هل المسيحيون هم السكان الأصليون لسوريا؟ *
. إنَّ مقولة "المسيحيون هم السكان الأصليون لسوريا" تقدم منظوراً اختزالياً تعميمياً إطلاقياً وثابتاً لجوهر ديني خارج السياق الحركي والنسبي

حمزة رستناوي- مازن أكثم سليمان – العربي القديم
في بوست كتبته وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية هند قبوات الشهر الماضي ذكرت أنَّ “المسيحيين هم السكان الأصليون لسوريا” بالرغم من أنَّ السيدة الوزيرة قبوات مشكورة كتبت لاحقاً توضيحاً حول البوست نفسه بما يشبه الاعتذار، ولكنَّ هذا يلفت الانتباه إلى حجم شيوع مقولات كهذه في ثقافات السوريين.
غالبا ما تُستخدم مقولات ادعاء الأصل والتأصيل التاريخي في سياق الخطابات والنقاشات السياسية ذات الطبيعة الأثنية والدينية_ الطائفية بين السوريين، ذلكَ لإثبات الأحقية في امتلاك الأرض السورية وتمثيلها.
بالرغم من أن المصالح المعروضة في مقولة “المسيحيون هم السكان الأصليون لسوريا” تُحيلُ إلى نقاش ذي طبيعة اختصاصية تاريخية– اجتماعية، لكنَّ نقاشاتٍ كهذه غالباً ما تساهم في تعميق الانحيازات الدينية- القومية للشعب السوري، وفي زيادة ضبابية المشهد.
الكثير من المثقفين السوريين بارعون في استحضار التاريخ والحجج علمية الشكل في إثبات أصالة الفئوية القومية والدينية التي ينتمون إليها، لكنَّ استحضار التاريخ في هذا السياق غالباً ما يأخذ شكلاً صراعياً وانتقائياً لإثبات سرديات معينة تفاقم الانقسام بين السوريين. ثم إن إحالة أيَّة قضية إلى نقاش اختصاصي تاريخي سوف يزيد من غموضها والتنازع حولها حتى بين الاختصاصيين أنفسهم! فالمعارف التاريخية نسبية، وتحتمل الانحياز المقصود وغير المقصود إلى درجة كبيرة. لا بل إنَّ مناقشة الأصل التاريخي- الثقافي للشعوب هو موضوع يقع خارج علم التاريخ على وجه الخصوص.
تقدم المدرسة النقدية الحيوية مُقاربة مُختلفة _غير اختصاصية_ في موضوع الأصل والتأصيل. فالحكم على مقولة “المسيحيون هم السكان الأصليون لسوريا” لا يحتاج إلى معارف تاريخية أو بحث في الحضارات وتاريخ الهجرات والاستيطان البشري في الهلال الخصيب. في المقابل يمكن الحكم عليها عبر تحليل منطقي بسيط وفقاً للسياقات العامة ومن دون الإحالة إلى أيَّة مرجعية اختصاصية.
إنَّ تعبير “السكان الأصليون” هو توصيف إثني_ تاريخي، في حين أنَّ “المسيحيون” هو توصيف ديني مُتغير عبر الزمان والمكان، ولا يجوز المطابقة بينهما. إنَّ مقولة “المسيحيون هم السكان الأصليون لسوريا” تقدم منظوراً اختزالياً تعميمياً إطلاقياً وثابتاً لجوهر ديني خارج السياق الحركي والنسبي. فهي تعرض لجوهر هوياتي (مسيحي أصلي) مقابل أعراض هوياتية غير مسيحية (أقل أصالة) لبقية السوريين.
إنَّ المسيحيين مثلهم مثل المسلمين واليهود والهندوس هم جماعات مُتنوعة وتعددية ومختلفة، وليسوا جماعة واحدة متماسكة ومتعالية وثابتة. ثم إنَّ هذه المقولة تعرض لقضية خلافية في سياق تفضيلي، وفي موضوع ذي حساسية عالية تتعلَّق بالهوية والانتماء الثقافي السياسي للسوريين.
لعلَّ استخدام مقولات من قبيل “السريان أو العرب أو المسيحيون أو المسلمون هم السكان الأصليون لسوريا”، أو حتَّى استخدامها على نحوٍ فرعي شائع إلى حدٍّ ما، كالقول مثلاً إنَّ الجماعة الفلانية هم “السكان الأصليون للمنطقة الفلانية” من الأرض السورية، يحفز الصراع والتنازع بين سكان جغرافيا_ اجتماعية متعددي الهويات الفئوية! تعرض مقولات كهذه لتوتر وإيقاع نفسي مرتفع عند المُتلقي، وهنا يمكن ملاحظة استخدام أل التعريف التي تفيد الحصر “المسيحيون، السكان الأصليون”، وكذلك استخدام “هم” بوصفه ضميرَ فصلٍ يفيد الحصر كذلك.
تعتمد مقاربة المدرسة النقدية الحيوية على اكتشاف الصيغ القانونية العامة في الظواهر والمقولات، ثم تطبيق خوارزميات تحليلية معينة بهدف الوصول إلى أحكام وصفية وأحكام قيمة كذلك، بمرجعية عامة الناس عبر العصور والمجتمعات والناس (القاسم المشترك الأكبر فيما بينهم)، وهذا يتطلب توسيع زاوية الرؤية وليس الوقوف على مصالح مقولة بعينها.
يمكن استخدام مفهوم “المعادل الاستبدالي الحيوي” لتجاوز الانحياز المُمكن والشائع مع تفهّم البعد الفئوي للمصالح، وإعادة عرضها ضمن إطار إنساني_ اجتماعي مشترك، ذلكَ عبر “استبدال العنصر الهويّاتي” في العبارة بنظيرٍ فئويّ آخر. وبناء على ذلك فإن الحكم بمصالح صراعية ( جوهرانية_ عنصرية ) يشمل كذلك كل المقولات الآتية والمشابهة:
- “المسيحيون هم السكان الأصليون لسوريا”.
- “المسلمون هم السكان الأصليون لسوريا”.
- “العلويون/ الموحدون الدروز هم السكان الأصليون لسوريا”.
- “العرب / السريان/ الكرد هم السكان الأصليون لسوريا”.
- “الآراميون/ الفينيقيون/ السريان/ الآشوريين/ الأنباط هم السكان الأصليون لسوريا”.
إنَّ مقولة “المسيحيون هم السكان الأصليون لسوريا” تعرض لمصالح صراعية (تعميميَّة إطلاقيَّة ) تفضي إلى نمط ما من العزلة الاجتماعية أو العقائدية، ولا سيما أنَّ استخدام “المُعادل الاستبدالي الدَّلاليّ” يكشف مدى انطواء هذهِ المقولة على توتر استقطابيّ حادّ جوهرانيَّاً وعنصرياً، وهنا يمكن النظر إلى هذه المقولة التي تخصّ المسيحيين السوريين ضمن طيف احتمالي متغير الدلالة بين المُكافِئ والمُضادّ و المُغايِر، وفقَ الأمثلة الآتية:
- أمثلة عن “المُعادِل الاستبداليّ الدَّلاليّ المُكافِئ”: المسيحيون هم الجماعة الدينية الأنقى أو الأرقى.
- أمثلة عن “المُعادِل الاستبداليّ الدَّلاليّ المُضادّ”: المسيحيون هم الجماعة الدينية الأسوأ أو الأخطر.
- أمثلة عن “المُعادِل الاستبداليّ الدَّلاليّ المُغايِر”: المسيحيون مثلهم مثل المسلمين واليهود والبوذيين هم جماعات متنوعة وتعددية ومختلفة، وليسوا جماعات واحدة متماسكة ومتعالية وثابتة أو مُغلقة بِنيةً ووظيفةً وكينونةً وصفاتٍ.
غالبا ما يتم استحضار مفهوم “السكان الأصليون” بوصفه نوعاً من الحيل والأساليب الدفاعية التي تلجأ إليها الجماعات في مواجهة مخاطر من حولها، وهي تعكس نمطاً من التفكير القائم على الانتماء الهوياتي والديني والإثني في مقابل ضعف الانتماء الفردي، حيث يُعرَّف الإنسان بكونه تابعاً لجماعة دينية أو إثنية وليس بصفته إنساناً ومواطناً سورياً فقط.
وفي النهاية، يبقى علاج مثل هذهِ المصالح القاصرة عبر تشييد دولة مُواطَنة مُؤسَّساتيَّة عادلة تقوم على المساواة والقانون والتَّعدُّديَّة واحترام الحريات الفردية والعامة والاختلاف.
…………………………………………………………….
- من أعمال المدرسة النقدية الحيوية