الرأي العام

العدالة الانتقالية في سوريا: بين ضغط المعيشة وتفكيك الأولويات

المساءلة ليست نقيضًا للسلم الأهلي، بل شرطًا له، كما أن جبر الضرر لا يقتصر على التعويض، بل يشمل استعادة الكرامة وإعادة الاعتبار للضحايا.

خليل البطران – العربي القديم

لم تعد العدالة الانتقالية في السياق السوري مسألة مؤجلة إلى “ما بعد الاستقرار”، بل أضحت مفهومًا يُعاد تشكيله تحت ضغط الواقع اليومي. فبدل أن تكون مدخلًا لإعادة بناء الدولة على أسس الإنصاف والمساءلة، تبدو اليوم محاصرة بأزمات معيشية خانقة تعيد ترتيب أولويات المجتمع بشكل قسري، وتدفع باتجاه تراجع حضورها في الوعي العام.

يواجه السوريون، في مختلف مناطقهم، تحديات تمس أساسيات الحياة: ارتفاع تكاليف الكهرباء، الغلاء المتصاعد، تآكل القدرة الشرائية، وتراجع فرص العمل. وتتقاطع هذه الأزمات مع ملفات ذات طابع سياسي-حقوقي مباشر، مثل قضية المفصولين بسبب مواقفهم، واستمرار أنماط الإقصاء الوظيفي، وانتشار المحسوبيات في التعيينات والترقيات. ورغم الطابع الخدمي الظاهر لهذه القضايا، فإنها تعكس في جوهرها خللًا عميقًا في معايير العدالة وتكافؤ الفرص.

الفجوة بين العدالة والواقع

في هذا السياق، لا يبدو الانشغال الشعبي بهذه الأزمات مجرد خيار، بل استجابة طبيعية لضغط البقاء. إذ يُجبر الأفراد على توجيه طاقتهم نحو تأمين احتياجاتهم الأساسية، ما يحدّ من قدرتهم على الانخراط في مطالب المحاسبة والحقوق. ومع مرور الوقت، تتسع الفجوة بين الخطاب المرتبط بالعدالة الانتقالية واهتمامات الناس الفعلية، بما يضعف زخم أي مسار إصلاحي.

وتتعمق هذه الفجوة حين يترافق الحديث عن العدالة مع ممارسات لا تنسجم مع الواقع، مثل مؤتمرات أو فعاليات لا تلامس الاحتياجات اليومية، أو استمرار التعيينات غير الشفافة. في مثل هذه الحالات، لا يُنظر إلى العدالة الانتقالية كمسار إصلاحي جاد، بل كخطاب منفصل عن الواقع، وربما كأداة لإعادة إنتاج الاختلالات نفسها بصيغ مختلفة.

العدالة الانتقالية وربطها بالمعيشة

الإشكالية الأساسية لا تكمن في تعارض العدالة الانتقالية مع تحسين الظروف المعيشية، بل في غياب الربط العملي بينهما. فالتجارب تشير إلى أن أي مسار عدالة لا ينعكس، ولو تدريجيًا، على حياة الناس اليومية يفقد شرعيته الاجتماعية، كما أن معالجة الأزمات المعيشية دون تفكيك جذورها البنيوية—من فساد وغياب للمساءلة—تبقى حلولًا مؤقتة قابلة للانتكاس.

دروس من التجارب المقارنة

على مستوى التجارب المقارنة، تُظهر حالات دول خرجت من نزاعات أو أنظمة قمعية أن نجاح العدالة الانتقالية ارتبط بقدرتها على الاندماج مع تحسين الواقع المعيشي، لا انفصالها عنه. في جنوب أفريقيا، لم تقتصر العملية على كشف الحقيقة عبر آليات المصالحة، بل ترافقت مع سياسات هدفت إلى تخفيف التفاوت الاجتماعي، ما منح المسار قدرًا من القبول الشعبي. وفي المغرب، ساهمت تجربة جبر الضرر وتعويض الضحايا في إعادة بناء الثقة تدريجيًا، خاصة حين اقترنت بإصلاحات مؤسسية.

في المقابل، تكشف تجربة تونس حدود العدالة الانتقالية عندما تنفصل عن الواقع الاقتصادي، حيث واجهت صعوبات في كسب التأييد الشعبي في ظل تدهور الأوضاع المعيشية. كما تُظهر حالة البوسنة والهرسك أن التقدم في المساءلة القضائية لا يكفي وحده، إذا لم يترافق مع تحسن ملموس في الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

البعد القيمي والثقافي للعدالة

لا تقتصر أهمية العدالة الانتقالية على بعدها القانوني أو السياسي، بل تمتد إلى جذورها القيمية العميقة في الوعي المجتمعي. ففي السياق الإسلامي، تشكّل العدالة ومحاسبة الظلم مبدأً أصيلًا، يتجلى في قوله تعالى: “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”. هذه الدلالة لا تقف عند حدود العقوبة، بل تشير إلى معنى أوسع يتمثل في حماية المجتمع من تكرار الظلم، وصون الحياة عبر ترسيخ مبدأ المساءلة.

من هذا المنظور، لا تبدو العدالة الانتقالية مفهومًا منفصلًا عن السياق الثقافي، بل امتدادًا لفكرة راسخة تربط بين الإنصاف والاستقرار. فالمساءلة ليست نقيضًا للسلم الأهلي، بل شرطًا له، كما أن جبر الضرر لا يقتصر على التعويض، بل يشمل استعادة الكرامة وإعادة الاعتبار للضحايا.

العدالة الانتقائية والسياسة السورية

أرى أن ما يجري لا يقتصر على تأجيل العدالة الانتقالية، بل يتجه نحو تمييعها وإعادة تشكيلها في صورة عدالة انتقائية. ويعود ذلك، في تقديري، إلى أن البنية السياسية القائمة لم تتشكل بوصفها نتاجًا مباشرًا لمسار ثوري مكتمل، بل في سياق تسوية دولية–إقليمية، ما أفضى إلى إعادة إنتاج جزء من المنظومة السابقة بدل تفكيكها. وبهذا المعنى، تبدو فرضية إنجاز تحول جذري موضع تساؤل، خاصة في ظل غياب ملاحقة فعلية لرأس النظام، وعدم محاسبة قطاعات واسعة من بنيته الأمنية والعسكرية، إلى جانب استمرار البنية الإدارية ذاتها بما تحمله من اختلالات.

العدالة بين النظرية والتطبيق

وتتجلى هذه الفرضية عمليًا في الإفراج عن كثير من المجرمين والشبيحة ومنحهم حصانة، بدل إخضاعهم للمحاسبة القضائية. فمثلاً، لم تُتابع الشكاوى المقدمة بحق فادي صقر، قائد الدفاع الوطني، رغم الجرائم المرتكبة بحق أبناء جوب، وأُفرج عنه، وهو ما يعزز الانطباع بأن العدالة الانتقالية تتحول إلى عدالة انتقائية. بالمثل، استمر رجال أعمال مرتبطون بالنظام السابق، مثل محمد حمشو في دمشق، ويحيط بهم حراسة أمنية مشددة، بينما جرى التعيينات في المناصب الإدارية والسياسية دون مراعاة مسارات الثورة أو حقوق الضحايا، مثل تعيين سيبان حمو معاونًا لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، وهو كادر في حزب العمال الكردستاني وقائد قوات حماية الشعب (YPG) التي دعمت النظام السابق ضد الثورة، إضافة إلى تعيين محافظ الحسكة نوردين عيسى من عناصر قوات قسد. كل هذه الأمثلة توضح أن ما يُسمى العدالة الانتقالية يُدار وفق اعتبارات سياسية وأمنية ضيقة، بعيدًا عن تحقيق العدالة الفعلية أو حماية حقوق المتضررين.

العدالة والمعيشة: ربط لا فصل

ومن زاوية أخرى، يطرح الواقع السوري سؤالًا حساسًا: هل نحن أمام تهميش غير مقصود للعدالة الانتقالية نتيجة ضعف الإدارة وتراكم الأزمات، أم أمام إعادة ترتيب للأولويات تؤدي عمليًا إلى تأجيلها؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: تراجع حضور العدالة في الوعي العام، وتحولها إلى مطلب ثانوي أمام ضرورات العيش.

الخطر الأعمق لا يكمن فقط في تأجيل العدالة، بل في إعادة تعريفها اجتماعيًا. فعندما تُفصل عن الحياة اليومية وتُقدَّم كمسار مجرد، تفقد قدرتها على كسب ثقة الناس، وتخسر دورها كأداة لإعادة بناء العقد الاجتماعي.

إن استعادة موقع العدالة الانتقالية لا تمر عبر الخطاب، بل عبر إعادة دمجها في صلب القضايا المعيشية. فملف المفصولين سياسيًا هو قضية عدالة بقدر ما هو قضية معيشة، ومكافحة المحسوبيات هي إصلاح إداري ومساءلة في آن، كما أن تحسين الخدمات وضبط الأسعار يرتبطان مباشرة بوجود مؤسسات خاضعة للمساءلة.

لا يمكن الفصل بين الخبز والعدالة، ولا بين الكهرباء والإنصاف. فإما أن تُفهم العدالة الانتقالية كإطار شامل يعيد تنظيم الحياة العامة على أسس عادلة، أو تبقى شعارًا معلقًا خارج واقع يزداد قسوة.

بناءً على ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين العدالة وتحسين المعيشة، بل في بناء مسار يربط بينهما عضويًا: عدالة تُترجم إلى فرص متكافئة وخدمات عادلة، ومعيشة كريمة تقوم على حقوق مصانة ومساءلة فعلية. دون هذا الربط، سيظل أي حديث عن العدالة الانتقالية عرضة للتآكل أمام ضغط الواقع، مهما بلغت أهميته النظرية.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى