العربي الآن

مستودعات الموت في إدلب: أرض لا يغادرها الفَقد

في إدلب لم يخرج المارد من قمقم أسطوري. خرج من مستودع. لم يكن البارود أسطورةً، بل بقايا حربٍ ظننا أنها صمتت.

براء الجمعة – العربي القديم

أرضٌ لم يُغمِضِ الفقدُ عينَها

بعد ربيعٍ وربيع، نُضطر أن نرى دماءنا تسيل على أيدينا، كي نتذكّر أننا لسنا ملائكة، وأن الخلود لم يكن من نصيبنا. خُلقنا للفناء؛ وبقدر ما يُقدّمه لنا العمر من سعادة، وبقدر ما يؤجّلها، تكون نكهة الحياة.

الفقدُ سردابٌ مُرصَدٌ بالجَنَيات والأسى؛ يطاردنا، يحيط بنا، ويهبط علينا كعتمة الليل؛ من حيث لا نراه، من عين الأسى ذاتها.

ننظر حولنا، لعلنا نسدّ تلك العين أو نفقأها. ثم ننظر إلى الأسفل، إلى التراب الذي نمشي عليه مطمئنين، ونفتّش بين الحصى عن القمقم، عن المارد الذي نظنّه حكايةً قديمة، عن شيءٍ صغيرٍ مدفونٍ يمكن أن نعيده إلى مكانه، فنستعيد نحن أيضًا حياتنا.

غير أن بعض المردة لا يعودون إلى قمقمهم. يبقون تحت التراب. ينامون في المستودعات، بين الصناديق، داخل الحديد الصدئ، وفي بقايا حربٍ نظنّ أنها غادرت حين غادر مقاتلوها.

ثم تمرّ في ذاكرتنا خاطرةٌ: أن من فقدناه كان وسيماً، رائعاً، نبيلاً. فنترك الأرض والحصى، ونرفع أعيننا إلى السماء، نبحث عنه بين النجوم والغيوم. فتستقبل السماء عيوننا بحزنٍ أعمق، وتواسينا بامتدادها بين كونين، بين قلبين، بين عزيزٍ وعزيز.

يُحكى أن رجلاً مغفلاً عاد صديقَه المريض، فلما خرج قال لأبناء صاحبه: «إذا مات أبوكم، خبرونا لنصلّي عليه.»

ربما كان الرجل مغفلاً لأنه عرف الموت متأخرًا. ونحن؟ كم مرةً نحتاج أن يخرج المارد من قمقمه كي نعرف أننا تركناه هناك؟

أمس، في إدلب، لم يخرج المارد من قمقم أسطوري. خرج من مستودع. لم يكن البارود أسطورةً، بل بقايا حربٍ ظننا أنها صمتت. فسقط أربعة عشر إنساناً، وأُصيب آخرون. أربعة عشر اسمًا انطفأوا دفعةً واحدة؛ أربعة عشر بيتاً اتّسعت فيه فجأةً مساحةٌ لا يسكنها أحد، وأربعة عشر صوتاً انقطعوا عن العالم، وجرحى يجرّون معهم بقية الحكاية.

هكذا يعود إلينا ما ظنناه مدفوناً. الحرب لا تحتاج إلى جبهة كي تواصل موتها فينا؛ يكفي أن نترك لها مستودعاً، أو باباً، أو صندوقاً، أو لحظةً واحدة من الغفلة.

كل موتٍ قابلٍ للمنع يترك وراءه شبحاً إضافياً. وكل جثةٍ لا تُوقظ سؤالاً، تهيّئ مكاناً لجثةٍ أخرى.

نحن نعرف أسماء الموتى بعد أن يموتوا. نعرف أعدادهم. نعرف صورهم. نعرف أمهاتهم. ثم ننسى. حتى يأتي ربيعٌ آخر، وينفتح قمقمٌ آخر، ويخرج ماردٌ آخر، ونبحث من جديد بين الحصى والتراب عن الذين أخذهم منا.

لكن هذه المرة، لعلّ علينا أن نرفع أعيننا من التراب قبل أن يخرج المارد القادم. لعلّ علينا أن نرى العين التي لا نكفّ عن سدّها بالكلمات، بينما نترك أسباب الفقد مفتوحةً تحت أقدامنا.

أربعة عشر اسمًا ذهبوا إلى السماء أمس. وبقيت الأرض بعينٍ لا تغمض، ولا تكفّ عن الرؤية. عينٍ لم يُغمِضِ الفقدُ جفنَها، كأنها تعرف أن المارد ما زال تحت التراب، وأن القائمة لم تُغلق بعد.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى