الرأي العام

سوريا بين سندان “التصفية” ومطرقة “التقسيم”: قراءة في ارتدادات اعتصام 17 نيسان

من المنظور القانوني الدولي لا يحق لسلطة "تصريف أعمال" اتخاذ قرارات تمس ثروات الأجيال القادمة

خالد المطلق* العربي القديم

لم يكن الاعتصام الذي اندلع في دمشق يوم الجمعة 17 نيسان 2026 ولاحقا في بعض مدن سورية، مجرد رد فعل عفوي على ضيق معيشي بل كانت صرخة وعي في وجه مشروع متكامل لـ “تفكيك الدولة” تقوده حكومة انتقالية حادت عن مسارها المفترض، ومن يتتبع مجريات الاحداث يرى أن سوريا اليوم تعيش لحظة فارقة حيث تحولت السلطة المؤقتة التي كان من المفترض أن تكون جسراً للعبور نحو الاستقرار إلى “وكيل تصفية” لمقدرات الشعب السوري، وفي ظل هذا المشهد يتداخل الفساد المؤسساتي مع الأجندات الدولية، ليخلق واقعاً مأزوماً يهدد ليس فقط لقمة عيش المواطن بل وحدة الجغرافيا السورية التي باتت معروضة في “مزاد علني” تارة تحت مسمى الخصخصة وتارة تحت ذريعة الاستثمار بينما تلوح في الأفق بوادر “هزة كبرى” قد تكون هي المخرج الوحيد من انسداد الأفق أو الفخ الأخير نحو التقسيم النهائي·

تغييب متعمد للكفاءات الوطنية

خلال عام ونصف من عمر حكومة أحمد الشرع الانتقالية تجلت معالم كارثة إدارية ناتجة عن تغييب متعمد للكفاءات الوطنية التكنوقراط حيث تم استبدال “رجل الدولة” بـ “رجل الولاء” وهو ما أدى إلى شلل كامل في العقل المؤسساتي، فمن تخرج من “المدارس الجهادية” والميليشيا والارتباط بالأجهزة الأمنية لا يمكنهم قيادة مؤسسات دولة مدنية، فمنطقهم يقوم على الغنيمة وليس المواطنة، وهذا النهج أدى إلى “أخطاء كارثية” متعمدة تهدف إلى إيصال الدولة لحالة من العجز الشامل، مما يبرر لاحقاً بيع أصولها بدعوى العجز عن إدارتها وهي الخديعة الكبرى التي يدركها الشارع السوري اليوم جيداً، وبهذ تكون السلطة المؤقتة قد تجاوزت كافة حدود صلاحياتها القانونية والسياسية بالبدء في بيع أصول سيادية طويلة الأمد (موانئ، مطارات، قطاعات طاقة، مشافي عامه، عقارات الاوقاف)، فمن المنظور القانوني الدولي لا يحق لسلطة “تصريف أعمال” اتخاذ قرارات تمس ثروات الأجيال القادمة لكن الحماية التي يوفرها “المشغلون الدوليون” (أمريكا وإسرائيل ووكلائهم) منحت هذه الحكومة حصانة وهمية، ومن الواضح أن الهدف من هذا البيع هو ربط مصالح القوى الكبرى ببقاء هذه المنظومة فالمستثمر الأجنبي يصبح شريكاً في حماية السلطة الفاسدة لضمان استثماراته مما يحول السيادة الوطنية إلى مجرد حبر على ورق في عقود استثمارية مشبوهة·

مناورات إعلامية

وعلى الرغم من الغضب الشعبي تظل سطوة “أصحاب الولاء” ومن خلفهم الأجهزة الأمنية عائقاً صلباً أمام التغيير السلمي، وهذه القوى تدرك أن بقاءها مرتبط ببقاء حالة “السيولة السياسية”، ومع تزايد الضغوط تلجأ السلطة لمناورات إعلامية “تزيد الطين بلة” وتفقدها ما تبقى من مصداقية، فالخطر الحقيقي يكمن في أن القوى الدولية قد تكتفي بـ “تبديل الجلود” لتمرير الوقت تمهيداً لترسيخ “تقسيم الأمر الواقع”، والفوضى الناتجة عن سوء الإدارة قد تكون هي المبرر الذي تسوقه واشنطن وتل أبيب لإعلان “فشل الدولة المركزية” وتحويل سوريا إلى “كانتونات” يديرها وكلاء محليون مما يضمن تقاسم النفوذ الدولي على أنقاض الوحدة السورية·

ثغرة في جدار الولاء الأمني

خلاصة القول وبناءً على المعطيات الراهنة يبدو أن الحل لن يأتي عبر القنوات التقليدية بل عبر “هزة كبرى” تفرضها تناقضات السلطة نفسها، فالصراع القادم على السلطة بين أجنحة الوكلاء أنفسهم معطوفاً على غليان الشارع، سيخلق ثغرة في جدار الولاء الأمني، ورغم أن قطار التقسيم يبدو منطلقاً بقوة إلا أن الرهان يبقى على “البدايات الأولى” للتحالف بين الشارع في الواجهة، وبين الوطنيين التكنوقراط في الخلفية، ومن هنا تأتي المسؤولية التاريخية التي تحتم على هذه الكتلة الوطنية إعداد “مشروع إنقاذ” جاهز للتطبيق لحظة وقوع الانفجار لمنع القوى الدولية من تحويل الفوضى إلى تقسيم دائم؛ فسوريا تمر بمخاض عسير والدروس التاريخية تؤكد أن الشعوب التي تنتفض لحماية أصولها وكرامتها قادرة على قلب الطاولة على “الوكلاء” ومشغليهم حتى لو بدا الواقع اليوم مظلماً ومسدوداً·

……………………………………………….

*عقيد ركن سابق كاتب وباحث مختص في الشؤون العسكرية والامنية والارهاب

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى