فنون وآداب

المشفى في رواية (جمهورية الظلام) لفواز حداد: من قتل الجسد إلى التحكم بإيقاع الموت

تبدو الرواية وكأنها "تعرف" ما وراء الجدران، ليس لأنها رأت، بل لأنها فهمت كيف تُبنى الجدران أصلاً .

عمر جمعة – العربي القديم

عندما يكتب فواز حداد عن “الجحيم الأرضي”، في روايته (جمهورية الظلام) الصادرة عام 2023 فهو لا يكتب بوصفه شاهداً مباشراً على غرفة أو ممرّ في مستشفى، بل بوصفه قارئاً عميقاً لبنية كاملة: بنية السلطة حين تتحول إلى نظام مغلق يُعيد تعريف الإنسان، والمرض، والموت، والأخلاق، وفق منطقه الخاص. ما يلفت في هذا المقطع ليس فقط قسوته، بل دقته البنيوية؛ كأن النص لا يصف حدثاً، بل يشرح نظاماً .

عقلنة العنف

فواز حداد، الذي اشتغل طويلاً على تحليل الاستبداد في أعماله الروائية، يقترب هنا من ما تسميه دراسات علم الاجتماع السياسي بـ”عقلنة العنف”: أي تحويل التعذيب من فعل فوضوي إلى إجراء منظم، له لغة إدارية، وسجلات، وتسميات طبية زائفة. هذه الفكرة نجد جذورها عند مفكرين مثل ميشيل فوكو الذي بيّن كيف تتحول المؤسسات الحديثة (السجن، المستشفى، المدرسة) إلى أدوات ضبط ومعاقبة، لا تقل قسوة عن أدوات التعذيب التقليدية، بل تتفوق عليها لأنها تُخفي عنفها داخل نظام يبدو “عقلانياً”.

في هذا النص، المستشفى لم يعد مكاناً للعلاج، بل امتداداً للسجن. بل يمكن القول إنه المرحلة الأخيرة من دورة القمع: من الاعتقال، إلى التحقيق، إلى التعذيب، ثم إلى “الإدارة الطبية للموت”. هذا التحول يعكس ما يسميه بعض الباحثين “تطبيع العنف”، حيث يصبح القتل إجراءً روتينياً، وتُختزل الضحية إلى رقم، ويُختزل الجلاد إلى موظف يؤدي عمله.

الشر بوصفه نظاماً

اللافت أيضاً أن حداد لا يقدّم شخصياته كوحوش استثنائية، بل كأشخاص عاديين داخل منظومة. ضابط الأمن ليس مجنوناً، بل “مقتنع”، الممرضة ليست سادية بالضرورة، بل مُشبعة بخطاب الخوف والانتقام. وهذا بالضبط ما يجعل النص مرعباً: لأن الشر هنا ليس انفجاراً، بل نظاماً. وهذا يذكّر مباشرة بتحليل حنة آرندت لمفهوم “تفاهة الشر”، حيث يصبح العنف نتيجة طاعة عادية، لا كراهية استثنائية.

أما “الغرفة السوداء”، فهي ليست فقط مكاناً، بل استعارة مكثفة: الظلام هنا ليس غياب الضوء، بل غياب المعنى. إنها النقطة التي يصل فيها النظام إلى أقصى درجات سيطرته: لا يكتفي بقتل الجسد، بل يتحكم بإيقاع الموت نفسه، “الموت بالتقسيط”، كما يسميه النص. هذه الفكرة تفتح باباً فلسفياً عميقاً حول امتلاك السلطة لزمن الإنسان، لا حياته فقط.

وإذا أردنا قراءة هذا النص ضمن سياق أوسع، فهو ينسجم مع ما وثقته منظمات مثل منظمة العفو الدولية و هيومن رايتس ووتش حول الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز في سوريا، بما في ذلك استخدام المستشفيات كمواقع احتجاز وتعذيب، وتحويل الطب إلى أداة قمع بدل أن يكون وسيلة إنقاذ.

تفكيك سردي لمنطق كامل

ما يفعله فواز حداد هنا ليس توثيقاً صحفياً، بل تفكيك سردي لمنطق كامل. هو يكتب كمن يعرف أن الحقيقة ليست فقط فيما يحدث، بل في الطريقة التي يُعاد بها تنظيم هذا الحدث داخل خطاب السلطة. لذلك تبدو الرواية وكأنها “تعرف” ما وراء الجدران، ليس لأنها رأت، بل لأنها فهمت كيف تُبنى الجدران أصلاً .

شكراً فواز حداد لأنك لم تكتفِ بأن تروي، بل كشفتَ؛ لم تكتب حدثاً عابراً، بل فضحتَ نظاماً كاملاً يعمل بصمتٍ وفعاليّةٍ قاتلةٍ. شكراً لأنك منحتَ اللغة قدرةً على مواجهة ما يُراد له أن يبقى بلا اسمٍ ولا أثرٍ، ولأنك أعدتَ للكتابة دورها الأخطر: أن تكون معرفةً وفضحاً ومساءلةً في آنٍ معاً. في نصوصك، لا يعود الأدب ترفاً، بل ضرورةً أخلاقيّةً، ومحاولةً أخيرةً لإنقاذ المعنى من العتمة، والإنسان من أن يتحوّل نهائياً إلى رقمٍ في سجلّ الموت.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى