العربي الآن

حقول الألغام السورية.. موت ينتظر خطوة خاطئة

الأمطار الغزيرة والسيول في مارس 2026 كشفت عن حقول ألغام كاملة في مناطق مثل غانم العلي بريف الرقة وبادية دير الزور، مما أدى إلى ظهور مئات الألغام على السطح وتسبب في حوادث كارثية

مرعي الرمضان – العربي القديم

في سوريا اليوم، لم تنتهِ الحرب بعد. تنفجر مخلفات النزاع في وجه من يحاولون استعادة حياة طبيعية: طفل يرعى غنم أمه، مزارع يحرث أرض أجداده، أطفال يلعبون كرة قدم في حقل مهجور. وكمثال صارخ على استمرار هذا الخطر، سجّل قطاع إزالة الألغام في سوريا خلال سبعة أيام فقط حتى 6 مارس 2026، 21 حادثة أودت بحياة 14 شخصاً وأصابت 32 آخرين (إجمالي 46 ضحية في أسبوع واحد). ومع استمرار الحوادث، وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان في مارس 2026 وحده 131 ضحية مدنية (34 قتيلاً بينهم 9 أطفال و97 مصاباً).

الأطفال.. يلعبون في حقول الموت

من بين القتلى الأربعة عشر في ذلك الأسبوع: أربعة أطفال. ومن بين المصابين الاثنين والثلاثين: أحد عشر طفلاً. هؤلاء الأطفال لم يكونوا في ساحة معركة؛ كانوا يرعون، يلعبون، يتحركون في أماكن كانت يوماً آمنة. في المستورة بالرقة، انفجرت ذخيرة غير منفجرة بين يدي طفلين كانا يلعبان بها، فأُصيبا بجروح خطيرة. وفي عنكاوي بحماة، أُصيب ثمانية أطفال حين انفجر لغم أرضي أثناء لعبهم كرة القدم في حقل زراعي.

هذه ليست حوادث معزولة. وفق بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان حتى أبريل 2026، قُتل 65 طفلاً منذ سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر 2024. وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن الأطفال يشكلون نحو 30% من القتلى و40% من المصابين بمخلفات الحرب المتفجرة، مع عيش أكثر من 5 ملايين طفل في مناطق ملوثة. غالباً ما تظهر مقاطع فيديو صادمة أطفالاً يعبثون بأجسام غريبة تبين أنها ألغام أو ذخائر غير منفجرة.

أنواع الخطر.. ألغام وذخائر غير منفجرة تهدد كل خطوة

تتنوع أنواع الخطر: الألغام المضادة للأفراد التي تنفجر عند الضغط عليها، والذخائر غير المنفجرة التي تشكل خطراً خاصاً على الأطفال لأنها غالباً ما تبدو كألعاب ملونة أو أجسام غريبة، والقنابل العنقودية التي تترك عشرات أو مئات الذخائر الصغيرة غير المنفجرة في منطقة واسعة. هذا التنوع يفسر استمرار سقوط الضحايا حتى في الأنشطة اليومية البسيطة مثل الرعي، أو اللعب، أو الحرث، أو جمع الكمأة.

لماذا الآن؟ دوافع الارتفاع في الضحايا بعد سقوط النظام

يزداد الخطر اليوم لأسباب مترابطة. استخدم النظام السابق الألغام والقنابل العنقودية على نطاق واسع لتلويث الأراضي الزراعية كعقاب جماعي، خاصة في المناطق التي خرجت عن سيطرته، دون تقديم خرائط للحقول الملوثة. بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، عاد مئات الآلاف من النازحين إلى منازلهم وبدأوا في استصلاح أراضيهم الزراعية والبادية، مما جعلهم يواجهون أخطار كانت محظورة سابقاً. كما أن السيول والأمطار الغزيرة في مارس 2026 كشفت عن حقول ألغام مدفونة. أما ديناميكيات الحوكمة الانتقالية فأبطأت الاستجابة بسبب القيود البيروقراطية والتنسيق غير الكافي بين الجهات المحلية والدولية. هذه العوامل مجتمعة حولت “السلام” إلى مصدر موت جديد.

الزراعة والرعي.. رزق يتحول إلى كارثة يومية

منذ 8 ديسمبر 2024 وحتى نهاية فبراير 2026، سجّل قطاع إزالة الألغام بالتعاون مع منظمة السلامة الدولية أكثر من 1,051 حادثة، أسفرت عن 1,891 ضحية مدنية (698 قتيلاً و1,193 مصاباً). ومع استمرار الحوادث في مارس وأبريل 2026، وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 329 مدنياً (بينهم 65 طفلاً و29 امرأة) منذ سقوط النظام.

ويبرز موسم جمع الكمأة في البادية السورية كأحد أخطر الأنشطة الاقتصادية. كما أن الأمطار الغزيرة والسيول في مارس 2026 كشفت عن حقول ألغام كاملة في مناطق مثل غانم العلي بريف الرقة وبادية دير الزور، مما أدى إلى ظهور مئات الألغام على السطح وتسبب في حوادث كارثية ناتجة عن عبث الأطفال بها أو إصابات بين جامعي الكمأة.

الأكثر تضرراً هم الرعاة والمزارعون وجامعو الكمأة. وقعت غالبية الحوادث (أكثر من 61%) في أراضٍ زراعية أو رعوية أو بادية. المحافظات الأكثر تضرراً: دير الزور، حلب، وإدلب.

العقبات أمام فرق إزالة الألغام.. بيروقراطية تعيق السلام والتعافي

تواجه منظمات إزالة الألغام عقبات إدارية مستمرة تحول دون نشر فرق المسح والتطهير، وتؤخر التوعية بمخاطر الذخائر غير المنفجرة ومساعدة الضحايا، مما يُبقي ملايين المدنيين في المناطق الريفية والبادية تحت خطر دائم.

إلى متى.. الحقول السورية موت ينتظر خطوة خاطئة؟

سوريا تحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد ميانمار (التي سجلت 2,029 ضحية في 2024) وتفوق أفغانستان (624 ضحية)، رغم أن الحرب انتهت عسكرياً. التكلفة الاقتصادية تفوق الخسائر البشرية: ملايين الأمتار المربعة من الأراضي الزراعية محظورة، مما يفاقم انعدام الأمن الغذائي ويعرقل التعافي. تكلفة عدم التدخل تُقاس بخسائر الإنتاج الزراعي وتأخير إعادة الإعمار، بينما يُعد الاستثمار في إزالة الألغام عائداً مضموناً على التنمية.

للخروج من هذه الحلقة المفرغة، يجب اتخاذ إجراءات مرتّبة حسب الأولوية:

عاجلة (0-6 أشهر):

  • تبسيط القيود البيروقراطية وإلغاء العوائق أمام المنظمات الدولية.
  • توسيع حملات التوعية لتصل إلى كل مدرسة ومجتمع في البادية والمناطق الريفية.

متوسطة الأجل (1-3 سنوات):

  • تقديم تمويل دولي متعدد السنوات مع تخصيص نسبة واضحة لمساعدة الضحايا (إعادة التأهيل الطبي والنفسي والاقتصادي).
  • دمج إزالة الألغام في خطط التعافي الاقتصادي المبكر، خاصة استعادة الأراضي الزراعية.

طويلة الأمد:

  • بناء قدرات وطنية مستدامة للمركز الوطني لإزالة الألغام.
  • العمل على انضمام سوريا لاتفاقية أوتاوا وتوفير خرائط شاملة للحقول الملوثة.

الهدف الواضح: مضاعفة حجم التمويل الدولي المخصص لإزالة الألغام والتوعية في سوريا خلال الـ 12 شهراً القادمة، ليصل إلى مستوى يسمح بتطهير 20% على الأقل من الأراضي الزراعية والبادية الأكثر خطراً، مع الوصول بحملات التوعية إلى مليوني شخص على الأقل.

هذا الهدف ليس طموحاً فحسب، بل ضرورة إنسانية واقتصادية. الوقت ليس رفاهية. كل يوم يمر يعني ضحايا جدد وتعافياً أبطأ. الاستثمار الجاد اليوم هو الطريق الوحيد لتحويل الحقول والبادية السورية من حقول موت إلى أرض حياة ورزق.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى