العربي الآن

الألغام التي تهدد إعادة الإعمار: حين يخشى الفلاح دخول أرضه

يبدو مؤلماً أن يصبح خبير المتفجرات جزءاً من الطريق إلى موسم الحصاد.

منى أسامة شلهوب – العربي القديم

عاد الفلاح إلى أرضه… فوجد الحرب مدفونة تحت التراب

لم يكن علاء ج. يعرف أن أرضه في الغوطة الشرقية تخفي تحت ترابها لغمًا قديمًا.

دخل الأرض مرات كثيرة، مشى بين أطرافها وعاد منها، من دون أن يعرف أن جسمًا قابلاً للانفجار كان مدفونًا على مقربة منه طوال ذلك الوقت. ربما أنقذته مصادفة بسيطة. فالمكان الذي استقر فيه اللغم يقع تقريبًا عند الحد الفاصل بين أرضه وأرض جاره، وهي زاوية لا تعنيه كثيراً، لذلك لم يكن يتردد عليها.

لكن اللغم كان هناك. ولم تكشفه عملية مسح، ولم يكن علاء يبحث عنه أصلًا. الذي قاد إلى اكتشافه كان كلبًا ينبش التراب بحثًا عن جثة طائر ميت. وبينما كان الكلب يحفر، ظهر جسم غريب من تحت التربة. انتبه صاحبه إليه، وسرعان ما تبين أن ما ظهر لم يكن حجرًا ولا قطعة معدنية عادية، بل لغمًا قديمًا مدفونًا في الأرض.

تفاجأ علاء.

فكرة أنه دخل أرضه مرات عدة، بينما كان هناك لغم لا يعرف عنه شيئًا، كانت كافية لتجعله ينظر إلى المكان بطريقة مختلفة. سارع إلى إخبار الجيران، وكان الأطفال أول ما فكر فيه، فحذرهم من الاقتراب من المنطقة. ثم اتصل بالأمن العام، الذي استدعى مختصين للتعامل مع اللغم وإزالته. بعد ذلك، قامت الجهات المختصة بمسح الأراضي للتأكد من عدم وجود ألغام أخرى.

انتهت قصة علاء من دون إصابات. قد يسميها البعض مصادفة، وقد يراها علاء عناية إلهية وقدرًا حالفه في اللحظة المناسبة. لكن بعد إزالة اللغم بقي سؤال أكبر من قصة أرض واحدة في الغوطة: كم شخصاً يمشي اليوم في أرضه في سوريا، وهو لا يعرف ما الذي بقي مدفونًا تحت قدميه؟

حين لا تنتهي الحرب بانتهاء المعركة

ما حدث مع علاء يكشف وجهًا آخر من مخلفات الحرب في سوريا. الألغام والذخائر غير المنفجرة لا تحتاج إلى استمرار القتال حتى تقتل. قد تمر سنوات على المعركة، ويعود السكان إلى قراهم، وتفتح الطرق وتُرمم المنازل، بينما يبقى الخطر في مكانه تحت الأرض.

ويبدو الفلاح أكثر عرضة لهذا الخطر من غيره. فهو مضطر إلى دخول الحقل، وحراثة التربة والوصول إلى أطراف أرضه واستخدام الآليات الزراعية. وفي بعض المناطق، قد تعني ممارسة هذه التفاصيل اليومية الاقتراب من جسم متفجر بقي هناك منذ سنوات الحرب.

قصة المزارع نضال أحمد تقدم الوجه الآخر لما كان يمكن أن يحدث مع علاء. نضال، وهو صاحب مزرعة زيتون في حلب، لم يتمكن لسنوات من حصاد أرضه بسبب قربها من معسكر سابق للجيش السوري. وعندما عاد في ديسمبر/كانون الأول 2024 لتفقدها، داس على لغم مدفون في الأرض. نجا لكنه فقد قدمه.

قصته وثقتها منظمة هيومن رايتس ووتش، التي حذرت من الخطر الذي تمثله الألغام ومخلفات الحرب على المدنيين العائدين إلى مناطقهم.

بين علاء في الغوطة الشرقية ونضال في حلب فارق واحد حاسم: لغم علاء اكتُشف قبل أن ينفجر، أما لغم نضال فلم يُكتشف إلا بعد فوات الأوان.

الحقول في قلب الخطر

الأرقام تجعل القصتين جزءاً من مشكلة أكبر بكثير.

بحسب تقرير لمنظمة Humanity & Inclusion صدر في 2026، شهدت سوريا 1208 حوادث مرتبطة بالذخائر المتفجرة بين 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 ونهاية أبريل/نيسان 2026. وخلفت هذه الحوادث 2199 ضحية، بينهم 784 قتيلًا و1415 مصابًا.

لكن الرقم اللافت بالنسبة إلى المزارعين هو مكان وقوع تلك الحوادث. فمن أصل 1208 حوادث، وقعت 779 حادثة في الأراضي الزراعية أو مناطق الرعي. وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الخطر موجود في الأماكن التي يذهب إليها الناس بحثًا عن رزقهم.

الفلاح يدخل أرضه، والراعي يتبع قطيعه، والعائلة تحاول استعادة مصدر دخلها بعد سنوات من الحرب والنزوح. بالنسبة إلى هؤلاء، ليست الأرض مجرد ملكية يمكن تأجيل العودة إليها. إنها مصدر رزق وحياة.

أرض الغوطة تواجه أكثر من حرب

تكتسب قصة علاء أهمية إضافية لأنها حدثت في الغوطة الشرقية، المنطقة التي ارتبط اسمها منذ زمن طويل بالزراعة.

قبل الثورة السورية، كانت الغوطة الشرقية توفر، وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، نحو 60 في المئة من أشجار الفاكهة و40 في المئة من الخضراوات في محيطها، وكانت الزراعة تشكل ما يصل إلى 90 في المئة من دخل بعض الأسر. لكن الأرض التي أنهكتها سنوات الحرب تواجه اليوم مشكلات أخرى أيضًا. تضررت البنية التحتية، وأصبحت بعض مصادر المياه نادرة أو ملوثة، وتدهورت التربة، فيما أضافت الظروف المناخية عبئًا جديدًا على المزارعين.

وخلال موسم 2024-2025، انخفضت الأمطار في الغوطة الشرقية بنسبة 54 في المئة، وهو أسوأ مستوى منذ أربعين عامًا. وهكذا قد يعود المزارع إلى أرضه ليجد نفسه أمام أكثر من معركة في الوقت نفسه: أرض تحتاج إلى استصلاح، ومياه أقل، وتكاليف إنتاج مرتفعة، وفوق كل ذلك احتمال وجود مخلفات حرب لا يستطيع رؤيتها بعينه.

قبل البذار… يجب البحث عن اللغم

حجم المشكلة دفع دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام «UNMAS» ومنظمة الأغذية والزراعة «FAO» إلى إطلاق مشروع مشترك جديد في سوريا.

المشروع، الذي أُعلن عنه في مايو/أيار 2026 ويمتد لعامين، هو أول مشروع مشترك من نوعه بين المنظمتين على مستوى العالم. وبتمويل ياباني يبلغ نحو 4.4 مليون دولار، يستهدف المشروع أراضي زراعية متضررة من النزاع في محافظات حلب وحماة وإدلب.

فكرة المشروع بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف الكثير عن واقع الزراعة السورية اليوم. تحدد «الفاو» الأراضي الزراعية ذات الأولوية، ثم تقوم فرق مختصة بمسحها وإزالة الذخائر المتفجرة، إلى جانب توعية السكان بالمخاطر.

وبعد التأكد من سلامة الأرض تبدأ المرحلة الزراعية: مساعدة المزارعين على استعادة الإنتاج، وتوفير المستلزمات الأساسية والدعم الفني، وإعادة تأهيل بعض آبار وقنوات الري. ومن المقرر أن يستفيد من المشروع نحو 1500 أسرة زراعية.

في بلد عُرف تاريخياً بنشاطه الزراعي، يبدو مؤلماً أن يصبح خبير المتفجرات جزءاً من الطريق إلى موسم الحصاد. لكن هذا هو واقع بعض الأراضي السورية اليوم. الخطر لم يصبح من الماضي بعد. حتى الوقائع الأحدث تقول إن المشكلة لم تنتهِ.

في 21 أغسطس/آب 2026، أعادت منظمة Humanity & Inclusion تسليط الضوء على قصة محمد تاليج، وهو شاب يعمل في رعي الأغنام في ريف دير الزور. كان في العشرين من عمره عندما داس على لغم أثناء خروجه مع الأغنام قرب خط جبهة سابق. وتشير المنظمة إلى أن سبعة من أصل 11 حادثة مرتبطة بالذخائر المتفجرة سُجلت خلال أسبوع واحد من يوليو/تموز الماضي، وقعت في مناطق للرعي. هذه الحوادث تفسر لماذا لا يمكن التعامل مع إزالة الألغام على أنها ملف يمكن تأجيله إلى ما بعد إعادة الإعمار.

إزالة الألغام جزء من إعادة الإعمار نفسها. فكيف يمكن إعادة الزراعة إلى قرية إذا كان أصحاب الأرض يخشون الدخول إلى حقولهم؟ وكيف يمكن للراعي أن يعود إلى عمله إذا كانت المراعي نفسها غير آمنة؟

العودة إلى سوريا… لكن إلى ماذا؟

كثيرًا ما يُختصر الحديث عن العودة إلى سوريا بالأرقام: عدد الذين عادوا، وعدد الذين يفكرون في العودة، وعدد القرى التي عاد إليها سكانها. لكن العودة لا تنتهي عند باب المنزل.

بالنسبة إلى الفلاح، لا تكتمل العودة إذا بقيت أرضه خارج متناول يده. وربما تكون إحدى مفارقات هذه المرحلة أن السوري الذي انتظر سنوات كي يعود إلى أرضه، قد يصل إليها أخيرًا ثم يضطر إلى الوقوف عند حدودها خوفًا مما قد يكون مدفونًا فيها.

علاء ج. كان محظوظًا. دخل أرضه مرات عدة ولم يصل إلى تلك الزاوية. ثم جاء كلب يبحث في التراب عن طائر ميت، ليكشف بالمصادفة ما لم يكن أحد يعرف أنه موجود. أُزيل اللغم، ومُسحت الأراضي بعد ذلك. لكن ليس كل لغم سيكشفه كلب، وليس كل مزارع سيحصل على التحذير قبل الانفجار. ولهذا فإن إعادة إعمار الريف السوري لا تبدأ فقط بإصلاح بئر أو قناة ري، ولا بتوفير البذار والجرارات.

تبدأ قبل ذلك بخطوة تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة إلى آلاف السوريين قد تعني الفرق بين الحياة والموت: أن يستطيع الفلاح أن يضع قدمه على أرضه، وهو واثق بأنها لن تنفجر تحته. ربما عندها فقط يمكن القول إن الحرب غادرت الحقل فعلًا، ولم تعد مدفونة تحت ترابه .

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى