شهادات في رحيل كوليت خوري: بين امتحان الإرث العائلي والبصمة الأدبية
ثلاث شهادات استأثرت بالاهتمام وأثارت سجالاً على وسائل التواصل الاجتماعي، حول أدب كوليت خوري ومواقفها وأسلوب فهمها للسياسة ونظرتها للثورة

العربي القديم – متابعات
عن عمر يناهز الخامسة والتسعين عاماً، رحلت يوم العاشر من نيسان/ إبريل 2026 الأديبة السورية كوليت خوري (1931 -2026) بعد صراع مع مرض السرطان في دمشق.
كوليت التي كانت مواقفها المثيرة للجدل – كما أدبها وكما نسبها الرفيع الذي يمتد للجد العظيم فارس الخو ري وينأى عن إرثه– شغلت وسائل التواصل الاجتماعي برحيلها، وبتقييم مواقفها من الثورة السورية على الأخص… ناهيك عن تقييم إسهاماتها الأدبية، وعلاقة أدبها بمدينتها دمشق. (العربي القديم) اختارت لقرائها، ثلاث شهادات، تنتمي لرؤى مختلفة إزاء الأديبة الراحلة، وبعضها كتبها أصدقاء للأديبة الراحلة. (العربي القديم)

ثابت سالم: لا تفقه في السياسة أو الفكر السياسي الكثير

الحديث عن الكاتبة كوليت خوري ليس أمراً سهلا فقد كانت تتمتع بسمعة وشهرة واسعة على مدى سبعين عاما عاشتها مع انظمة سياسية متنوعة ومتناقضة واجواء ثقافية تضمنت تيارات جارفة ومتنوعة أيضا حيث كانت سوريا خلال هذه الفترة عرضة لتيارات قوية نهضوية تزامنت مع موجة التحرر العالمي بتفاعلاتها المختلفة.
الإرث الذي حملته كوليت في رأيي لم يكن بسبب سمعتها الادبية التي أترك للنقاد الحكم عليها، ولكن بسبب كونها حفيدة فارس الخوري رئيس الوزراء ورئيس البرلمان السوري والشخصية السياسية المشهود لها وإسهامه بقوة في الحياة السياسية السورية في مرحلة الاستقلال والحكم الوطني.
لا شك كان لكتابات كوليت الخوري أثر يشبه الصدمة لأنها تجرأت على كسر التابو مع صدور روايتها “ايام معه” في واقع اجتماعي كان مازال يعتبر واقعا محافظا لكنه جاهز للانفتاح على كل ما هو حديث.
ما يهمني في هذه الزاوية هو سرد تجربة شخصية لي مع السيدة كوليت التي ثبت لي وبالدليل القاطع والملموس انها لا تفقه في السياسة او الفكر السياسي الكثير بل أنني أميل إلى القول إنها لم تكن معنية بهذا النشاط الحياتي في شيء في بلد يتنفس أبناؤه السياسة في يقظتهم ونومهم ومأكلهم ومشربهم.
مع انطلاقة الثورة في آذار من عام ٢٠١١ انشأت موقعا مع الكاتب نبيل الملحم على الشبكة باسم ” أنت البلد” وهو اول موقع اعتبر معارضا في سوريا واستمر مدة عام، بعد تعرضي لمحاولة التصفية بسببه كما فهمت لاحقا ونجاتي بفضل أصدقاء فاعلين في السلطة آنذاك.
كانت المرحومة كوليت تتابع ما ينشر على الموقع من مقالات إلى ان كان يوما من ايام ايار ٢٠١١ عندما جاءني اتصال منها في الساعة الرابعة بعد الظهر وقال : ثابت اريد ان تاتي إلي الآن. قلت لها خير إن شاء الله؟ قالت: ضروري… ضروري مجيؤك اللحظة. قلت لها: إنها الرابعة وهو وقت قيلولة ما هو الامر الملح الذي يستدعي طلبك هذا. أجابت بالإنكليزية بليز تعال.
كانت الراحلة ترتبط مع العائلة بصداقة شخصية وهي تسكن على بعد ستين مترا من بيتي.
ذهبت وكان ان قالت عند نهاية الدرج وهي تفتح الباب وبالحرف: ثابت بدي صير معارضة. جلست وانا اقول لها ضاحكا وقلت إذا هيك القصة بسيطة، وماذا يمنعك؟ قالت اريد ان افهم أكثر. هنا قلت لها وكيف تريدين ان تفهمي يكفي ان تقرئي سيرة جدك فارس بك حتى تفهمي. اجابت “بيني وبينك انا ما كتير بفهم بالسياسة اشرحلي”. كان الموقف ساخرا بل كاريكاتوريا في مظهره ومضمونه. شربت قهوتي وخرجت على ان نستمر في اللقاء والمتابعة.
فوجئت بعد مدة قصيرة ان بعضاَ من رجال الدين المسيحي اقاموا قداسا في كنيسة الصليب المقدس حضره عدد من الفنانين والكتاب ومن بينهم كوليت الخوري ووقعوا ما اسموه وثيقة بالدم للدفاع عن النظام والقائد بطريقة فجّة توحي بان الطائفة المسيحية تقف إلى جانب النظام وتدين مظاهرات الشعب السوري التي تعم ارجاء البلاد.
تزعم الموضوع المطران الراحل لوقا الخوري الذي كان “شبيحاً” بامتياز والذي كان العضو الفاعل في لجنة شكلها كما قيل المجرم جميل الحسن من خمسة اعضاء تناولها الاستاذ فواز تللو في فيديو على اليوتيوب وكان الهدف منها ترهيب المسيحيين في سوريا من ثورة الشعب السلمية ووصمها بالحركة المتطرفة والإرهابية الهادفة إلى قلع المسيحيين من البلاد.
بنتيجة ذلك القداس كتبت تحذيرا إلى رجال الدين المسيحي (قاصدا المطران لوقا الخوري) ورجال الدين بأطيافهم عموما ومن شتى النحل والملل ونشرته على موقع “انت البلد” وقلت فيه:
“إلى رجال الدين المسيحي، نحن نعرف كيف تلونون قلنسواتكم وتصبغون لحاكم فمجالكم هو الدين. مهمتكم تنحصر فقط بالاتصال مع الله إن قبل الاتصال بكم. ليس من شانكم التدخل في السياسة من قريب او بعيد وإلا فإن للناس شاناَ آخر معكم”.
منذ ذلك القداس وحتى فارقت كوليت الحياة لم أرها.
ما أريد قوله هو أن كوليت كانت ظاهرة لكونها حفيدة فارس الخوري اولا ولكونها من رائدات انطلاق المرأة السورية في ذلك الزمن.
لم تكن المرحومة كوليت خوري شخصية سياسية يوما ولم تكن مؤهلة لتمثل رأيا عاما ذا صفة طائفية بل يمكنني القول أنها كانت تؤخذ “بالترند” ليس اكثر ومن هنا لا يجوز باي صورة من الصور أن ينظر إليها بهذا المنظار ومن هذه الزاوية.
حاول النظام السابق أن يستغل صفتها ويوظفها لمصالحه بان اعطاها وساما لأنه كان الأبعد والاكثر عداءَ لما حمل فارس الخوري من مُثل وفكر سياسي شرّف تاريخه الوطني.
محمد منصور: لم تكن كذلك على مستوى الأحداث ولا التحولات الوطنية

