في اليوم العالمي للكتاب: التخلي والعطاء في طقوس إعارة الكتب
أعطوا الكتاب لمن يستحقه، ولا تبخلوا به، وستشعرون بلذةٍ لا تقل عن متعة قراءته.

مصطفى عبد الوهاب العيسى – العربي القديم
لعلَّ ما قاله المتنبي: “خير جليس في الزمان كتاب”، هو من أبلغ ما قيل في شأن الكتاب، وفي صحبة الحروف والكلمات التي صنعت الحضارات، وسافرت بنا إلى عوالم المعرفة والزهد والحرية والأنوار.
في الثالث والعشرين من نيسان، يحتفل العالم باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، وها نحن نبلغ الذكرى الثلاثين لاعتماد هذا اليوم مناسبة عالمية تُذكِّرنا عاماً بعد عام بقيمة الكتاب والمبدعين من الكُتَّاب، وهي القيمة التي تعجز المقالات مهما كثرت عن الإحاطة بأبعادها.
من الشكل إلى الجوهر
في هذا العام، تسلمت مدينة ريو دي جانيرو لقب “العاصمة العالمية للكتاب”، خلفاً لمدينة ستراسبورغ الفرنسية لعام 2024 في تقليد سنوي ترعاه منظمة اليونسكو، وهو ما نتمناه في السنوات القادمة للكثير من المدن والعواصم التي نحبها في شرقنا الأوسط، ولكن ما يدعوني للحديث اليوم لا يقتصر على عاصمة الكتاب العالمية أو مظاهر الاحتفال أو البرامج التي ترعاها المنظمات وتنظمها المؤسسات الثقافية، بل يتعداها إلى دعوة لتبني فكرة جديدة أتمنى من خلالها أن نمنح هذا اليوم روحاً أكثر حيوية وصدقاً، ونرتقي بالاحتفاء من الشكل إلى الجوهر، ولنجعل من هذا اليوم لحظة تأمُّل جماعي في مكانة الكتاب، ذاك الجسر الحقيقي الذي يصل بين الماضي والحاضر، ويمتد بنا نحو آفاق المستقبل.
في الوقت الذي أُروِّجُ فيه للفكرة فإني لا أدعو لتبنيها بالمطلق، وإنما كسر الجليد والصورة النمطية عن الاحتفاظ بالكتاب والتعصب للمكتبة الخاصة.
فكرة نسبية وغير ثابتة ولستُ مؤمناً بها بشكل كامل، ولكن بعد التجربة وزيادة التخلي لعدة سنوات وجدتُ أنه لا بأس بها، وأنه لا بُد من تجربتها من باب التجديد على الأقل.
حتى وقتنا الراهن نتكلف عناء وتعب ومشقة نقل وإرسال كُتبنا بنية الاحتفاظ الأبدي بها، ومع الأسف تتجاوز الأعباء المالية في معظم الأحيان القيمة المادية للكتب، وهذا بالإضافة إلى ما يتحمله الأصدقاء والأحبة من تعب في مشاركتهم مسيرة الاحتفاظ والشحن والنقل من مكان إلى آخر.
رغم كل هذا أرى أنه يبقى للكتاب خصوصيته عند قارئه وأهمية تستحق ما يعانيه من أجله، ولهذا لا أستطيع أن ألوم حتى المتعصبين في إعارته خوفاً عليه أو إيماناً بفكرة (برناردشو) أو مزحته المشهورة بشأن إعارة الكتب.
إن عدم الإيمان بفكرة التخلي والعطاء بالمطلق لأنه في بعض الأحيان تجمعنا علاقات خاصة قد تصل لدرجات عاطفية مع كتب أثرت بشخصياتنا وتفكيرنا، أو الكتب التي نبقى بحاجة لها بين الحين والآخر كالموسوعات وبعض المراجع والمصادر التي تهمنا على الصعيد الشخصي مثلاً.
قد تختلف الظروف من شخص إلى آخر، ولعلَّ الانقياد لسياسات اجتماعية سائدة كالإفراط في الإهداء والعطاء أمرٌ يصعب التملص منه بسهولة، وخصوصاً حين يكون متجذراً في البيئة المحيطة لسنوات، ومع ذلك تبين أن في هذه التجربة لطفاً كبيراً، وراحةً قد لا تدوم طويلاً، لكنها كافية لتفتح باباً للتأمل وإعادة النظر في أنماط السلوك السائدة لدى كل المحبين لكتبهم ومكتباتهم.
من الجدير بالاهتمام دعوة كل مُحب للكتب إلى خوض هذه التجربة، وليس بهدف التخلي بحد ذاته، بل لتجاوز الصورة النمطية التي تجعل من امتلاك الكتاب غاية أهم من قراءته.
قد تكون البداية صعبة، وقد يشعر المرء بتردد حين يبدأ بالتخلي عن بعض كتبه، ولكن مع أول خطوة يتنازل فيها عمّا هو أقل أهمية ستبدأ الفكرة بالرسوخ شيئاً فشيئاً حتى يصل المرء إلى القدرة على التخلي حتى عن الكتب المُذيلة بإهداء خاص له.
تجربة تستحق أن تُخاض
ليس في هذا التوجه ادعاء للنضج، ولا تعبير عن وعي اجتماعي متقدم بالضرورة، بل هو ببساطة تجربة تستحق أن تُخاض من قبل القراء والمثقفين.
رسالة الكتاب السامية برأيي لا تقبل من الكاتب والمثقف أن يحتكر الكتاب، ويضعه على أحد رفوف المكتبة بينما هناك من قد يستفيد من قراءته.
أعطوا الكتاب لمن يستحقه، ولا تبخلوا به، وستشعرون بلذةٍ لا تقل عن متعة قراءته، والأهم من ذلك أن نسعى لنتحرر من القيود التي تفرضها الصور النمطية قبل أن نمنح أنفسنا فرصة التجربة الشخصية. وكم أتمنى أن نشهد مزيداً من تداول الكتب بين أبنائنا وبناتنا من الأجيال الجديدة بمثل هذه الأفكار، وأن تُسهم هذه الفكرة مع أخواتها في تعزيز علاقة الشباب بالقراءة والكتاب، ولا سيما في زمنٍ تراجعت فيه ثقافة المطالعة الجادة، واقتصر فيه اهتمام الكثيرين من شباب العصر على محتوى سطحي، وثقافة تافهة تُروِّجها المقاطع السريعة المصورة مثل الـ “ريلز” والـ “ستوري” في إنستغرام وتيك ت