أول الخوارج لا آخرهم: عن رياض نجيب الريس وشهادة الروائي فواز حداد
من أهم رموز الصحافة والنشر في سورية ولبنان، ولا تخلو مكتبة أي مثقف عربي من إصدارات دار النشر التي تحمل اسمه

صبري عيسى – العربي القديم
أستهل الكتابة عن الصحفي السوري المرحوم رياض نجيب الريس بما ورد في كتابه (آخر الخوارج) الصادر عام 2004 ويقول فيه: نحن في العالم العربي لانعرف كيف ومتى ننهي أدوارنا ، ولو عرف سياسيونا متى يتقاعدون، وحكامنا متى يرحلون، وكتابنا متى يتوقفون، لو فروا على أمة العرب أعظم بلاء، وهي تلخص معاناة كل العرب مع حكامهم الذين يحكمونهم في كل الدول التي استقلت ورحل عنها الاستعمار المتعدد الجنسيات، والحديث عن الصحفي المرحوم رياض نجيب الريس لا تتسع له مقالة عابرة يمكن ان تلخص سيرته المهنية، وهو من أهم رموز الصحافة والنشر في سورية ولبنان، ولا تخلو مكتبة أي مثقف عربي من إصدارات دار النشر التي تحمل اسمه وهو من أكثر الصحفيين والكتاب إنتاجاً، وقد صدر له نحو 30 كتاباً، ومسيرة إنجازاته تشمل صحيفة «المنار» في لندن، ومجلة «الناقد»، ومجلة «النقاد»، ومكتبة «الكشكول» التي أسسها في لندن أيضاً، وأذكر أنني كتبت منشورا مطولا عنه قبل 13 عام جاء فيه:
“أكثر من 30 ساعة بلا كهرباء، وعلى ضوء الشواحن الصينية المغشوشة والشموع قرات كتاب (آخر الخوارج) للصحفي السوري رياض نجيب الريّس، ومع لأن الكتاب كان ضمن مكتبتي منذ سنوات وهو هدية من الصديقة والزميلة سعاد جروس، إلا أن حاجتي للرجوع إليه هو للتذكير بتجربة متميزة لصحفي سوري هو فعلاً أول الخوارج وليس آخرهم كما يشير عنوان الكتاب الذي حرص المؤلف على تعريف (الخوارج) بأنهم الذين هم خارج السائد والمألوف بعيداً عن المعنى التاريخي الموروث عن (الخوارج)، وأنا قصدت بأن المؤلف أول الخوارج لأنه لم يدخل عباءة الصحافة السورية منذ مصادرتها عام 1958 وإيقاف صحيفة (القبس) التي كانت منبرا حراً لم تتح الظروف لوارثها الأستاذ رياض من الاستمرار بإصدارها، وعاش تجربة صحفية غنية متنقلاً بين معظم الصحف اللبنانية والاوروبية ، وبنفس الوقت حافظ على استقلاليته كصحفي محترف بعيداً عن كل الحسابات السائدة في الأوساط الصحفية اللبنانية، انسجاماً مع قناعاته لذا يقول في موقع من الكتاب: (في النظرة الضيقة التي تخدم سلطة وزير إعلام ما تجاه حاكمه. معنى هذه السيطرة أن هذه الدولة أو تلك ليست على وعي بالمتغيرات السياسية التي تحصل في العالم اليوم ولا بما يستجد في عالم الاعلام الآخر من تطورات على صعيد التقنيات والانتشار. وخطورة ذلك عربيا أن الصحافي أصبح محاصراً تماماً، فإما أن يفقد منبره ورزقه أو يصبح مطواعاً داخل المؤسسة”.
أسعدتني الظروف بلقاء الاستاذ رياض بحضور الصديق والزميل فؤاد بلاط والعزيزة سعاد في آخر دورة لمعرض الكتاب اقيمت في مباني معرض دمشق الدولي المجاور لبردى قبل عقود، وفوجئ عندما قلت له أنني احتفظ بأعداد صحيفة (المنار) التي اصدرها عام 1977 وصدر منها 36 عدد وتوقفت عام 1978 وكانت تجربة (المنار) متميزة ولم يخلُ أي عدد منها من سبق صحفي جلب المتاعب لصاحبها وكتابها، ومنعها من الدخول لمعظم الدول العربية .
الصحافة أكلت لغتي
قبل سنوات كان الأستاذ رياض ضيفا على إحدى الفضائيات في بث مباشر اتاح للأستاذ غسان تويني القامة الإعلامية المشهورة في لبنان أن يجري مداخلة مباشرة، فما كان من الأستاذ رياض إلا الترحيب به بكلمة “معلمي” وكان حوارا ممتعا قال فيه رياض أن من يدخل (النهار) عليه أن يبحث عن دور له حسب قدراته، وأكد مثل هذا الكلام في كتابه .
وعن تجربته في صحيفة (الحياة) استشهد بكلام قاله رئيس تحريرها كامل مرّوة: “عندك زاوية اكتب رأيك فيها، ولكن حذار اقحام رأيك في الخبر” وكان مرّوة يصّر على فصل الخبر عن التعليق وضرورة احترام مصادر الخبر !
ويلخص الريس تجربته في عبارة قصيرة، يقول فيها: “الصحافة أكلتني، أكلت لغتي، أصبحت هوسي، حياتي كلها صحافة”
فواز حداد: أنا مدين له
من أهم الشهادات حول رياض نجيب الريس الناشر، وعن شجاعته في تبني الأدب المتمرد على الطغيان، ما قاله عنه الاديب والروائي السوري فواز حداد في إحدى حواراته:
“تعرضت روايتي (صورة الروائي) إلى المنع في سوريا، ما اضطرني إلى النشر في لبنان، وكانت هناك محاذير حتى في لبنان، تعرضت لها رواياتي بعدها، كان النشر في بيروت لا يخلو من التحايل، بغية عدم تعريض الكتاب لرقابة اتحاد الكتاب ، ويتابع : عندما كتبت رواية (مرسال الغرام) كنت على يقين من أنه إذا كانت سترى النور في بيروت فليس إلا في دار الريس، فقد كانت دور النشر البيروتية تعمل حساباً للرقابة السورية، والوجود العسكري السوري في لبنان”. ويعلّل حدّاد تحديد خياره بأن الريّس كانت “الدار الوحيدة التي لا تحفل بالمنع” مشيراً إلى أن صديقه الراحل رياض “لم يكن يهتم إلا بجودة الكتاب”. ولم يوافق على نشر الرواية فحسب بل تجاوز أيضاً عن حجمها مشيراً إلى أن الناشرين لا يرغبون عموماً في نشر الروايات الضخمة لصعوبة تسويقها وعدم إقبال القراء عليها.
منذ ذلك الحين بدأ التعاون بين الصديقين، ويضيف حداد “رغم أن المنع طال رواياتي كلها، مع أن سوق الرواية الأول في ذلك الوقت، بالنسبة لنا نحن السوريين كان بلدنا سوريا، رغم هذه العقبة لم يتردد عن نشر كل رواية أكتبها. من دون أن يطلب مني حذف أي كلمة منها”.
ويقول حداد ان طباعة أعماله في دار الريّس كانت إنجازاً استثنائياً ومختلفاً في حياته، لا سيما في ظلّ المنع الأسدي وكان أفضل ما حققته أن جميع رواياتي أصبحت منشورة في الدار التي لا يمكن لأي دار أخرى تقديمه لي من الحرية، وعن طريقها وجدت رواياتي طريقها رغم المنع إلى داخل سوريا”.
عن رياض الإنسان والصديق والمعلم يقول حداد :
في هذا الجزء، يطلق حدّاد العنان للجانب الوجداني فيقول في رياض إنه منحني “نعمة عظيمة، تعادل الحياة، جعلني أكتب واتنفس، بلا قيود، بلا رقيب ولا رقابة، لم أراع دولة ولا نظاماً ولا جهة، أنا مدين له، لم أضطر في زمن الربيع العربي إلى عمل أي حساب إلا للحقيقة والحرية والعدالة، وإذا كنت قد اتهمت ممن يدعون بالمثقفين بالطائفية، فلأنني متحرر منها، بينما هم الطائفيون، لا ينظرون إلى الانتفاضة السورية إلا من منظار طائفي”.
ويستدرك حداد “رحيل رياض، بالنسبة للسوريين، رحيل مظفر، لقد زرع قبل ذهابه شتلة الحق في حرية الكاتب، وهو أمر ليس بالقليل أبداً، وسوف تثمر في زمن مهما قيل فيه فهو (يقظة سورية)، أسهم فيها رياض بإتاحة الفرص في الناقد والنُقّاد ودار النشر، أمام الثقافة السورية واللبنانية للخروج من دائرة الطغيان والممنوعات.. شكراً رياض الريس، أستاذي وأخي وصديقي”.
من هو رياض نجيب الريس؟
هو كاتب وصحفي وناشر سوري (وُلد عام 1937 في دمشق، وتوفي عام 2020 في بيروت). يُعتبر من أبرز الصحفيين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، وعُرف بمواقفه النقدية واستقلاليته في العمل الصحفي.
🔹 النشأة والدراسة
• والده نجيب الريّس كان شاعرًا وصحفيًا ومالك جريدة “القبس” في دمشق، ما جعله ينشأ في بيئة صحفية وثقافية.
• درس العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، وأكمل دراساته العليا في جامعة كامبريدج في بريطانيا.
🔹 المسيرة الصحفية
• بدأ العمل في الصحافة في ستينيات القرن العشرين كمراسل لعدة صحف عربية وعالمية بينها “النهار” و“القبس” في مناطق ساخنة مثل اليمن الجنوبي، عُمان، والخليج.
• كتب مقالات وتحقيقات ميدانية عن الحروب والأزمات العربية، وتميّز بأسلوب يجمع بين الأدب والتحقيق الصحفي.
• أسّس في بيروت دار النشر “رياض الريّس للكتب والنشر” عام 1986، التي نشرت كتبًا سياسية وأدبية جريئة.
• كان صاحب جريدة “المنار” ومجلة “الناقد” ومجلة “الكرمل” في بعض فترات عمله.
🔹 أبرز مؤلفاته
• أربعون عامًا في البرية (مذكراته السياسية والصحفية).
• أنا من هناك… (سيرة ذاتية سياسية وثقافية).
• عدة كتب توثيقية عن الحروب في اليمن والخليج، وعن شخصيات عربية بارزة.
🔹 أسلوبه وإرثه
• اشتهر بأسلوب كتابي أنيق ولغة نقدية جريئة.
• كان يؤمن بحرية التعبير ورفض الخضوع للرقابة، ما جعله عرضة للتضييق والمنع في عدة دول عربية.
• ترك إرثًا مهمًا في عالم النشر والصحافة الثقافية المستقلة

