الديمقراطية تحتاج دولة أولاً
الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الديمقراطية، وإنما تعني فهم شروطها. فالهدف ليس تبرير أي تقصير أو منح أي سلطة حصانة من النقد، وإنما إدراك أن نجاح المرحلة الانتقالية يقاس أولاً بقدرتها على إعادة بناء مؤسسات الدولة

د. زياد الغزالي – العربي القديم
ليس من الصعب أن نفهم توق السوريين إلى الديمقراطية بعد عقود طويلة من الاستبداد، لكن من الصعب أيضاً أن نفهم كيف أصبح بعض الخطاب الثقافي يتعامل مع الديمقراطية بوصفها استحقاقاً فورياً. هناك فارق كبير بين الإيمان بالديمقراطية باعتبارها هدفا” استراتيجيا”، وبين مطالبة دولة خارجة من الحرب بأن تحقق، خلال أشهر أو سنوات قليلة، ما احتاجت إليه دول أخرى عقوداً طويلة من البناء والتراكم. تبدو المفارقة واضحة في جزء من الخطاب الذي يطرحه بعض المثقفين السوريين. فمن جهة، يعترفون بأن سوريا خرجت من أكثر من ستين عاماً من حكم سلطوي دمّر السياسة وأفرغ المؤسسات من مضمونها، ومن جهة أخرى يطالبون بنتائج تشبه ما حققته ديمقراطيات مستقرة عبر مسارات تاريخية طويلة. وكأن الديمقراطية قرار إداري، وليست ثقافة ومؤسسات واقتصاد وقانون.
لقد ورثت سوريا دولة أنهكتها عقود من الحكم الدكتاتوري الطائفي، ثم جاءت سنوات الثورة لتضيف إلى هذا الإرث الثقيل دمارا” واسعا” في المدن والبنى التحتية، وانهياراً اقتصادياً، ومجتمعاً ممزقاً بفعل سنوات العنف والتهجير. ملايين السوريين عاشوا تجربة اللجوء أو النزوح، وأجيال كاملة نشأت في ظل الصراعات، بينما تعرضت مؤسسات الدولة والجامعات والإعلام إلى تآكل عميق. في مثل هذه البيئات، لا تكون الأولوية التاريخية بناء نظام سياسي مثالي، بل إعادة بناء الدولة نفسها. فالدولة ليست مجرد سلطة تنفيذية، بل احتكار مشروع للقوة، وقضاء فاعل، وإدارة كفوءة، ومؤسسات قادرة على تقديم الخدمات، واقتصاد يوفر الحد الأدنى من الاستقرار. ومن دون هذه الأسس، تتحول الديمقراطية إلى عملية شكلية قد تزيد الانقسام بدل عن معالجته.
هناك أسباب موضوعية تجعل الانتقال الديمقراطي في سوريا عملية طويلة، وليس حدثاً سريعاً.أبرزها:
أولاً- غياب الإرث الديمقراطي. فالسوريون لم يعيشوا تجربة مستقرة للتداول السلمي للسلطة أو لبناء الأحزاب المستقلة أو لترسيخ ثقافة المعارضة القانونية منذ توقيع الوحدة بين سوريا ومصر. الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، بل منظومة من القيم والسلوكيات تبدأ بالاعتراف بشرعية الاختلاف واحترام القانون.
ثانياً- هشاشة المؤسسات. فقد خرجت معظم مؤسسات الدولة من سنوات الصراع وهي تعاني ضعفا” في الكفاءة والموارد والثقة المجتمعية. وإعادة بناء المؤسسات تسبق بالضرورة توسيع المنافسة السياسية، لأن الانتخابات وحدها لا تصنع دولة حديثة.
ثالثاً- الانقسام الاجتماعي العميق الذي خلفته سنوات الصراع فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى بناء الثقة، وإطلاق مسارات للمصالحة، وترميم العقد الاجتماعي، قبل الانتقال إلى صراع سياسي طبيعي داخل المؤسسات.
رابعاً- الواقع الاقتصادي. فالديمقراطية تزدهر عادة في بيئات تتمتع بحد أدنى من الاستقرار الاقتصادي. أما حين تكون الأولويات هي تأمين الكهرباء والمياه وفرص العمل وإعادة الإعمار، فإن قدرة المجتمع على الانخراط في حياة سياسية مستقرة تصبح أكثر تعقيدًا. ويضاف إلى ذلك استمرار التحديات الأمنية، ووجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، والتدخلات الإقليمية والدولية، وكلها عوامل تجعل تثبيت سلطة الدولة وبسط سيادتها شرطا” ضروريا” قبل الحديث عن انتقال سياسي مكتمل.
ولعل مراجعة تجارب الدول الأخرى تقدم قدرا” من التواضع السياسي. فإسبانيا احتاجت سنوات بعد نهاية حكم فرانكو لترسيخ انتقالها الديمقراطي، ودول أوروبا الشرقية لم تتحول بين ليلة وضحاها بعد سقوط الأنظمة الشيوعية الى دول ديمقراطية، كما أن تجارب العراق وليبيا واليمن تظهر أن إسقاط النظام لا يعني بناء دولة ديمقراطية. بل إن غياب المؤسسات قد يحول الانتخابات نفسها إلى عامل إضافي للفوضى.
لهذا، فإن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الديمقراطية، وإنما تعني فهم شروطها. فالهدف ليس تبرير أي تقصير أو منح أي سلطة حصانة من النقد، وإنما إدراك أن نجاح المرحلة الانتقالية يقاس أولاً بقدرتها على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، واستعادة الأمن، وتحريك الاقتصاد، وتهيئة البيئة التي تجعل الديمقراطية قابلة للحياة لا مجرد شعار. و إذا استطاعت سوريا خلال السنوات الخمس المقبلة أن تصل إلى مستوى معقول من الحريات العامة، والإدارة الرشيدة، واستقلال نسبي للقضاء، وتحسن في الخدمات، واستقرار أمني، فإن ذلك سيكون تقدما” مهما” بالنظر إلى حجم الخراب الذي ورثته. أما مطالبتها منذ اليوم الأول بأن تصبح نسخة من الديمقراطيات الغربية، فهو تجاهل لقوانين التاريخ أكثر منه دفاعا” عن الديمقراطية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الخطاب العام هو استبدال الواقعية بالمزايدة. فحين ترتفع سقوف التوقعات إلى مستويات يستحيل تحقيقها في المدى القريب، يتحول الإحباط إلى أداة لهدم الثقة بالمؤسسات الناشئة، ويصبح النقد، من حيث لا يقصد أصحابه أحيانا”، عاملا” في إضعاف الدولة بدل إصلاحها.
السياسة ليست إدارة للأحلام، كما أنها ليست استسلاما” للواقع، بل هي فن الانتقال من الممكن إلى الأفضل. والمثقف الحيوي لا يكتفي بوصف المدينة الفاضلة، بل يساعد مجتمعه على رسم الطريق إليها، خطوة بعد أخرى، مع احترام حق النقد في بناء دولة مستقرة تستطيع أن تحمل ديمقراطية راسخة في المستقبل.

