والأخلاقي)
__________________________________________
………… وللحديث بقية.