مقولة “المستبد العادل” بين القصور والحيوية *
إنَّ العلاقة بين الاستبداد والعدل مشكوك في مدى فعاليتها وتحقيق استقرار سياسي طويل الأمد

مازن أكثم سليمان- حمزة رستناوي- العربي القديم
تحتل مقولة “المُستبد العادل” موقعاً لافتاً في تداولات الثقافة العربية الإسلامية، وتُوظَّف في حالات كثيرة (أو عند تيارات عديدة) بوصفها بديلاً عن منظومات سياسية حديثة في العالَم، وفي مقدمتها “الديمقراطية”.
تُستخدم مقولة “المستبد العادل” لوصف حاكم يمتلك سلطة مطلقة (أو شبه مطلقة)، غير أنهُ يوظّفها لتحقيق الاستقرار والعدالة (النسبية) بدلاً من القمع لتحقيق مصالح شخصية.
يستطيع عامة الناس فهمها عموماً من غير الحاجة إلى مرجعية أهل الاختصاص في السياسة، وإن كانَ يتصف تداولُها في الفضاء الثقافي العربي الاسلامي بخصوصية سياقية وتاريخية معينة، ظهرَتْ بوجهٍ خاص في العصر الحديث بدءاً من حقبة اليقظة العربية في مطلع القرن التاسع عشر، والصدمة الحضارية مع الآخَر الغربيّ بعد الحملة الفرنسية على مصر والشام.
لعلَّ أوَّل ما يلفت في مصالح هذهِ المقولة هو التناقض الدلالي الذي يتعارض مع سياقها أو أهدافها، وإن بدا هذا التناقض مرناً من وجهة نظر براغماتية؛ فالاستبداد يقترن عادة بالظلم وليس بالعدل، والمصالح المعروضة في مقولة المستبد العادل تثير تساؤلات حول اتساقها وقدرة المستبد على تحقيق العدل.
هيَ مصالح تتعارض جزئياً مع أولويات الحياة والعدل والحرية؛ ذلكَ أنَّها تعزِّز من جهة أولوية العدل، ولكنها من جهة ثانية تنتهك أولوية الحرية، ولعل دلالة “استبدَّ” المُعجمية توضح ذلك؛ فاستبداد المرء بالأمر يعني تعسُّفه وانفراده من غير مُشارِك له فيه.
فضلاً عن ذلك، عند عرض هذه المقولة على مبادئ القانون الحيوي القائلة إنّ (الكائن ليس بجوهر، بل هو أسلوب وطريقة تشكل، حركية، احتمالية، نسبية، متعددة ومتفاعلة الابعاد) سوف نجد عدم تعيين وهشاشة مُتعلِّقة بالسياق وطريقة التوظيف. فعلى سبيل المثال، في حال وُظِّفَتْ مقولة ” المستبد العادل” لتسويق نظام حكم مُحدد، وتبرير ممارسات تعسفية لحاكم معين، عندئذ يمكن الإشارة الى حالة شخصنة تتحوّى مصالح جوهرانية.
انطلاقاً من هنا، تعرضُ هذهِ المقولة لمصالح إشكاليَّة وإن كانت تُقدّم نفسها بوصفها تجترحُ حلولاً سياسية واجتماعية عملية. هي تعرض لمصالح تتراوح بينَ الانفتاح (مصالح العدل) والانغلاق (مصالح الاستبداد)، وهذا ما يجعلُها ذات توتُّر مرتفع كونها تطرح قضية إشكالية تتحوّى تناقضاً ظاهراً، ولا سيما أنَّ مصالح الاستبداد بحد ذاتها هيَ ذات إيقاع مرتفع كذلك.
تُفضي هذه المقاربة المنطقية إلى القول إنَّ مصالح “المُستبد العادل” هيَ مصالح (صراع ذو بعد توحيدي)، وهذا ما يوضح شُبهة التناقض الظاهري فيها والقصور.
إنّ هذه المقولة تفتح الباب أمام صراع تفسيري وتأويلي لمعنى “المُستبد العادل” بين الموافق عليها والرافض لها. إنَّ العلاقة بين الاستبداد والعدل مشكوك في مدى فعاليتها وتحقيق استقرار سياسي طويل الأمد، وفي حال افترضنا تحقُّقها، فهو تحقُّق نسبي على المدى القصير.
من مزايا أُنموذج المُستبد العادل، السرعة في اتخاذ القرارات خصوصاً في وقت الأزمات، كفرض حالة من الاستقرار في ظروف الحروب والمُلمَّات الكُبرى، وقد تُرافِق هذا الأُنموذج إصلاحات جذرية ضرورية ومفيدة في ظل وجود معارضة سياسية واجتماعية لها.
في المقابل، يظهرُ قصور أُنموذج المستبد العادل على نحوٍ عميق في معظم التجارب، حيثُ إنَّهُ يقدم أُنموذجاً هشاً للعدالة والاستقرار يعتمد كُلِّيةً على شخص الحاكم وتقلباته المصلحية والسياقية الداخلية والخارجية.
قد يسعى هذا المُستبد لبناء نظام دولة مؤسسات وقانون تستطيع تحقيق استقرار طويل الأمد نسبياً، كما أنه قد يقدم أُنموذجاً للعدل، لكنْ، وبمنتهى الحذر نقول إنَّهُ أُنموذج مُحاط بالعيوب والمخاطر، حيثُ إنَّهُ لا يمتلك ضمانات تمنع تغول السلطة وتحولها إلى نموذج مُستبد ظالم!
من الشخصيات السياسية التي ساد وصفُها في التاريخ العربي الإسلامي بـِ “المُستبد العادل”: عمر بن عبد العزيز وعمر بن الخطاب، الذي اشتهر بالعدل الاجتماعي، وفي العالَم وُصِفَ (لي كوان يو) مؤسس سنغافورة وباني نهضتها الاقتصادية بـِ “المُستبد العادل”.
إنّ استمرار المسلمين اليوم وبعد 1400 عام بالتغني والحنين لحكم الخليفة عمر بن الخطاب وعدله يدّل على ندرة هذا الأُنموذج (للمستبد العادل) في التاريخ العربي الإسلامي، وكونه لم يستمر ليشكل أساساً يُبنَى عليها..
في النهاية، صيغة الحكم الأكثر حيويةً وضماناً لبناء دول مؤسسات راسخة تكون الرقابة الوطنية والسياسية فيها للمجتمع ولنقاباته وأحزابه، هيَ الصيغة الديمقراطية على الرغم من ثغراتها ونقاط ضعفها، إلَّا في حال اكتشفت البشرية صيغاً أكثر عدالة وحرية وتقدُّماً. هذه ليست دعوة فورية لتحقيق الديمقراطية بشكل ارتجالي في أي مجتمع؛ فالديمقراطية هي عملية تتطور في السياق السياسي والاجتماعي على نحوٍ تدريجي عن طريق المحاولة والخطأ والنقد والتحسين، لكن ينبغي عدم التقليل من أهميتها أو وضعها خارج سُلَّم الأولويات لأي دولة تسعى للنهوض الحضاري والاستقرار السياسي طويل الأمد.
_____________________________
* من أعمال المدرسة النقدية الحيوية

