فنون وآداب

حين تصبح اللغة ملاذاً أخيراً: البعد النفسي والأخلاقي في نصوص هاني السالمي

يفقد الوطن معناه التقليدي ليُعاد بناؤه على نحو أكثر تواضعاً وصدقاً: "وطن هو الذي يجلس معي على الرصيف. يشاركني الخبز إن وُجد"

حنين الكرمي – العربي القديم

 لا يكتب هاني السالمي عن الحرب بوصفها حدثًا، بل بوصفها حالة وجودية تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل. نحن لا نقرأ هنا “أدب دمار”، بل نواجه كتابة تُمسك باللحظة المعيشة كما هي عارية، وكثيفة، ومقاومة لأي تزييف. وكما يشير الناقد عادل الأسطة، فإن هذا القبض على اللحظة ليس فقرًا في الخيال، بل خيار أخلاقي، لأن الواقع نفسه تجاوز القدرة على التخيل. ما يميّز هذه النصوص أنها لا تكتفي بنقل المعاناة، بل تكشف كيف يُعاد بناء المعنى تحت ضغطها. في عبارة مثل: “الحياة حلوة… ليس لأنها خفيفة كريشة، بل لأنها ثقيلة… ونحن نحملها ونمشي”، لا نجد إنكارًا للألم، بل إعادة تعريف له.

   الحلاوة هنا ليست وصفًا للواقع، بل فعل مقاومة داخلي، قدرة على الاحتمال لا تلغي القسوة بل تحتويها. وحين “تُقسم الأم الرغيف إلى قلوب صغيرة”، يتحول النقص إلى فعل عطاء، ويغدو الخبز نفسه لغة أخلاقية تحمي الكرامة من الانكسار. في نص آخر، يتحول النوم إلى وطن مؤقت: “في النوم، لا حواجز… ولا خوف يسرق الخطى”.

  الحلم هنا ليس هروبًا، بل ضرورة نفسية، مساحة يعيد فيها الإنسان ترميم علاقاته الممزقة. لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن “القلب وحده يصرّ أن ما حدث كان حقيقيًا”، وكأن الواقع هو ما فقد صدقيته، لا الحلم. هكذا تتشكل حياة مزدوجة: واحدة تُعاش قسرًا، وأخرى تُخترع كي يمكن الاستمرار.

     أشدّ هذه النصوص إيلامًا ربما هو ما يتصل بالأبوة. الأب الذي “يخبّئ الحرب في جيبه” ويوزّع بدلًا منها حكايات عن العصافير، سرعان ما يكتشف أن الحرب تتسلل “من ثقوب الجدران” و”ارتجاف الضوء”. هنا تنهار فكرة الحماية الكاملة، ويظهر شكل جديد من التضحية: أن يعيش الأب “نصف حياة” كي يترك لأطفاله فرصة حياة كاملة. إنها مأساة صامتة، حيث لا يعود دور الأب حماية العالم، بل حماية القلوب منه. في موضع آخر، تتفكك اللغة نفسها تحت وطأة التجربة. حين يقول: “ماذا لو سمّيت طفلتي خشبة؟ هل يرزقني الله حينها بالذهب؟”، لا يمارس الكاتب سخرية عابرة، بل يكشف انهيار العلاقة بين الاسم ومعناه. الأسماء-“هدوء”، “سلام”-تفشل في استدعاء ما تدل عليه، فيتحول العالم إلى فضاء لا يستجيب لأي منطق أخلاقي أو رمزي. من هنا تأتي الجملة الأكثر إدانة: “المشكلة أن العالم لم يتعلّم بعد كيف يحفظ أسماء الأطفال”. إنها ليست شكوى، بل اتهام صريح لعالم يعجز عن الاعتراف بالإنسان حتى في أبسط صوره: اسمه. هذا البعد الأخلاقي يبلغ ذروته في نص “نبش القمامة”. فالمشهد لا يُقدَّم كفقر، بل كفضيحة: “أنت لا ترى مشهدًا عابرًا… أنت ترى وجعًا كاملًا”. ثم تأتي الضربة القاسية: “الكارثة ليست في القمامة… بل في العالم”. هنا يتحول النص من تعاطف إلى مساءلة، ومن وصف إلى محاكمة ضمنية لمنظومة تسمح بانكسار الكرامة إلى هذا الحد. وفي “متناقضات”، يفضح الكاتب خللًا آخر، أكثر هدوءًا لكنه لا يقل خطورة: “نحتفل بالتراب حين يُسلب، ولا نحتفل بالهواء حين يضيق”. إنها مفارقة تكشف انتقائية أخلاقية عميقة، حيث نُعلي شأن الرموز ونُهمل شروط الحياة نفسها. وكأن ما يُرى فقط هو ما يستحق أن يُذكر، بينما يُترك ما يُعاش في الظل.

    أما الوطن، فيفقد معناه التقليدي ليُعاد بناؤه على نحو أكثر تواضعًا وأكثر صدقًا: “وطن هو الذي يجلس معي على الرصيف، يشاركني الخبز إن وُجد”. هنا لا يعود الوطن خريطة أو نشيدًا، بل علاقة إنسانية مباشرة، فعل مشاركة يومي في وجه العدم. إنّه انتقال من فكرة كبيرة إلى علاقة صغيرة، لكنها قابلة للحياة. على المستوى الأسلوبي، تعتمد هذه النصوص لغة مقتصدة، جمل قصيرة، وتكرارًا إيقاعيًا (“الحياة حلوة”، “يا وطن”) يشبه محاولة تثبيت الذات في عالم متفكك. كما تتكئ على مفارقات حادة وصور حسية مباشرة-“رائحة الموت”، “خبز يابس”، “حنفية لا تخاف”-تُعيد الأخلاق إلى الجسد، وتجعل المعنى ملموسًا لا مجردًا.

      وإذا كان أدب الحروب، كما في تجارب حصار سراييفو لدى سلافينكا دراكوليتش، قد ركّز على توثيق اليومي تحت القصف، فإن نصوص السالمي تضيف بعدًا آخر: لا تكتفي بالشهادة، بل تمضي نحو مساءلة أخلاقية صريحة، تجعل القارئ طرفًا في المشهد لا مجرد متلقٍ له. في النهاية، تكشف هذه النصوص عن حقيقة بسيطة وقاسية: حين تنهار المفاهيم الكبرى، لا يبقى سوى التفاصيل الصغيرة-يد ترتجف، رغيف يُقسم، حلم يُصرّ. هناك، في هذا الهامشي اليومي، تُعاد كتابة الإنسان. الكلمة هنا ليست وصفًا، بل فعل بقاء. ومن يقرأها، لا يواجه نصًا فقط، بل يُستدعى-بهدوء لا يخلو من قسوة-إلى أن يسأل نفسه: أيّ عالم هذا الذي لا يعرف كيف يحفظ أسماء أطفاله؟

 نصوص هاني السالمي

1: رزقني الله في الحرب بابنتي هدوء. قلت في سري: لعلّ الاسم يجلب نصيبه من العالم، ولعلّ الهدوء يتسلّل إلى حياتنا كما تتسلّل الشمس إلى الخيام. لكن الهدوء لم يأتِ. وجاري في الخيمة المجاورة سمّى طفله سلام، وقال وهو يبتسم: ربما إذا ناديناه كل يوم باسمه يتذكّر العالم معنى السلام. لكن الحرب عادت… وعادت أقسى من الأسماء. أحيانًا أسأل نفسي: هل تأتي الحياة معنا معكوسة؟ نسمّي أبناءنا بأجمل الكلمات، فتردّ علينا الدنيا بأشدّ المعاني قسوة. أفكّر أحيانًا بسخرية حزينة: ماذا لو سمّيت طفلتي خشبة؟ هل يرزقني الله حينها بالذهب؟ لكنني أعرف في داخلي أن الأسماء ليست المشكلة… المشكلة أن العالم لم يتعلّم بعد كيف يحفظ أسماء الأطفال.

2: هكذا تسير الأمور هذه الأيام… حتى لا تقابل الأشخاص الذين تحبهم عليك أن تنام، وتترك قلبك يسافر وحده، خفيفًا كنسمةٍ تعرف الطريق. في النوم، لا حواجز… لا طرقٌ مقطوعة، لا خوفٌ يسرق الخطى، ولا زمنٌ ثقيلٌ يمنع العناق. نلتقي هناك، بلا مواعيد، بلا وداعٍ مسبق، نضحك كما كنا، ونمشي في شوارع لم تُهدم فينا. نصافح وجوههم دون أن نعدّ الغائبين، ونقول كل ما عجزنا عنه حين كنّا مستيقظين. ثم نصحو… فنكتشف أن العالم ما زال كما هو، وأن اللقاء كان حلمًا، لكن القلب، القلب وحده يصرّ أن ما حدث كان حقيقيًا.

 3: أسوأ عادةٍ وُلدت في الحرب، ثم كبرت بعدها، هي نبش القمامة… كارثةٌ صامتة، تراها في كل وقت، وعلى كل مفترق طريق، كأنها جزء من المشهد اليومي الذي لم يعد أحد يستغربه. أنا أعرف أن من ينبش القمامة لا يفعل ذلك عبثًا… بل تدفعه حاجةٌ قاسية، تضغط على كرامته حتى تكاد تسحقها. منهم من يبحث بين الأكياس عن بقايا البلاستيك والنايلون والكرتون، ليحوّلها إلى وقودٍ للنار، بعدما غاب غاز الطهي، وارتفعت أسعار الوقود حتى صارت حلمًا بعيدًا. ومنهم من يفتّش عن ملابس بالية، يحاول أن يرمّمها، أو يبيعها، أو حتى يستر بها جسده من بردٍ لا يرحم. لكن… الأخطر، والأكثر إيلامًا، ذلك الذي يترك في داخلك غصّةً وغضبًا لا يُحتمل… حين ترى إنسانًا ينبش القمامة بحثًا عن طعام. كيف تمتدّ يده إلى بقايا الخبز؟ كيف يلتقط حبات الأرز المتناثرة ليأكلها؟ كيف يقنع جسده الجائع أن هذا يكفيه ليبقى حيًا؟ يا الله… لو رأيتَ أحدًا يأكل من القمامة، فأنت لا ترى مشهدًا عابرًا… أنت ترى وجعًا كاملًا، انكسارًا لا يمكن وصفه. يكفي ذلك الارتجاف الذي يصيبك، تلك القشعريرة التي تمرّ في جسدك، لتفهم أن الكارثة ليست في القمامة… بل في العالم الذي دفع إنسانًا إليها

 4: متناقضات… يوجد يومٌ للأرض… ولا يوجد يومٌ للسماء، كأننا نُحيّي ما تحت أقدامنا، وننسى ما يظلّل رؤوسنا من اتساعٍ ونجاة. نحتفل بالتراب حين يُسلب، ولا نحتفل بالهواء حين يضيق، كأن الخسارة وحدها تستحقّ الذاكرة، أما النعمة… فتُنسى بهدوء. يوجد يومٌ للشجرة… ولا يوم للظلّ، يومٌ للبحر… ولا يوم للعطش الذي يسكننا بعيدًا عنه. نعدّ الأيام لما نلمسه، ونُهمل ما يسكننا ولا يُرى، كأن الروح ليست جديرةً بيوم، ولا الحلم يستحقّ تاريخًا. فيا أيها الغائب في التقويم، يا سماءً لا يُحتفل بها، علّمنا كيف نرفع رؤوسنا قليلًا، لنرى أن ما لا يُسمّى… أعظم أحيانًا مما نُسمّيه.

5: الحياة حلوة الحياة حلوة… ليس لأنها خفيفة كريشة، بل لأنها ثقيلة… ونحن نحملها ونمشي. الحياة حلوة… لأن الطفل الذي يبكي الآن، سيضحك بعد قليل وكأن الدموع كانت تمرينًا على الفرح. الحياة حلوة… رغم الخبز اليابس، ورغم الانتظار الطويل أمام الأبواب، ورغم الطرق التي لا تصل. هي حلوة… لأننا ما زلنا نطرق. الحياة حلوة… حين تجلس أمٌّ على حافة التعب، وتقسم الرغيف إلى قلوب صغيرة، وتقول: “كلوا”… وكأنها توزّع النجاة. الحياة حلوة… في صوتٍ خافتٍ يقول لك: “ما زلت هنا”… وهذا يكفي. ليست الحلاوة في الأيام، بل في قدرتنا على تذوّقها، حتى وهي مُرّة. نحن لا نكذب حين نقول: الحياة حلوة، نحن فقط… نُعيد تعريف الحلاوة.

6: قصص قطط حارتنا

 1. اشتكى جارُنا ذات صباحٍ وهو يلوّح بيديه غاضبًا: قطتي خائنة! تأكل فئران الشارع بشهيةٍ مفتوحة، وتترك فئران البيت تعيش بأمان، كأنها ضيوف شرف!

2. في يومٍ آخر، أحضر لها قطًا ذكرًا جميلًا، شيرازيًّا أبيض، يمشي كأنه قادم من إعلانٍ فاخر. لكنها، بكل بساطة، هربت… وعادت بعد أيام، حاملاً من ذلك القط الأسود الذي يسكن في القمامة، ويعرف الشوارع أكثر مما يعرف الأسماء.

 3. ثم قال جارُنا بحزنٍ يشبه الاعتراف: قطتي كسولة جدًا… تصعد على الكرسي، وتظلّ تموء طويلًا، لا لأنها لا تستطيع النزول، بل لأنها تنتظر من يحبها كفاية ليُنزلها.

7. كنتُ أراقب بناتي في الحرب بدقّة وأنا أعود من زحمة التفاصيل… يداي مثقلتان برائحة الموت، وقلبي يبحث عن شيءٍ لا يُغسَل. أحيانًا كنتُ أظنّ أن لا أشاركهن ما رأيته، حتى لا تحفظن أسماء الذين مرّوا من هنا، ولا تتعلّمن ملامح الغياب قبل أوانها. كنتُ أخبّئ الحرب في جيبي، كما يُخبّئ الأب سكّينًا بعيدًا عن لعب الأطفال، وأوزّع عليهنّ بدلًا منها حكاياتٍ عن العصافير، عن البحر الذي لا يحترق، وعن مدنٍ لا تنام على صوت القصف. لكنّ الحرب كانت أسرع من كذباتي الصغيرة، كانت تصل إليهنّ من ثقوب الجدران، من ارتجاف الضوء، من صمتي حين يعجز الكلام. كبرنَ قليلًا في ليلةٍ واحدة، وصارت عيونهنّ تعرف أن الآباء لا يحمون العالم، بل يحمون قلوب أطفالهم منه… قدر ما يستطيعون. وفي كلّ مرّة كنتُ أعود، كنتُ أترك على عتبة البيت ما علق بي من موت، وأدخل إليهنّ خفيفًا كأنني نجوت، بينما كنتُ في الحقيقة أتعلّم كيف أعيش نصف حياة، كي تبقى حياتهنّ كاملة. يا رب افتح لنا أبواب زرقك ورحمتك الحياة صعبة جدا

8: يا وطن، اعمل قهوة فبرد الرصيف يأكل أصابعي ولا أحد يسأل عن دفءٍ يسكن في قلبي يا وطن، في خبز؟ فأنا منذ يومين أقتات على رائحة الأفران وأقنع بطني أن الانتظار طعام يا وطن، الميّة الحلوة خلصت والعطش صار أخي نمشي معًا في الشوارع نبحث عن حنفية لا تخاف منّا يا وطن، معك فِكّة للسوّاق؟ فالطريق أطول من قدرتي على المشي وأحلامي تتأخر دائمًا عند أول حاجز يا وطن، بدي كاسة شاي دين أعيد بها ترتيب هذا التعب وأستعير دقيقةً من الطمأنينة قبل أن يسرقها النهار يا وطن… أنا لا أبحث عن خريطة ولا عن نشيد أنا أبحث عن صديق وطن هو الذي يجلس معي على الرصيف يشاركني الخبز إن وُجد ويضحك حين لا نجد وطن ليس اسمًا كبيرًا ولا درسًا في الجغرافيا وطن هو صديقي… حين لا تكون فلسطين قادرة أن تحمل كل هذا الوجع وحدها ] ١٥ نيسان ٢٠٢

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى