العربي الآن

دير الزور.. هل تنجح العدالة الانتقالية حيث لم يُغلق ملف واحد بعد؟

في دير الزور اليوم، لا يُقاس نجاح العدالة الانتقالية بعدد المكاتب المفتوحة أو الملفات المؤرشفة، بل بعدد الملفات التي لم يعد ممكناً إغلاقها

تحقيق: مرعي الرمضان – العربي القديم

في محافظة تضم وفق تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2024 أكثر من 15 ألف مفقود ومغيب قسرياً، تحاول هيئة العدالة الانتقالية في دير الزور أن تبدأ من الصفر: كيف تُبنى دولة القانون في مكان لم يُغلق فيه ملف وجع واحد بعد؟ لم تكن زيارة العميد عبد الباسط عبد اللطيف، رئيس الهيئة، لافتتاح مكتب فرعي مجرد إجراء إداري، بل كانت مواجهة مباشرة مع حقيقة أن “ترميم الحجر” في دير الزور لن يستقيم أبداً دون “إنصاف البشر”.

اللامركزية في مواجهة “أرقام الوجع”

يأتي افتتاح فرع الهيئة كاستجابة لضرورة ميدانية في محافظة تمثل نموذجاً حياً لتعقيد مسار العدالة الانتقالية. دير الزور تعرضت لانتهاكات متتالية ومتداخلة منذ 2011: قمع النظام السابق، القصف واسع النطاق، والاختفاء القسري؛ ثم تعاقب فاعلين مسلحين مارسوا انتهاكات متعددة، من الإعدامات وتجنيد الأطفال، وصولاً إلى الاحتجاز التعسفي والمداهمات التي أودت بحياة مدنيين عُزّل.

كما تهدف هذه الخطوة إلى استيعاب مئات الآلاف من الوثائق التي جمعتها منظمات المجتمع المدني لتوثيق الانتهاكات منذ عام 2011.

يقول أحد الحقوقيين المشاركين في اللقاء:
“نحن لا نبحث عن جدران ومكاتب، بل عن قضاء لا يرتجف أمام الحقيقة؛ فدير الزور لا تنتظر افتتاح فرع، بل تنتظر استعادة كرامة سُحقت في أحياء الجورة والقصور وفي ريفها”.

العدالة ليست “بناءً للمجهول”

في لحظة فارقة، انتقل الحوار من العرض إلى المساءلة، حيث قدم ممثلو المجتمع المدني مداخلة رسمية مباشرة إلى رئيس الهيئة، وضعت الإصبع على الجرح التشريعي. المداخلة فككت برود الأجوبة التي تبرر إخلاء سبيل متهمين بجرائم جسيمة بذريعة “غياب الادعاء الشخصي”.

وأكد الطرح الحقوقي أن الجرائم الجسيمة التي هزت ضمير الإنسانية تمثل حقاً عاماً، ولا يجوز أن تُرتهن المساءلة فيها بغياب البلاغات الفردية أو خوف الضحايا. وفي سياق موازٍ، شددت النقاشات على أن دور المجتمع المدني لا يقتصر على الضغط، بل يمتد إلى تفسير مسار العدالة للناس وبناء الثقة به، خاصة في بيئات مثقلة بالشكوك والتجارب القاسية.

كما برز تأكيد واضح على أن العدالة لا تقوم على مطالبة الضحايا بالصمت، بل على الاعتراف بالألم كمدخل للمحاسبة، وضمان أن الحقوق لا تسقط بمرور الزمن.

إن مجزرة الشعيطات (2014)، التي وثّقت تقارير حقوقية مقتل مئات من أبنائها على يد تنظيم “داعش”، ومجازر 2012 وما تلاها من انتهاكات، لا تحتاج إلى تفويض قانوني للمحاسبة بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية ترفض تكريس الإفلات من العقاب.

وفي بُعد إنساني مباشر، يقول أحد أقارب المفقودين في دير الزور:
“لسنا نبحث عن تعويض، بل عن إجابة: أين هم؟ ومن المسؤول؟ العدالة بالنسبة لنا أن نعرف الحقيقة أولاً”.

تحليل المخاطر: العشيرة والفصيل تحت مجهر القانون

طرحت المداخلة ملف “العزل السياسي والإداري” (Vetting) للمسؤولين المتورطين في انتهاكات جسيمة، محذّرة من أن التدخلات المحلية قد تعيق مسار العدالة أو تدفع به نحو الانتقائية. وبرزت رسالة حاسمة مفادها أن الانتماءات القبلية أو الفصائلية لا يمكن أن تكون مظلة تحجب المساءلة عن جرائم الدم.

إن مواجهة هذه الفظائع تتطلب، وفق تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة لـ الأمم المتحدة، كشفاً كاملاً للحقيقة ومحاسبة الجناة من جميع الأطراف، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات.

وأكد مشاركون أن الولاء القانوني والمؤسسي يجب أن يتقدم على أي انتماءات فرعية لضمان عدالة غير انتقائية.

الدم والمال: المسار الذي لا يلتقي

وبحسب ما طُرح خلال اللقاء، جرى التأكيد على أن استرداد الأموال المنهوبة يمثل حقاً للدولة، لكنه لا يشكل بديلاً عن المساءلة الجنائية. فالتسوية الاقتصادية مسار إداري، بينما تمثل جرائم الدم مساراً جنائياً مستقلاً لا يُغلق إلا بحكم قضائي عادل.

وفي تصريحات مقتضبة خلال اللقاء، أشار رئيس الهيئة إلى أن “المحاسبة لا يمكن أن تكون انتقائية أو مرتبطة بمسارات مالية”، في إشارة إلى الفصل بين استرداد الأموال وملاحقة الجرائم الجسيمة.

إن الحقوق الشخصية للضحايا لا تسقط بالتقادم ولا بالمساومات المالية، كما أن العدالة التصالحية لا يمكن أن تقوم على حساب المحاسبة الجنائية.

خارطة طريق: من “الأرشفة” إلى “الاشتباك القانوني”

لم يعد السؤال في دير الزور يدور حول تشخيص الأزمة، بل حول شكل العدالة التي يمكن أن تخرج من هذا الركام. دعت القوى المدنية الهيئة إلى تحويل دورها من “أرشيف تاريخي” إلى “فاعل قانوني مباشر”، مطالبة بتبني خطوات عملية تشمل:

  • تعزيز وتوسيع مشروع توثيق الذاكرة: ليشمل جميع الانتهاكات دون انتقائية، مع إشراك أوسع لممثلي المجتمعات المحلية والناجين.
  • تكامل البيانات: ربط عمل الهيئة بملف المفقودين لإطلاق سجل وطني رقمي موحد.
  • المؤسسات الاستشارية: إنشاء مجلس استشاري وطني للضحايا يضمن تمثيلاً حقيقياً للمناطق المتضررة، وعلى رأسها دير الزور.
  • التمكين الميداني: تنظيم مؤتمر وطني للضحايا في دير الزور، يضعهم في قلب عملية المساءلة وصناعة القرار.

ما الذي قد يحدث إذا فشل المسار؟

رغم هذا الزخم، يظل خطر فشل المسار قائماً. فغياب العدالة الشاملة قد يؤدي إلى:

  • ترسيخ شعور الضحايا بالتهميش
  • فقدان الثقة بالمؤسسات الناشئة
  • إعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة، سواء عبر الانتقام الفردي أو التوترات المجتمعية

وهو ما يجعل العدالة الانتقالية في دير الزور ليس مجرد ملف قانوني، بل اختباراً لمستقبل الاستقرار في سوريا.

ما لا يمكن إغلاقه بصمت

في دير الزور اليوم، لا يُقاس نجاح العدالة الانتقالية بعدد المكاتب المفتوحة أو الملفات المؤرشفة، بل بعدد الملفات التي لم يعد ممكناً إغلاقها بصمت أو القفز فوقها بمصالحة شكلية. إن بناء سوريا الجديدة هو رهان على الحقيقة؛ فإما دولة تبدأ من المحاسبة الشاملة، أو استقرار زائف ينتظر لحظة الانفجار.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى