سيمور هيرش: لم أكن مثالياً
سيمور هيرش يسرد سيرته الذاتية في فيلم وثائقي حمل عنوان: (التستر. صحفي في مواجهة سلطة) على نتفلكس، ويعترف أنه أخطأ في تقييم الديكتاتور الهارب.

فرحان المطر* العربي القديم
أن تصل متأخراً أفضل من ألا تصل. هكذا يقول المثل الشائع، لذلك أن يعترف صحفي كبير بوزن سيمور هيرش بأنه أخطأ في تقييم ديكتاتور كالرئيس السوري السابق بشار الأسد، حتى ولو بعد فوات الأوان فهو أمر مرحب به، بل وربما يكتسب أهمية إضافية الآن.
سيمون هيرش الصحفي الأمريكي الحائز على جائزة بولتزر للصحافة، والذي اشتهر عام 1969 بعد كشفه لمذبحة (ماي لاي) التي ارتكبتها القوات الأمريكية في فيتنام. هيرش الذي أماط اللثام عما حدث في سجن أبو غريب الأمريكي في العراق، وفضح الانتهاكات التي قام بها جنود أمريكيون بحق معتقلين في السجن، كل ما سبق لم يبعد عنه شبح التواطؤ، أو التستر على جرائم رأس النظام السوري السابق بشار الأسد، خاصة بعد مجزرة الكيماوي التي نفذها ذلك النظام بحق المواطنين في الغوطة عام 2013. ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم بأخبار الهجوم الكيماوي على الغوطة، وتم توجيه أصابع الاتهام إلى رأس النظام السوري وتحميله المسؤولية المباشرة عن تلك الجريمة، انفرد سيمور هيرش بموقف لافت للنظر من خلال مقالة نشرها في مجلة (لندن ريفيو)، بعنوان: لمن غاز السارين؟ تضمنت تشكيكاً بمجمل الرواية والوقائع التي أحاطت بتلك الجريمة بحق الإنسانية.
هذا الموقف الذي تمسك به هيرش جعله بنظر المعارضة السورية منحازاً للنظام السوري ومؤيداً له، وظهر ذلك جلياً من خلال احتفاء الإعلام النظام السوري به وبكتاباته وبآرائه، لدرجة أنه يتم الاستشهاد به كدليل دامغ يؤكد براءة نظام الأسد من تلك الجريمة. ينطلق موقف سيمور هيرش المعلن في تلك المقالة على عدد من النقاط يأتي في مقدمتها: – السلاح الكيماوي متوفر لدى الطرفين السوريين، ولا دليل على أن النظام هو من استخدمه في الهجوم. – ما المانع أن تلجأ المعارضة السورية المسلحة إلى استخدامه وتحميل التهمة للنظام؟ – التشكيك بالرواية الرسمية الأمريكية بهذا الصدد، والقول بأنها تتسرع بتوجيه الاتهامات لنظام بشار الأسد باعتمادها على معلومات استخباراتية غير مؤكدة، مذكراً بالوقت عينه بما حدث في العراق عندما استخدمت حجة وجود أسلحة الدمار الشامل التي ثبت لاحقاً عدم مصداقيتها، وبالتالي خوفه من تكرار السيناريو الأمريكي في العراق. الآن، وبعد ثلاثة عشر عاماً على ذلك الهجوم يأتي اعتراف سيمور هيرش بأنه أخطأ التقدير في نظرته للرئيس السوري المخلوع بقوله: لم أكن مثالياً. يعرض على نتيفلكس الفيلم الوثائقي cover-up un journaliste face au pouvoir الذي يسرد فيه سيمور هيرش سيرته الذاتية، مسلطاً الضوء على أبرز محطات حياته المثيرة للجدل، وطريقته بتتبع الأخبار ومصادرها التي أصر على عدم الكشف عنها بحجة الحفاظ على حماية الأشخاص الذين ما زالوا على قيد الحياة، ولكنه في نفس الوقت كشف أسماء الأشخاص الراحلين. عندما يأتي على ذكر سوريا في الفيلم يقول سيمور هيرش: “كنت أكتب عن سوريا لأن من الواضح أنني صدمت لأنها سقطت بسرعة. عهد جديد في سوريا مع سقوط نظام الأسد. أقرأ هذه الأنباء الآن وأقول لنفسي: (لقد أسأت الحكم عليه حقاً). يواجه السوريون الأهوال داخل سجن التعذيب. مر وقت طويل منذ… لم أرَ هذا المقال من سنوات (مشيراً بيده إلى إحدى مقالاته بخصوص سوريا). كتبت قصصاً لمجلة (لندن ريفيو): لمن غاز السارين؟ وردت تقارير تفيد بأن الأسد قتل شعبه بالغاز.”
ورداً على سؤال: هل التقيت الرئيس السوري، يجيب: رأيته مرتين، أو ثلاث، أو أربع مرات، ولم أظن أنه كان قادراً على اقتراف ما فعله. ببساطة، ولنعدّها غلطة. لنعدها غلطة فادحة. سؤال: هل هذا مثال على الاقتراب من السلطة؟ جواب: بالتأكيد. ماذا سيكون غير ذلك؟ كان المدافعون عن حقوق الإنسان يضيقون الخناق عليه. لم أظن قط أنه شخص صالح، لكنني ظننت أنه لا بأس به. يخشى الآلاف ألا يجدوا أقربائهم المفقودين. لكن إن زعمت في مقابلات سابقة أنني مثالي، فأنا أتراجع الآن. هذا كل شيء. لم أكن مثالياً”.
بالعودة إلى الفيلم الوثائقي الذي حمل عنوان: (التستر. صحفي في مواجهة سلطة)، فإننا نرى ومن خلال اعتراف سيمون هيرش المشار إليه بخصوص الشأن السوري، مثالاً شديد الوضوح على عملية التستر على حاكم ارتكب جرائم حرب بحق شعبه بشار الأسد نموذجاً، وكيف تمت عملية استثمار هذا التستر من قبل بروباغندا النظام في مواجهة رواية المعارضة.
مثال جديد آخر على التستر، أو الانحياز الواعي للنظام السوري السابق هو ما نشرته صحيفة (الأخبار) اللبنانية المعروفة بموقفها الداعم العلني. نشرت جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 13 يناير 2026 مقالة للكاتب اللبناني: بول مخلوف، بعنوان: سيمور هيرش… الصحفي الذي عرّى وحشية أمريكا. علق الكاتب في مقالته على الفيلم الوثائقي: cover-up un journaliste face au pouvoir مبرزاً أهم ما جاء في شهادة سيمور هيرش حول محطات حياته المهنية المثيرة للجدل. غير أن الكاتب أغفل تماماً كل ما ذكره سيمون هيرش عن سوريا ورئيسها المخلوع، فهل هذا مجرد سهو؟.
أعتقد أنه يؤكد رؤية الكاتب والجريدة في انحيازهما بما يخص الموقف من النظام السوري السابق ورئيسه المخلوع. الاعتراف بالخطأ، إن كان مجرد خطأ بسيط أمر جيد، وهو يتطلب شجاعة بحد ذاته، غير أنه في حالة صحفي بهذا الوزن والسمعة والتاريخ، يتعدى ذلك ليصبح تستراً عن سابق تصور، وهو ما يضع الكثير من إشارات الاستفهام حول مصداقيته المهنية أساساً. مع كل ذلك تبقى الشهادة والاعتراف بالخطأ ميزة مقبولة دائماً.
………………………………………………………………………………
* كاتب وصحفي سوري – فرنسا.