رحلت كوليت خوري وقد عاشت تسعة عقود ونيف، فعاصرت كل العهود التي مرت بها سورية بدءا من الانتداب الفرنسي حيث ولدت في ثلاثينات القرن العشرين ومرورا بالجلاء والوحدة والانفصال وانقلاب البعث وحكم الأسد الأب ثم وريثه الأبله الهارب. وانتهاء بعهد التحرير وانتصار الثورة التي ناصبتها العداء.
كان يمكن لأديبة عاشت السيرة الذاتية لسورية بتاريخها المعاصر، أن تكون أكثر نزاهة في الحكم على أحقية الشعب السوري في الثورة ضد حكم الأسد وفساده وإجرامه ووحشية مخابراته… فلا توجد مرحلة في تاريخ سورية كلها يمكن أن تداني سوء مرحلة الأسد وإجرامه، لكن كوليت خوري التي أضحت عضوا في مجلس الشعب في عهد حافظ الأسد في تسعينيات القرن العشرين لأكثر من دورة، ثم مستشارة ثقافية للمجرم بشار الأسد، اختارت بعد ان ثار الناس عليه أن تقف في صفه.
لم تستطع كوليت التي طالما أبهرتني اناقتها الدمشقية حين كنت أزورها في بيتها في (القصاع) في تسعينيات القرن الماضي، وهي تحدثني بفخر عن مشروع إصدار مذكرات جدها (اوراق فارس الخوري) لم تستطع ان ترقى إلى عظمة ومجد هذا الجد الذي كان نبراسا في الوطنية الصادقة والحاذقة لكل السوريين… كما لم تستطع حتى ان تلامس تمرد ابيها وزير الشؤون البلدية والقروية في حكومة الانفصال سهيل الخوري، الذي طبق عليه انقلاب البعث الأسود العزل المدني عام ١٩٦٣، كما لم تستطع ان تلامس مجد خالها حبيب كحالة منشئ مجلة (المضحك المبكي) واحد آباء الصحافة السورية الأرقى والأبقى، ولا أن تتخذ شيئا من مواقف ابن خالها سمير حبيب كحالة الشجاعة في إضراب النقابات المهنية في وجه حافظ الأسد عام ١٩٨٠ ثم خروجه إلى باريس ليعيش في المنفى.
كانت كوليت خوري التي دخلت الوسط الأدبي بقوة عام ١٩٥٩ محفوفة بضجة روايتها الأولى (أيام معه) ثم جرأة روايتها الثانية (ليلة واحدة) بعد ذلك بعامين، منتمية لسورية الأسد وقد أخذتها شهوة البرستيج السلطوي… فكتبت كما من المقالات المتملقة الركيكة، التي كانت تحسبها قدرا ما دمت تعيش في عصر سلطة شمولية مجرمة لا تتساهل مع احد، لكنها في كل الأحوال كانت تصرف في رصيد مجدها العائلي، ومن رصيد موهبتها الأدبية المترنحة شعرا ونثرا ورواية وقصة ومقالة. أحببت صورة دمشق في رواية (ومرّ صيف) وقد شبهتها كوليت بأن “دمشق في الصيف كالمرأة المعطرة تعبق بين ذراعي رجل” لكن أدب كوليت عموما، لم يهتم بدمشق على النحو الذي اهتمت بها كاتبات جيلها… ربما نظرت إليها كمسرح لأحداث عاطفية لبطلات رواياتها، لمزاجبتهن، لتوقهن للتحرر… لكن دمشق التي رزحت تحت حكم الديكتاتور لم تعرها كوليت أي انتباه، لم تشأ الاقتراب منها. ورحلت ولم تكتب كلمة واحدة عن سقوطه أو هروبه رغم انها أدركت الفارق بين العهدين في التعامل مع رأيها الآخر.
كوليت اسم مهم في الذاكرة الأدبية السورية. لا يمكن تجاهله… لكن لا تستحق لقب أديبة دمشق ولا أيقونتها، واعتقد انها لم تكن كذلك على مستوى الأحداث ولا التحولات الوطنية.
د. أحمد عسيلي: موقف واحد جمعني مع كوليت خوري

