الماركسية بين لينين وأحمد الشرع
هل يحتفظ أحمد الشرع بزمام السلطة، هل من جواب فصيح صريح في الأفق المرئي؟ وهل هو بالفعل رجل المرحلة السورية الحديثة؟

عبد الرزاق دحنون – العربي القديم
بعد سنوات من الآمال العريضة والخيبات الكبيرة التي أثقلت كاهل الثورة السورية، جاء يوم الانتصار على يد أشدّ الفصائل الإسلامية راديكالية -يا للهول، من كان يظن بأن الثورة السورية ستنتصر!- نعم، انتصرت الثورة السورية في ليلة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 بعد كفاح مرير دام أكثر من عقد، حيث هرب الرئيس السوري بشار الأسد مع بعض أفراد أسرته في طائرة خاصة نقلتهم عبر أجواء مشحونة بالتوتر إلى حليفهم اللدود فلاديمير بوتين في موسكو، وقد أعلن بشار الأسد أكثر من مرة عبر الصحافة العربية والدولية أنه لن يهرب، ولكنه هرب، وانتصر الحلم، هل كان حلمًا بالفعل، نعم، كان حلمًا بكل تأكيد. وبعد أيام من ذلك الحدث الجلل اعترفت الثورية المتمردة والسجينة السابقة والتي كانت منضوية تحت راية أشدّ الفصائل الشيوعية راديكالية -حزب العمل الشيوعي- الروائية السورية حسيبة عبد الرحمن في لقاء مُتلفز مع حسين الشيخ مقدم برنامج بودكاست “بتوقيت دمشق”، قائلة:
(إن عصب الحراك الذي جرى في سورية من بداية ربيع عام 2011 كان إسلاميًا) وأضافت: (وهذه قناعتي، ولم أغيرها. هذه الملاحظة تأكدت لي مذ بدأتُ في مراقبة حراك مدينة دوما من ريف دمشق بصورة دقيقة، حيث ذهبت إليها مع بداية الحراك، مع العلم أنني لم أرَ هذا المشهد في المكان الذي أسكنه في حي “كفر سوسة” الدمشقي. في المجمل كان يسند حراك الشارع السوري ويحركه ويدفعه إلى الأمام “إسلاميون” بطيفهم الواسع من الإسلام التقليدي إلى الإسلام الشعبي إلى الإسلام المتشدد والذي أصبح راديكاليًا لاحقا).
وتعقيبًا على كلام المناضلة حسيبة عبد الرحمن، وما يُثير الانتباه حقًا أنها استطاعت قراءة الواقع بهذه النظرة الثاقبة. هل لأنها ابنة هذه الثورة وتعرف شحمها ولحمها؟ وهي تبدو محقة في هذا الأمر تمامًا، ولو خالفها في رؤيتها هذه كثير من رفاقها في حزب العمل الشيوعي، هل هذا مديح؟ نعم، أعترف بأنني أثني على حسيبة عبد الرحمن وأشد من أزرها في موقفها هذا.
ضوء من كارل ماركس
سأطرح سؤالًا وأحاول في الجواب وضع أساس فكري لبناء هذه المقالة الإشكاليّة والتي لا يتفق الجميع على متانة بنيانها، والقصد هنا أن توضع الأمور في سياقها الصحيح، بمعنى أن ننهج نهج التفكير المستقيم ونبتعد عن التفكير الأعوج. وفي العموم أحاول من خلال طريقة تفكير ماركسية، عبر نهجها الأشهر “الديالكتيك” تقديم جواب عن سؤال مهم في هذه المرحلة من الثورة السورية: هل يحتفظ أحمد الشرع بزمام السلطة؟ وليسمح لي القارئ هنا بكشف أحد أقوى مناهج الماركسية في التفكير وهو يُخالف ما يتفق عليه أهل الماركسية السورية اليوم: السياسة هي التعبير المكثف عن الاقتصاد كما يقول ماركس. وكارل ماركس عرّف المادية الجدلية “الديالكتيك” بأنها المنهج الفلسفي الذي يُفسر تطورات الطبيعة والفكر الإنساني والمجتمع استنادًا إلى قوانين مادية وموضوعية، لا تعتمد على وعي الأفراد أو رغباتهم، بل تتحدد بالعلاقات المادية بين البشر في سياقها التاريخي والاجتماعي. وقد خالف بذلك فلسفة أستاذه هيغل الذي رأى أن الأفكار هي المحرِّك الأساسي للتاريخ؛ إذ أكد ماركس أن الوجود الاجتماعي هو ما يُحدّد الوعي، بمعنى أن الأفكار لا تغيّر العالم، بل الصراع الاجتماعي “الطبقي” بين الحاكم والمحكوم، بين الظالم والمظلوم، بين العمال ورأس المال هو ما يدفع عجلة التاريخ إلى الأمام. وهنا أطمح بوصفي باحثًا أن أتعلّم من الواقع الاجتماعيّ في حركته، وأندمج فيه، وبذلك أقف على أرض مُنتجة، أحرثها، وأبذرها، أتعب في سقايتها، وتعشيبها، وتنميتها، ومن ثمّ أحصد، أسوق المحصول إلى البيدر، أُذرّي، في يوم ريح، وأجمع حبًّا. لأن معادلة الوقوف على أرض فكريّة صلبة لم تَعد برهانًا راسخًا، البناء المُشيّد لا بد له من أرض جبليّة صلبة، راسخة، تحميه من العوامل الطبيعية، أما نحن معشر البشر الذين ندّعي امتلاك نظريّة علميّة للمعرفة، فإننا نحتاج دائمًا إلى إعادة إنتاج قيمنا المعرفيّة وفقًا لحركة الواقع، وهذا في ظني “لب فلسفة كارل ماركس”، ذلك أن العلم والنظريّة العلميّة تبدأ من الواقع التجريبيّ في حركته، لتعطي لهذا الواقع دفعة إلى الأمام في سبيل حياة أفضل للبشريّة.
تعال معي لنسقط طريقة التفكير هذه على الواقع السوري اليوم، فماذا نجد؟
نجد عديدًا من القوى السياسية أفرادًا وجماعات في الداخل والخارج يُطالبون بأن تكون الدولة بعد انتصار الثورة السورية: ديمقراطية علمانية تعددية تشاركية، تضع دستورًا يعتمد المواطنة في تعامله مع الأفراد، وتحقيق المساواة الكاملة بين مكونات الشعب السوري في التمثيل الحكومي والبرلماني والمؤسساتي، وهذا يعني دولة تشبه ما أنتجته الحداثة الأوروبية. لا شك في أن هذا حق، ولكن هل نكون مثل الذي “يغني في الطاحون”؟ من يصنع هذه الدولة المنشودة، ويقوم على حمايتها؟ الجماهير، الشعب، الأحزاب، النُخب، أم من؟ نحن بذلك نعيد قلب الماركسية رأسًا على عقب، بعد أن أوقفها كارل ماركس على قدميها، ومن ثم نعود إلى مثالية هيغل، ألم نتفق قبل قليل على أن “الأفكار” لا تصنع دولة بل الواقع الاجتماعي -البنية التحتية- بما فيه من روافع اقتصادية وسياسية واجتماعية هي -أي الروافع- من يحدد بناء هذه الدولة. لقد ذكرت بوضوح أنني أتعامل مع المنهج الماركسي، ومن ثم وفقًا للمادية التاريخية، القاعدة الاقتصادية -علاقات الإنتاج- يُحدّد شكل البناء الفوقي: السياسة، الدين، القانون، الثقافة، إلى آخره. فالتاريخ لا تصنعه الأفكار المجردة، بل الناس في عملهم اليومي، في طريقة كسبهم لأرزاقهم. عندما يبدأ الناس في الإنتاج وتستقر حياتهم يصنعون نظامًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا يشبههم، ولكن، أنت لا تثق بهذه المُعادلة أليس كذلك؟ وتسأل: ما قصد الماركسية من أن الأفكار لا تُغير العالم، وهل هي تُناقض عبارة ماركس الشاب في أول حياته قبل أن ينضج، وصارت واحدة من أشهر ما قاله: “الفلاسفة لم يفعلوا غير أن فسّروا العالم بأشكال مختلفة، ولكن المهمة تقوم في تغييره”. من يُغيّر العالم يا ماركس؟ وقف كارل ماركس بقوة وعزيمة ولهجة شديدة في كتاباته مع ثوار كومونة باريس الذين هبوّا لاقتحام أبواب السماء في ربيع عام 1871 وقد قال ماركس فيهم ما قال. وعشيّة انتصار البلاشفة في روسيا حاجج لينين في كرّاسه المشهور الصادر أول مرة عام 1918 في بطرسبورغ بعنوان: هل يحتفظ البلاشفة بالسّلطة؟ بأنّ المرتعبين من التغيير عادة ما يسلّمون بالثورات، نعم، ولكن شرط ألا تسفر عن وضع معقّد جدًا. ولكن هل يمكن أن توجد ثورات كهذه؟ الثورات، وإن بدأت في وضع قليل التعقيد في الظاهر، تسفر على الدوام، خلال تطورها، عن وضع معقّد جدًا، ذلك لأنّ الثورات الحقيقيّة، العميقة، الشعبيّة، على حدّ تعبير كارل ماركس، هي في النهاية عملية معقّدة ومؤلمة إلى أقصى حدّ.
وقد لا تكون هذه الحياة الجديدة الناتجة من الثورات أفضل من سابقتها القديمة، بل قد تكون حياة الناس ومؤسسات الدولة في عطالة لا يحسدون عليها، وهذا مفهوم، لأنّ الصيرورة التاريخيّة تفيد بصعوبة التنبؤ بنتائج الثورات العارمة. يقول المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه صديق فيدل كاسترو وأرنستو تشي غيفارا في عدد خاص من مجلة “لوبوان” الفرنسية ترجمه لي صديقي المترجم السوري غسّان غنّوم: (أحد مفارقات الثورات أنّها تؤدي إلى إبطاء سير الأشياء، بعد تسارع كبير في البداية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى منظومة مكابح ثقيلة. هناك في الثورات مناسبات كثيرة للفرح والبهجة، ولكن أيضًا للحزن والعزاء، وعلى المدى الطويل تتحول البهجة إلى مرارة، وأحيانًا كثيرة إلى كوابيس).
لينين وأحمد الشرع
نعود بعد هذه المقدمة التي سلطنا الضوء فيها على بعض المفهومات التي احتاجت إلى تصويب، لطرح السؤال من جديد: هل يحتفظ أحمد الشرع بزمام السلطة، هل من جواب فصيح صريح في الأفق المرئي؟ وهل هو بالفعل رجل المرحلة السورية الحديثة؟ كان التفكير في السؤال عملية شاقة ومخيفة تمامًا بالنسبة إلي، كما كنتُ أتخيل، عندما طرحت السؤال على نفسي، أما الجواب فقد كان اجتراءً في بعض الأحيان، ومع ذلك فقد شعرت بأهمية المحاولة. في “العلوم السياسية” ينطلق الكاتب من قاعدة، ويُسدّد نحو هدف، ويحمل قولًا ما، إن الجملة السديدة الأفضل هي الجملة الذي يُبذل فيها جهدٌ كبير. وها أنا أحاول من خلال تجربتي العملية مع اليسار والذي خبرت مطبخه جيدًا وما يُطبخ فيه. لا أستطيع توقع الجواب عن هذا السؤال المحوري بعد انتصار الثورة السورية، ولكن هي محاولة جادة لتلمس طرف الخيط الذي يقودنا إلى جواب واقعي حقيقي، أنا هنا أطرح أسئلة، حتى لا نكون كحاطب ليل، نريد أن نعرف أين تتجه سورية في الواقع الفعلي مع القيادة الجديدة التي أمسكت بزمام السلطة، وقد قال لينين في مناسبة ما: إن الواقع أشياء عنيدة. وأقول مع القائل: النار لا تؤكل بملاعق من خشب على كل حال.
طرحتُ السؤال على عدد لا بأس به من الرفاق والأصدقاء والمعارف من الجنسين، كثير منهم أحجم، ومن ثمّ تردد في الجواب، وما أدهشني أن بعضهم كان جوابه حاضرًا وسريعًا وكأنه كان يتوقع السؤال، مع العلم بأن لا باع له في السياسة ولا ذراع، ومع ذلك كانت أجوبتهم عقلانية وفيها حكمة مكتسبة من الحياة اليومية الغنية في تجاربها. وشكرني أحدهم لأنني استعملت “زمام السلطة” حتى لا يُساء فهم السؤال. في اللغة: تولى زمام الأمر/ تولى زمام الحكم: تولي السلطة.
