متى تصبح سوريا أولًا عند السوريين؟
التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في مشروعية التعاطف مع القضايا العادلة، بل في كيفية التعبير عنها دون الإضرار بالمصلحة الوطنية

جميل الشبيب – العربي القديم
في الأسابيع الماضية، شهدت بعض المدن السورية مظاهرات حاشدة احتجاجًا على قانون إعدام الأسرى الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين. وقد رافق هذه التحركات ظهور مشاهد مسلّحة وشعارات حادّة، بعضها تضمّن تهديدًا مباشرًا، إلى جانب حوادث اعتداء على مقار دبلوماسية، أبرزها السفارة الإماراتية في دمشق، فضلًا عن هتافات مناهضة لدول عربية أخرى.
هذه المشاهد تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز الحدث الآني، لتلامس سؤالًا أعمق: هل تستطيع سوريا، في هذه المرحلة الدقيقة، تحمّل تبعات مثل هذا الحراك؟ وهل يخدم هذا السلوك فعليًا القضايا التي يرفعها، أم أنه قد يُلحق ضررًا بمسار التعافي السياسي والدبلوماسي الذي تعمل عليه الدولة منذ أكثر من عام ونصف؟
لا يمكن إنكار أن جزءًا كبيرًا ممن خرجوا إلى الشارع تحرّك بدافع صادق يتمثل في دعم القضية الفلسطينية، وهي قضية لطالما شكّلت عنصرًا مركزيًا في الوجدان السوري. كما لعبت الاستفزازات الإسرائيلية الأخيرة دورًا في تأجيج المشاعر، خاصة في ظل ما يعتبره السوريون استمرارًا لمحاولات العبث باستقرار بلدهم بعد سقوط النظام.
لكن، في المقابل، لا يمكن إغفال وجود أطراف أخرى استثمرت هذه اللحظة لأهداف مختلفة. فبعض المشاركين لم يكن دافعهم الأساسي نصرة فلسطين بقدر ما كان السعي لإحراج الحكومة السورية، أو إعادة توجيه البوصلة نحو أجندات إقليمية، تتقاطع مع مصالح قوى مثل إيران وحلفائها في المنطقة، في ظل تصعيد واسع تشهده الساحة الإقليمية.
هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: من يقف خلف تنظيم هذه المظاهرات؟ وهل كانت الحكومة على علم بها واختارت الصمت، أم أنها فوجئت بها كما فوجئ غيرها؟
الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن أي حراك بهذا الحجم لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التجاذبات الداخلية والخارجية، خاصة في مرحلة انتقالية تعيد فيها سوريا ترتيب علاقاتها الدولية وتحاول استعادة موقعها الإقليمي.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في مشروعية التعاطف مع القضايا العادلة، بل في كيفية التعبير عنها دون الإضرار بالمصلحة الوطنية. فسوريا، التي خرجت لتوّها من سنوات طويلة من الصراع، لا تزال في مرحلة هشّة تتطلب قدرًا عاليًا من الانضباط السياسي والشعبي، وتغليب الأولويات الداخلية على أي اعتبارات أخرى.
قد يكون من المشروع أن يغضب السوريون لما يحدث في فلسطين، وأن يعبّروا عن تضامنهم، لكن الأهم هو أن يتم ذلك ضمن إطار لا يعرّض بلادهم لمخاطر إضافية، ولا ينسف الجهود الدبلوماسية التي بُذلت بصعوبة لإعادة سوريا إلى الساحة الدولية.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: متى تصبح سوريا أولًا في وعي السوريين؟
ليس بمعنى التخلي عن القضايا الكبرى، بل بوضع مصلحة البلاد واستقرارها في صدارة كل تحرّك، لأن خسارة الداخل تعني فقدان القدرة على التأثير في الخارج، مهما علت الشعارات.