لما كنت صف عاشر قرأت رواية (أيام معه) ورواية (أيام مع الأيام)، كانت روايات ساحرة خاصة لمراهق حالم متلي، نص وقته فوق السحاب. كنت أحكي عن الرواية كتير لكل رفقاتي وأقول لهم أنه أكيد كوليت خوري رومانسية كتير
بالسنة التانية بكلية الطب، كان إلها أمسية قصصية مع وليد اخلاصي باللاذقية بمهرجان المحبة، اتصل فيي رفيقي ع بيتنا بطرطوس عم يبشرني أنه ممكن شوفها واحكي معها الليلة لكوليت خوري، انا ما صدقت وحجزت ع اللاذقية فورا ورحت مع ٢ رفقاتي حضرت الأمسية ويا ليتني ما حضرتها
كانت القصة عن امرأة تتمنى أن تصبح عشر نساء، واحدة تعلم الأجيال حب الوطن، وواحدة طبيبة تداوي الجرحى و… و… شي ركاكة مو طبيعية!
بعد الأمسية رحت بدي احكي معها وهون الصاعقة؛ كلمات سوقية وسخة بخجل اكتبها، قصص عن علاقاتها رجال الأمن، و لما قلت لها: “مو هيك كنت متوقع القصة” جنت عليي وكانت لح تضربني لولا الناس بعدوها عني.
بتذكر لهلق كان قبل بفترة لقاءها مع جزيل خوري، فقالت انه غلبتها لجزيل، وانه هديك إذا مفكرة حالها “عاهرة” فهي “عاهرة” أكتر منها بأبشع الكلمات اللي ممكن تتخيلوها .
ليلتها صدمت، كنت مفكر الأدباء وخاصة الرومانسيين بالكتابة شي نادر. كانت أول صدمة تلقيتها بأديب في حياتي، بعدها عشت صدمات كتير، بس بتضل الصدمة الأولى غير.
كوليت انتقلت للعالم الآخر، بس أنا مع قول كلمة حق بالشخص إيجابي أو سلبي
وكوليت نموذج للكاتب اللي باع روحه للشيطان بسعر رخيص، وهي نفسها كانت عارفة وحاسة ع حالها أنها رخيصة وبلا أي ذرة أخلاق.