أعود إلى لينين، وما علاقة لينين بأحمد الشرع؟ لو عدنا إلى المجلد السابع من مختارات لينين التي طبعتها دار التقدم في موسكو في عشرة أجزاء بداية من عام 1978، وقرأنا ما كتبه لينين عشية انتصار البلاشفة، لأدركنا أن أبو محمد الجولاني في معركة ردع العدوان استعمل الأسلوب نفسه الذي اختاره لينين في نهجه السياسي وتكتيكاته وخططه، وحتى في رسائله ومقالاته إلى رفاقه في اللجنة المركزية لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا، وقد نوّه لينين بأن: “الحكومة تهتز، فيجب الإجهاز عليها مهما كلّف الأمر، التباطؤ في العمل أشبه بالموت”. يقول لينين موجهًا خطابه إلى أعضاء اللجنة المركزية: “أكتب هذه الأسطر في الرابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر1917 والوضع حرج ما بعده حرج، وواضح في منتهى الوضوح أن التباطؤ في المعركة هو حقًا وصدقًا أشبه بالموت، إنني أبذل جهدي كله لكي أقنع الرفاق بأن كل شيء متعلق بشعرة، وبأنه ترد في جدول الأعمال الآن قضايا لا تحلها الاجتماعات ولا المؤتمرات بل يحلّها فقط الكفاح المسلّح، لا يجوز الانتظار، ينبغي بأي ثمن كان، اليوم مساءً، أو ليلًا، إسقاط الحكومة وتنحيتها، وتسلّم السلطة، لا يجوز الانتظار، فمن الممكن خسارة كل شيء”. وفي صباح اليوم التالي كانت السلطة في يد اللجنة الثورية العسكرية التي يسيطر عليها البلاشفة. لقد أدرك لينين بعبقريته المعروفة -وكان متخفيًا على هيئة عامل بسيط، وباسم مستعار، لأن الأجهزة الأمنية كانت تُلاحقه، فكان مطلوبًا حيًّا أو ميتًا- أن الثمرة قد أينعت وحان قطافها واليوم لا غدًا.
معركة ردع العدوان
في 27 أيار/ مايو 2023 وسط مؤتمر لأهالي مدينة حلب المهجرين وناشطيها ووجهائها استضافه أبو محمد الجولاني في ريف إدلب. قال: إن الجاهزية العسكرية وصلت إلى أعلى مداها، وإني أراكم تجلسون في حلب كما تجلسون أمامي الآن. انطلقت معركة “ردع العدوان” في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 في مفاجأة لم يتوقعها أحد. وفي مواجهة الفصائل المشاركة كانت خطوط النظام في ريف حلب الغربي تتهاوى أسرع من المعتاد، وكانت القلوب ترتجف لاحتمال انتهاء المعركة كسابقتها إلى انتصار منقوص، يتسبب بحملات قصف انتقامية على منطقة محاصرة مكتظة نعمت بالهدوء لأكثر من أربع سنوات من وقف إطلاق النار. لكن الأهالي في إدلب وريف حلب كانوا مُهيَئين نفسيًا بعد أن راجت شائعات بدء المعركة ست مرات في فترة لم تزد على خمسين يومًا، وفي آخر مرتين كانت المؤشرات أوضح. وكانت البداية في فتح هيئة تحرير الشام نيرانها معلنة بدء معركة لم يتوقع أكثر المتفائلين أنها ستتخطى مدينة حلب، في حين كان المخططون قد رتبوا كل شيء لإدارة منطقة تشمل مدينة حماة الواقعة وقتئذ تحت سيطرة النظام السوري.
وبعد اثني عشر يومًا من معركة “ردع العدوان” التي استمرت مسيراتها المظفرة من الشمال إلى الجنوب من دون توقف، انهارت قوات نظام بشار الأسد، وانتهى حكمه، ما فتح الباب أمام نظريات مؤامرة حاولت تفسير الحدث الهائل المعارض للمنطق. لكن الحقائق، وإن غابت عنها التفاصيل، كانت بادية للمتابع المدقق. فالتجهيز العسكري، والتقنيات الجديدة، والتخطيط الدقيق، وتوقيت المعركة المرتبط بتغيرات إقليمية رسمت صورة الإعداد لمعركة أسقطت بشار الأسد، فحققت ما فقد كثيرون الأمل في تحققه.
