العربي الآن

الشرعية بين الدولة والمجتمع: تعيين محافظ الحسكة اختبارٌ للعدالة والتمثيل والثقة

لا يمكن قراءة تعيين نور الدين عيسى (أبو عمر خانيكا) محافظًا للحسكة بوصفه إجراءً إداريًا عاديًا، بل بوصفه اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا لمفهوم الشرعية

خليل البطران – العربي القديم

الشرعية في معناها السياسي ليست قرارًا يصدر عن سلطة، ولا مرسومًا إداريًا يُنفَّذ بالقوة، بل هي عقد غير مكتوب بين الدولة والمجتمع، قوامه القبول، والثقة، والمساءلة. وكل سلطة تفقد هذا العقد، ولو امتلكت أدوات السيطرة، تفقد معناها كدولة وتتحول إلى إدارة أزمة.

في السياق السوري، حيث تتداخل آثار الصراع مع تعقيدات المرحلة الانتقالية، تصبح الشرعية مسألة مصيرية لا شكلية. إذ لا يمكن الحديث عن إعادة بناء الدولة أو استعادة السيادة دون إعادة بناء الثقة مع المجتمعات المحلية، ولا يمكن ترميم هذه الثقة بقرارات تتجاهل الذاكرة الجمعية، أو تتجاوز معايير العدالة والتمثيل.

من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة تعيين نور الدين عيسى (أبو عمر خانيكا) محافظًا للحسكة بوصفه إجراءً إداريًا عاديًا، بل بوصفه اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا لمفهوم الشرعية ذاته: من أين تُستمد؟ ولصالح من تُمارس؟

أولًا: سجلّ الشخص المعيَّن… عبء لا يمكن تجاهله

الاعتراض الواسع في أوساط أبناء الحسكة لا ينطلق من موقف سياسي مجرد، بل من سجل موثق للشخص المعيَّن. فخانيكا يُعد قياديًا بارزًا في قسد، وليس شخصية مدنية محايدة، وهو متهم بالمشاركة في عمليات تجريف أكثر من 15 قرية في ريف القامشلي (منطقة جزعة)، ضمن سياسات ممنهجة طالت الممتلكات والبنية السكانية، وانتهت بتهجير قسري للسكان.

هذه الانتهاكات موثقة في تقارير منظمة العفو الدولية، ما يخرجها من دائرة الادعاء السياسي إلى نطاق الوقائع الحقوقية المعترف بها دوليًا.

إضافة إلى ذلك، شغل خانيكا منصب مدير سجن “عليا” سيّئ الصيت، المرتبط بانتهاكات جسيمة بحق المعتقلين، من تعذيب وسوء معاملة وإخفاء قسري.

في أي منطق دولتي، يشكل هذا السجل مانعًا أخلاقيًا وقانونيًا لتولي منصب سيادي، لا مؤهلًا له.

ثانيًا: من أين تُستمد الشرعية؟

الشرعية في الفكر السياسي الحديث تقوم على ثلاثة أعمدة:

القبول الشعبي،

الأساس الدستوري والقانوني،

المساءلة عن الماضي.

وحين يغيب العمود الأول، ويُهمَّش الثاني، وتُعطَّل آليات الثالث، تتحول الشرعية إلى فرض قسري مغلّف بخطاب براغماتي. وهذا ما يخشاه أبناء الحسكة: أن تُفرض عليهم سلطة محلية لا تمثلهم، ولا تحاسب نفسها، ولا تعترف بذاكرتهم.

ثالثًا: المصطلحات الفضفاضة… غطاء لتأجيل العدالة

يُسوَّق هذا النوع من التعيينات تحت عناوين متكررة:

الحفاظ على السلم الأهلي

ضرورات المرحلة

التوازنات الإقليمية

التفكيك الناعم

الدمج المرحلي

غير أن هذه المصطلحات، حين تُستخدم لتجاوز الانتهاكات بدل معالجتها، تتحول إلى أدوات تبييض سياسي.

فالسلم الأهلي لا يُبنى فوق شعور بالظلم، والتوازنات لا تستقيم إذا كان ثمنها إقصاء المجتمع المحلي، والدمج لا معنى له دون تفكيك البنية القمعية ومحاسبة رموزها.

رابعًا: استرضاء المتهمين بالمناصب… أزمة عدالة انتقالية

إن مكافأة المتهمين بمناصب سياسية أو عسكرية بدل إحالتهم إلى القضاء يطرح تساؤلات عميقة حول مدى جدية الحكومة في تطبيق العدالة الانتقالية.

فالعدالة الانتقالية لا تعني تجاوز الجرائم باسم الاستقرار، بل تعني كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضرر، ثم المصالحة. أما استبدال السجن بالمنصب، والمساءلة بالترقية، فهو نسف صريح لفكرة العدالة، ورسالة واضحة بأن الجريمة قابلة للتجاوز إذا امتلك صاحبها أوراق قوة أو نفوذًا سياسيًا.

خامسًا: تجاهل الأغلبية العربية… خلل تمثيلي خطير

إلى جانب السجل الجنائي، يبرز بُعد لا يقل خطورة، وهو تجاهل الأغلبية العربية في محافظة الحسكة عند تعيين محافظ كردي، في خطوة تُعد انتهاكًا صارخًا لمبدأ التمثيل العادل وروح الشراكة الوطنية.

المشكلة هنا ليست في الانتماء القومي بحد ذاته، بل في اجتماع عاملين خطيرين:

تجاهل الإرادة المجتمعية المحلية، وتعيين شخصية عسكرية متهمة بانتهاكات.

ولو كان التعيين لشخصية مدنية نظيفة السجل، لكان الجدل أقل حدّة. لكن تسليم رقاب أبناء الحسكة لشخصية ارتبط اسمها بالقمع والتجريف يمثل استخفافًا بمعاناتهم، ويقوض أي حديث عن السلم الأهلي.

سادسًا: كلفة ترويض القوى المسلحة

تجارب الدول الخارجة من النزاعات تؤكد حقيقة واحدة:

ترويض القوى المسلحة الخارجة عن الدولة أعلى كلفة من تفكيكها قانونيًا.

فالترويض يمنح هذه القوى شرعية جديدة، وينقل نفوذها إلى داخل مؤسسات الدولة، ويؤجل الانفجار بدل معالجته.

أما التفكيك القانوني والمحاسبة التدريجية، فهو المسار الأقل كلفة على المدى البعيد، والأكثر انسجامًا مع بناء دولة مستقرة.

سابعًا: الحسكة وخيبة الأمل المتراكمة

كثير من أبناء الحسكة، ولا سيما الفئات المهمَّشة، كانوا يظنون أن الوقت قد حان لإنصافهم بعد سنوات طويلة من التهميش السياسي والخدمي والتمثيلي.

غير أن القرارات الأخيرة أعادت إنتاج الإحساس ذاته بأن المحافظة ما تزال تُدار كـهامش سياسي، لا كجزء متكافئ من الدولة.

هذا الشعور لا ينبع من قرار واحد، بل من مسلسل طويل من التهميش، جعل الآمال تتحول إلى خيبة، والانتظار إلى قناعة بأن الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل غير معلوم وقتها ولا شكلها.

وهو مسار، إن استمر، لا يهدد الاستقرار فقط، بل يُعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

ثامنًا: بين الثروات والمهمشين… ازدواجية واضحة

رغم أن الحسكة تملك موارد طبيعية ضخمة وثروات استراتيجية، يُلاحظ أن الاحتفاء بهذه الثروات لا يصاحبه اهتمام ملموس بأهلها، الذين يواصلون معاناتهم من الإقصاء والتمثيل المحدود والخدمات الأساسية الناقصة. هذا التناقض يضاعف شعور المجتمع المحلي بأن القرار السياسي لا يخدمهم، بل يخدم مصالح أخرى، ويضعف أي خطاب عن العدالة أو التنمية الشاملة.

تاسعًا: ازدواجية المعايير… لماذا الحسكة؟

يتردد في الشارع أسئلة مشروعة:

لماذا يُراعى في الحسكة ما لا يُراعى في غيرها؟

لماذا تُمرَّر تعيينات لا يمكن تمريرها في محافظات أخرى؟

وهل تحولت الحسكة إلى مساحة اختبار لسياسات استثنائية، على حساب سكانها؟

هذه الأسئلة لا تعكس نزعة اعتراض، بل أزمة ثقة، وأي حكومة تتجاهلها تُخاطر بفقدان ما تبقى من رصيدها الشعبي.

الشرعية على المحك

إن تعيين خانيكا محافظًا للحسكة ليس تفصيلًا إداريًا، بل مفصل سياسي وأخلاقي. فإما أن تكون سوريا مقبلة على دولة قانون، تُحاسب قبل أن تُكافئ، وتمثل المجتمع قبل أن تديره، وإما أن تكون أمام إعادة إنتاج للأزمة بشرعيات مؤقتة، تُدار بلغة الضرورة وتُفرغ العدالة من مضمونها.

ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه أبناء الحسكة: هل تُبنى الدولة لإرضاء المجتمع، أم لإدارة توازنات على حسابه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى