الأغنية الوطنية بين مصر وسوريا
مع سقوط النظام البائد وبداية مرحلة بناء هوية جامعة، تقف الأغنية الوطنية السورية أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف نفسها

د. زياد الغزالي * – العربي القديم
نشأت في مصر منذ منتصف القرن العشرين علاقة عضوية بين الفن والهوية الوطنية. ولعبت أسماء كبيرة مثل أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ، شريفة فاضل، عفاف راضي، شادية، وغيرهم دوراً محورياً في ترسيخ الأغنية الوطنية كجزء من الوعي الجمعي، خاصة في ظل ولادة مشروع سياسي واجتماعي قاده جمال عبد الناصر.
كانت الأغنية أداة تعبئة وتوحيد، ولم تُترك العاطفة الوطنية لتتشكل بشكل عفوي، بل جرى تنظيمها وإخراجها وتعميمها عبر مؤسسات الدولة والإعلام بحيث تحولت الأغنية الحاملة لهذه العاطفة، إلى جانب تحولها إلى طقس يوميّ بدل سماعها في المناسبات الرسمية فحسب.
المصري لا يُغني للوطن بوصفه مجرد كيان سياسي، بل بوصفه حبيبة تُخاطب بلغة العشق، أو أُمّاً تُخاطب بلغة الحنين كما لو أنها جسداً نابضاً بالحياة. يتجلّى ذلك بالإضافة إلى جيل العظماء حديثاً في أغاني محمد منير، شيرين، وحماقي وغيرهم. لهذا تبدو الأغنية الوطنية المصرية مشبعة بالدفء وقادرة على استدعاء الانتماء بوصفه علاقة وجدانية حميمة، لا مجرد واجب أو شعار.
في المقابل، تبدو التجربة السورية أكثر تعقيداً وتشظّياً. صحيح أن سوريا لديها أصوات فنية كبيرة، و تجارب فنية جديرة بالاحترام في الخمسينات والستينات، إلا أن الاغنية الوطنية بقيت محكومة بسقف سياسي ضيق، ما جعلها أقرب إلى التعبير الرسمي منها إلى الانفعال الشعبي الحر. وغالباً ما مالت لغتها إلى النبرة الحماسية العالية التي تجسد معاني القوة والفخر، بحيث تُستدعى البطولة بوصفها خطاباً جاهزاًعلى مقاس انتصارات متضخمة أحياناً أو متخيلة في أغلب الأحيان، أكثر مما هي تعبير عن وجدان حيّ.
ومع التحولات الكبرى التي حدثت في سوريا منذ حكم حزب البعث، ودخول مفهوم الوطن نفسه في دائرة الشك واليقين. حيث لم يعد الوطن كياناً متفقاً عليه بقدر ما أصبح موضوعاً للصراع والتأويل. هذا التحوّل العنيف أثّر مباشرة على اللغة الفنية. فالغناء يحتاج إلى صورة واضحة، إلى وطن يمكن تخيّله ولو رمزياً وليس وطناً ممزّقاً تتنازعه الجغرافيا والذاكرة.
المصري يغنّي لوطن مستقّر في رمزيته حتى وإن اهتزّ في واقعه، فيُحيله إلى معشوقة. في حين، يتردّد السوري بالغناء لوطن لم يعد مستقراً لا في الواقع ولا في المخيّلة، فيلجأ أحياناً إلى خطاب حماسي يعوّض غياب الصورة أكثر مما يعكسها.
واليوم، ومع سقوط النظام البائد وبداية مرحلة بناء هوية جامعة، تقف الأغنية الوطنية السورية أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف نفسها، لا بوصفها نشيداً للتحشيد أو استدعاء للبطولات، بل بوصفها مساحة” للحنين والحنوّ معا”.
إنها بحاجة الى إعادة أَنْسَنَة الوطن، استعادة العاطفة، إدخال الحنين، الحب، الألم، والذاكرة التي ترمم، والدفء الذي يُوحّد، والصدق الذي يعيد للوطن صورته الممكنة في الوجدان، بعد أن تكسّرت طويلا” في الواقع.
هذه ليست مفاضلة بين حب شعبين لوطنهم بل بين سياقين مختلفين في تشكّل معنى الوطن ذاته، وربما أيضاً بين مرحلتين، إحداها تُغنّي ما كان، وأخرى تبحث عما يمكن أن يكون.
………………………………………………………………………………………………..
*دكتور في إدارة المعرفة- مقيم في كندا.