طار بشار الأسد، هاربًا، من دمشق إلى القاعدة الجوية الروسية في “حميميم” ومنها إلى موسكو، وأوعز ضباط الجيش لجنودهم أن النظام سقط، وشاهد الدمشقيون من نوافذ بيوتهم جنود الأسد يرمون أسلحتهم في الشوارع ويطرقون الأبواب طلبًا للباس مدني. وفي الساعة الرابعة وخمس وأربعين دقيقة فجرًا، أعلنت إدارة العمليات العسكرية رسميًا، عبر قنواتها على وسائل التواصل، دخول قواتها العاصمةَ دمشق. وفي الخامسة فجرًا صعد شبان يهتفون فرحًا على دبابة متروكة وسط ساحة الأمويين، وركنت أربع شاباتٍ سيارتهنّ قربها مع صوت عبد الباسط الساروت يغنّي “جنّة جنّة جنّة.. جنّة يا وطنّا”، مُعلنين سقوط الأسد ونظامه.
من ذا الذي يجب عليه أن يأخذ السلطة؟
في حوار مع باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية الأميركية السابقة لشؤون الشرق الأدنى، يسألها إبراهيم حميدي رئيس تحرير مجلة “المجلة” اللندنية: في رأيك، ما سر صمود أحمد الشرع سياسيًا؟ هل يعود ذلك إلى كاريزميته؟ لقد وصفه دونالد ترامب في أيار/ مايو هذه السنة بأنه قائد شاب وجذاب.
تُجيب: لن أستخدم مثل تلك العبارات، لأنها قد تُفهم على نحو خاطئ. لكنه بالفعل يتمتع بكاريزما واضحة، ويملك قدرًا كبيرًا من الشرعية في نظر السوريين، وهو أمر بالغ الأهمية في بلد خرج توًّا من حرب مدمرة. لقد خاض قتالًا طويلًا، وفي نهاية المطاف، كان إسقاط نظام الأسد تحت قيادته. جزء كبير من بقائه يعود أيضًا إلى قدرته على التنقل بين دوائر شديدة التباين. إنه ليس مجرد قائد ميليشيا، بل سياسي بارع، وقد بدا ذلك جليًا في حواري معه -التقت به مرات عدة- تفكيره لا يقتصر على منطق المقاتل، أكان متطرفا أم لا. إنه يفكر بعقلية رجل دولة، ويقدم تحليلًا دقيقًا للقضايا التي تهم السوريين، وعلى رأسها الاقتصاد والأمن. كما أنه يبدو مدركًا لأخطاء الولايات المتحدة في العراق، ولا يريد تكرارها في سورية. لديه قدرة واضحة على التكيف مع المتغيرات، واتخاذ قرارات تنبع من الواقع لا من نموذج جامد يسعى لفرضه.
من يأخذ السلطة؟ هذا لا يهم الآن، من البديهي أن يدخل أبو محمد الجولاني قصر الشعب في دمشق منتصرًا، هو الذي انطلق من إدلب بمقاتليه الذين سلّحهم ودربهم ورسم تفاصيل معركة انتصارهم، ليتسلّم السلطة ويصبح الرئيس أحمد الشرع. وقد فعلها لينين حين انتصر البلاشفة في الثورة الروسية وأخذوا السلطة. يقول لينين في رسالته إلى اللجنة المركزية: إن أخذ السلطة هو شأن الثورة، وهدفها السياسي يتضح بعد أخذها، من الهلاك التمسك بالشكليات، ومن حق الثورة أن تحل مثل هذه المسائل بالقوة، وهذا ما أثبته تاريخ جميع الثورات، وإن الثوريين يقترفون جريمة لا قياس لها إذا فوتوا الفرصة مع علمهم أن خلاص البلاد والعباد يتوقف عليهم. وما زلت تسأل: هل يحتفظ أحمد الشرع بزمام السلطة؟ يا سيدي نعود -والعود أحمد- إلى كارل ماركس في قوله: يصنع الناس تاريخهم بأيديهم، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف يواجهون تداعياتها مباشرة، وتكون مُعطاة لهم وموروثة من الماضي.