الرأي العام

ثوب العيرة والشرعية الضائعة

خارطة طريق لإنقاذ السلم الأهلي في سوريا الجديدة

خليل البطران – العربي القديم

لم أكن يوماً مع الخطاب العنصري، وأكره من يوظفونه لتحقيق غاياتهم الدنيئة. كما أنني لم أتحزب مع من يؤججون نار الكراهية بين السوريين على اختلاف مشاربهم، بل كنت من السباقين إلى الدعوة إلى التسامح ونبذ الفرقة والخلافات التي من شأنها تمزيق سوريا، فينفلت عقد الدولة وتذهب ريحها، ويتحول شعبها إلى طوائف وفرق متحاربة تتقاسمها الأهواء والأجندات العابرة للحدود.

رأب الصدع وتحذير من الفتنة الخبيثة

كما كنت من دعاة رأب الصدع، وردم الهوة، وتنمية رأس المال الاجتماعي الذي استنزفته سنون الحرب، وهدمت بنيته خطابات التحريض والتجييش الطائفي. لكن هذا ديدن البشر، فلم يسلم أحد من كلامهم، وقد قالوا في الأنبياء المرسلين ما قالوا، فمن أنا؟ ومع هذا كله، ما زلت مؤمناً بأن ما يحدث في سوريا اليوم من حقن طائفي وقومي خبيث يهدف إلى تمزيقها وإغراقها في بحر من الدماء، لا يخسر فيه إلا السوريون وحدهم. ولنا في الحرب اللبنانية عبرة تاريخية قاسية، وهي ليست عنا ببعيد، حيث دفع الجميع ثمن الاحتراب الداخلي، ولم يربح أحد في نهاية المطاف سوى تجار الحروب.

خارطة الإنقاذ: استراتيجية الاستقرار المستدام

وانطلاقاً من الدور التوعوي المنوط بالنخب السياسية والثقافية السورية، فلا مناص من أن تشمّر عن سواعدها، وأن ترصّ الصفوف، وتوحّد جهودها لاحتواء هذا الحريق ووأد الفتنة الإثنية والطائفية قبل أن يتسع الخرق على الراتق. ولا بد كذلك للشعب السوري أن ينتفض في وجه المحرضين ويبطل دعوتهم؛ لأن الانجرار وراء هذه الخطابات سيجهز على ما تبقى من إرث العيش المشترك واللحمة الوطنية. ولكي يستطيع البلد أن يتعافى ويلتقي أبناء الوطن الواحد من جديد، يجب على الحكومة السورية الجديدة وضع استراتيجية وطنية شاملة تقوم على أربعة محاور تنفيذية:

أولاً: المقاربة القانونية والرقمية لمحاصرة الفتنة

لم تعد مكافحة الفتنة مجرد وعظ أخلاقي، بل يجب تحويلها إلى التزام قانوني صارم عبر تطبيق قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية على الأرض دون تهاون. ولا يقتصر هذا الأمر على الداخل فحسب، بل يمتد عبر تفعيل البروتوكولات والاتفاقيات القضائية الدولية لملاحقة أولئك الذين يبثون خطابات الكراهية ويؤججون الفتنة السورية من منافيهم في الدول الأوروبية وخارج البلاد، لقطع دابر التحريض العابر للقارات.

ثانياً: التحصين المعرفي وبناء الهوية الجامعة

مواجهة الخطابات الإثنية والطائفية تتطلب نشر الوعي وبناء فكر بديل كفيل بإعادة تشكيل الوعي الجمعي السوري. ويتحقق ذلك من خلال مراجعة المناهج التعليمية وتطويرها بما يعزز التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة، ويحد من أنماط التلقين التي كرست التمجيد غير النقدي للسلطة، مع تفعيل المؤسسات الثقافية والإعلامية لتقديم رواية وطنية جامعة تؤكد أن التنوع الثقافي السوري مصدر ثراء وقوة للدولة، لا ثغرة يُنفذ منها لتمزيق النسيج المجتمعي، وترسيخ فهم اجتماعي وتربوي أعمق للعلاقة بين المواطن والدولة قائم على الوعي والمساءلة بدلاً من التبعية.

ثالثاً: تنمية القواسم المشتركة وتذويب الهويات الفرعية في الهوية الوطنية الجامعة

تقتضي المصلحة الوطنية العليا الانتقال من حالة الشك المتبادل إلى بناء ثقة تدريجية ومستقرة، وذلك عبر تغليب المصلحة العامة، والالتفات إلى ما ينفعنا ويجمعنا، بدلاً من الركون إلى التحزبات الإثنية التي لا تفضي إلى خير. ويتحقق هذا المسار من خلال تفعيل ثقافة الحوار كبديل للصراع والتنازع، ورعاية نقاشات مجتمعية محلية تعيد إحياء شبكات المصالح الاقتصادية والاجتماعية التي ربطت تاريخياً بين المدن والأرياف السورية، لتكون الهوية الجامعة هي الضامن الأساسي فوق كل الهويات الفرعية. وهذا لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل عبر خطوات يومية ملموسة تعيد الثقة بين الناس في حياتهم العادية قبل الخطابات الكبرى.

رابعاً: مأسسة العدالة الانتقالية والقطع مع الماضي

لن يتم تفكيك فواعل ما دون الدولة وإدماج الهويات الفرعية إلا بإنصاف الضحايا، ولنا في تجارب الأمم التي خرجت من رماد الحروب الأهلية خير دليل؛ إذ لم تبن تلك المجتمعات وتنهض إلا بعد أن عبرت جسر المحاسبة والمكاشفة بصرامة، كما حدث في رواندا عبر محاكم “الجاجاجا” المحلية لإنهاء آثار الإبادة الجماعية، وفي جنوب إفريقيا من خلال لجان “الحقيقة والمصالحة” لتفكيك نظام الفصل العنصري، وفي ألمانيا عبر قوانين “اجتثاث النازية” وتجريم رموزها.

ونؤكد هنا أن العدالة الانتقالية ليست أداة انتقامية لتصفية الحسابات أو التشفي، بل هي تجسيد بشري لقانون إلهي يهدف إلى صيانة الأمن المجتمعي وخلق حياة سليمة، يرتدع فيها القوي الظالم ويطمئن فيها الضعيف الخائف، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

وفي إطار العدالة الانتقالية، تقتضي معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالنظام السابق سنّ تشريعات واضحة تجرّم تمجيد أو تبرير تلك الانتهاكات، بما ينسجم مع تجارب دولية اعتمدت مبدأ منع إعادة إنتاج الرموز المرتبطة بأنظمة مسؤولة عن جرائم واسعة النطاق، كما في بعض التجارب الأوروبية في التعامل مع الإرث النازي. ويهدف هذا التوجه إلى ترسيخ بيئة سياسية تمنع إعادة إنتاج الاستقطاب والعنف، وتفتح المجال أمام حوار وطني جامع قائم على الاعتراف والإنصاف. وهذا المسار لا يُقصد به الإقصاء، بل منع تكرار أسباب الانفجار نفسه الذي عاشه السوريون.

معادلة الشرعية والدرس التاريخي

وأخيراً، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُستعاض بالشرعية الخارجية عن الشرعية الداخلية؛ لأن الشرعية الحقيقية والدائمة تُستمد من الداخل السوري وبإرادة شعبه، أما الشرعية الخارجية القائمة على التوازنات الإقليمية والدولية فهي تشبه “ثوب العيرة”، كما يقول المثل السوري الشهير: “ثوب العيرة ما بيدفي، وإن دفّى ما بيدوم”.

وأريد التذكير هنا بأن المجرم بشار الأسد دُعي قبيل سقوطه بمدة إلى قمة الرياض، فهلل أنصاره وطبلوا له، ووصفوا هذه الدعوة بأنها انتصار لإرادته وجيشه المجرم. وأذكر يومها كيف تسلل اليأس إلى نفوس الكثير من أبناء الثورة السورية المجيدة، وظنوا أنه أحيط بهم وأنه لا خلاص، ثم جرت رياح المصالح الدولية بما لا تشتهي سفن الأسد، فرُفعت عنه الحصانة الدولية، وتخلت عنه القوى التي استثمرت فيه، وفرّ هارباً إلى موسكو كأنه لم يغن في سوريا يوماً، وترك خلفه تركة ثقيلة من الدمار.

وأختم بالحديث النبوي الشريف: “العاقل من اتعظ بغيره.”

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى