طلبٌ من وزير الداخلية: مقابلة حُرة مع المجرم أمجد يوسف… الحقيقةُ جزءُ من العقاب
إن جعل الحقيقة جزءاً من العقاب ليس فكرة انتقامية، وإنّما هو إجراء أخلاقي ومعرفي في آنٍ معاً.

أسامة منير إبراهيم – العربي القديم
في لحظات الانكسار الكبرى التي تمر بها المجتمعات، ولاسيما سوريا التي قدمت مئات الآلاف من الشهداء الأبرياء والشهداء تحت التعذيب وكثرٌ ممن استشهدوا ولم توثق حالاتهم، والمغيّبين قسرياً، وممن ننتظر إلى اليوم عودتهم أو أقله إثباتاً أنهم رحلوا، لا يكون السؤال فقط: من ارتكب الجريمة؟ بل: كيف حدثت؟ ولماذا؟ ومن سمح لها أن تستمر؟ ولماذا تفنّنَ مجرمٌ مثل أمجد يوسف، مرتكب مجزرة مخيّم التضامن بالضحايا الأبرياء!!! وكيف كان يتلذّذ بقتلهم بقوله لهم:” طير.. طير..” ويطلقُ عليهم النار غدراً وهم يعطوه ظهورهم ليرتقوا شهداء في حفرة أعدها مسبقاً لهم! وملأها بالأرواح البرئية، التي لم تفعل شيئاً سوى أنها رفضت حُكم ربّه بشارون الهارب ابن المقبور.
من هنا، أتوجه بنداء صريح إلى السيد وزير الداخلية أنس خطاب: بإتاحة مقابلة موثّقة، منضبطة، وحرة مع المُجرم أمجد يوسف، يجيب فيها أمام الرأي العام عن الأسئلة التي لا تزال معلّقة في ضمير المجتمع. ليس بدافع الإثارة، ولا لتحويل الألم إلى مشهد إعلامي، بل لأن كشف الحقيقة—كاملة، دون انتقاص—هو جزء لا يتجزأ من العدالة، اتركوه يحكي ملأ فمه، ويروي ويروي بكل عفوية من حقنا أن نتعرّف على عقله الباطن ونقرأه بالكامل كما تقرأ الأشعة السينية تركيبة مواد جسم الإنسان.
إن الجرائم التي ارتُكبت بحق الأبرياء لا تُختزل في أفعال فردية معزولة، بل هي نتاج منظومة: أوامر مُتسلسلة من رأس الهرم وحتى وصلت للمجرم أمجد وأمثاله، تبريرات، بيئة نفسية وفكرية، وسياق سمح بانهيار المعايير الإنسانية إلى هذا الحد. لذلك، فإن الاستماع إلى رواية الفاعل—مهما كانت صادمة—ليس ترفاً، بل ضرورة لفهم كيف يُصنع الجَلاد. ومن أين يأتي بهذا الحقد على أبرياء لن يضرّوه شيئاً ولن يأخذوا من حصته في هذا الكون لو بقوا على قيد الحياة، فحتى في عهد الفسد الهارب والمقبور لم يكونوا ليشاركوه الفضاء العام نفسه؟ ولن يسيروا معه في الشوارع نفسها، وربما لن يعرف لا هو ولا هم وجوه بعضهم لو عاشوا أبدَ الدهر.
نريد إجابات واضحة، لا مراوغة فيها: ما الذي كان يدور في ذهنه وهو يرتكب هذه الأفعال؟
كيف برّر لنفسه قتل الأبرياء؟ هل كان يُنفذ أوامر؟ ومن أصدرها؟ كيف تُبنى داخل الإنسان القدرة على تحويل الضحية إلى هدف بلا ملامح؟ هل كان مأموراً بالتّفّنّنِ بالإجرام بالضحايا الأبرياء العُزّل أم كان ابتكاراً إجرامياً يُسجّل لهُ؟ هل من كان من المفترض يُشرف على تنفيذه للقانون الفسدي (أي نسبة لبشارون الفسد، رئيس السلطة آنذاك) مطّلعاً على هذا الإجرام المُحترف والفريد وموافقاً عليه؟
هذه الأسئلة لا تُطرح لتخفيف وقع الجريمة، بل لتعرية منطقها. فالمجتمع الذي يكتفي بإدانة الفعل دون تفكيكه، يترك الباب مفتوحاً لإعادة إنتاجه في سياقات أخرى.
إن جعل الحقيقة جزءاً من العقاب ليس فكرة انتقامية، وإنّما هو إجراء أخلاقي ومعرفي في آنٍ معاً. فأن يُجبر الجاني على مواجهة أفعاله أمام الناس، وأن يروي—بصوته—كيف حدث ما حدث، هو شكل من أشكال المحاسبة التي تتجاوز الحكم القضائي، لتصل إلى وعي المجتمع وذاكرته. فعلى أمجد المجرم الآن أن ينعتق لحظة من مصيره المحتوم بالإعدام أن يَقصّ علينا وعلى الإنسانية “سردية الإجرام الفسدي كاملة”، بشقيها الشخصي كيف يراها أمجد المجرم، والمؤسسي أي كيف وصلته الأوامر وما هي آلية التنفيذ وضوابطه.
كما أن هذه الخطوة تُعيد الاعتبار للضحايا، لا من خلال مشاهد الألم، بل عبر تثبيت الرواية، ومنع طمسها أو تحريفها. فالتاريخ لا يُكتب بالصمت، بل بالشهادات—حتى تلك التي تأتي من الجُناة وعُتاة المجرمين أنفسهم.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الكراهية، بل إلى مزيد من الوضوح. ولسنا بصدد منح منصة، وإنّما نحن نفرض مواجهة: مواجهة مع الحقيقة، ومع الذات، ومع المجتمع.
إن الحقيقة، مهما كانت قاسية، تبقى الطريق الوحيد نحو الفهم. والفهم، وحده، هو ما يمنع التكرار لهذا الإجرام النوعي الذي يمكننا القول بكل ثقة لم تعرف له البشرية في عصرها الحديث مثالاً.