العربي الآن

‎إيران تفاوض، وأمريكا تقصف، والعرب يدفعون الثمن!

الدرس الحقيقي الذي يجب أن يخرج به العقلاء من هذه الحرب هو أن السيادة الوطنية لا تُجزأ، وأن الأوطان لا تُبنى بالميليشيات ولا بالرهانات الخارجية

نوار الماغوط – العربي القديم

‎تضع الحروب أوزارها عادةً لتترك خلفها ركاماً من الأسئلة المصيرية التي تتجاوز بروباغندا “النصر والهزيمة”. وفي جولة الصراع الأخيرة التي شهدتها المنطقة، يندفع الكثير من الهتافيين السياسيين والمؤدلجين إلى صياغة بيانات احتفالية تُعلن انتصار “محور المقاومة” وبقاء هياكله العسكرية وصواريخه، في قراءة قاصرة تقيس نتائج الحروب ببقاء النظم السياسية لا بسلامة الأوطان والإنسان.

‎إن القول بأن الحرب قد انتهت بالفشل المطلق للمخططات الأمريكية والإسرائيلية لمجرد عدم سقوط هذا النظام الإقليمي أو ذاك، هو قلبٌ مخلٌ للحقائق وتزييفٌ للواقع المرير. فالأهداف الحقيقية للخراب قد تحققت بالفعل، ولكن على حساب الأرض العربية والإنسان العربي. إن الصواريخ والمشاريع العسكرية التي يتفاخر البعض بسلامتها لم تحمِ العواصم العربية التي تغلغل فيها النفوذ الإقليمي، بل تركتها تواجه آلة الدمار وحدهـا، ودفع المدنيون الأبرياء في لبنان وغيره ثمن مغامرات سياسية غير محسوبة العواقب، حوّلت قراهم ومدنهم إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية.

‎وهنا تبرز المغالطة المنهجية الكبرى في هذا الخطاب التعبوي؛ إذ يمر سريعاً وبشكل هامشي على قصف المدارس، وتدمير البنى التحتية، وقتل الآلاف من المدنيين، ليضعها في خانة فرعية مقارنةً بـ “بقاء البرنامج الصاروخي”. إن هذا الأسلوب يقع في فخ “تسليع معاناة الشعوب”، حيث تُعلي المنظومة الأيديولوجية من شأن “العتاد العسكري” على حساب دماء البشر وكرامتهم، وهو تناقض صارخ مع أي ادعاء بالدفاع عن الإنسانية. فالجرائم وحروب الإبادة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي هي جرائم مدانة بكل الشرائع الدولية، لكن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تقع أيضاً على مَن صادر القرار الوطني للدول، واستبدل الجيوش النظامية بميليشيات عابرة للحدود، وحوّل بيوت الآمنين إلى مخازن سلاح رهن إشارة قوى إقليمية تتفرج على المحرقة من بعيد وتفاوض على دماء الضحايا.

‎ومع العجز عن تقديم منجزات حقيقية للشعوب، يرتد هذا الخطاب إلى الداخل لممارسة “التخوين والشيطنة” ضد المحيط العربي. إن اتهام الأمة بأنها “ميتة وعديمة الكرامة” ونعت المخالفين لسياسات طهران بـ “الصهاينة العرب” هو الإفلاس الفكري بعينه. فالشارع العربي اليوم بات يملك من الوعي ما يكفي ليدرك أن الاستعمار والهيمنة لا دين لهما ولا طائفة، وأن مَن فكّك الدولة الوطنية في بغداد، وصنع مآسي دمشق، وصادر قرار بيروت، وهجّر الملايين من العرب، لا يمكن أن يكون منقذاً أو شريكاً في بناء مستقبل المنطقة. الكرامة العربية لا تتحقق بالتبعية لمشروع توسعي آخر، بل برفض تحويل الأرض العربية إلى صندوق بريد للنار بين واشنطن وتل أبيب وطهران.

‎وفي محاولة بائسة لتنزيه الأطراف الإقليمية من مطامعها الجيوسياسية، يلجأ المدافعون عنها إلى تزييف الحقائق الديموغرافية والاجتماعية، بادعاء وجود “تعايش مثالي” لثلاثين مليون سني داخل إيران. والواقع الذي توثقه تقارير المنظمات الحقوقية الدولية يكشف العكس تماماً؛ حيث تُواجه الأقليات العرقية والدينية (من عرب الأحواز والأكراد والبلوش والسنة) تهميشاً واضطهاداً ممنهجاً يمنعها من أبسط حقوق المواطنة، بينما تُوظف الشعارات الدينية البراقة خارج الحدود كأدوات تغلغل ناعم لخدمة الأطماع التوسعية.

‎إن الدرس الحقيقي الذي يجب أن يخرج به العقلاء من هذه الحرب هو أن السيادة الوطنية لا تُجزأ، وأن الأوطان لا تُبنى بالميليشيات ولا بالرهانات الخارجية. إن مصلحة الشعوب العربية تكمن في استعادة قرارها المستقل، وبناء دولة المؤسسات والقانون القادرة على حماية مواطنيها، والوقوف في وجه كل المشاريع التدميرية المحيطة بها، سواء كانت قادمة من الغرب أو الشرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى