عن السوريين العلويين ومطالب الاعتذار
لا نزال بعيدين عن مواقف الاعتذار، والإصرار على انتظار أمرٍ لن يحدث، أو يبدو بعيد المنال، لا يؤدي إلا إلى زيادة الإحباط.!

حمزة رستناوي- العربي القديم
في الحالة السورية، ينبغي التوقف عن مناشدة السوريين العلويين للاعتذار عن جرائم الحقبة الأسدية. فمثل هذه الاعتذارات، وفقاً لتقييمي، لم تحدث ولن تحدث. هذه المناشدات التي أسمعها مراراً وتكراراً ليست أكثر من جهد ضائع وغير مجدٍ، والإصرار عليها يفاقم المشكلة الاجتماعية والسياسية في الحالة السورية الراهنة.
أعطني مثالاً واحداً على اعتذار جماعة دينية أو طائفية أو قومية، في تاريخ الشرق الأوسط، عن جرائم أو ممارسات ارتبطت بها. عرب وأرمن وأكراد وأتراك وفرس وعلويون ودروز ومسلمون ومسيحيون وغيرهم.
السوريون، ومن يشبههم في المنطقة، منشغلون بصناعة مظلوميات جديدة، واستدعاء المظلوميات القديمة على قدم وساق، بكل حماس وإصرار، وأحياناً بكثير من( العناد والغباء)! ومن الطبيعي أن يتعارض منطق المظلومية تعارضاً جذرياً مع منطق الاعتذار والتعاطف مع الضحايا. فحين ترى الجماعة نفسها ضحيةً على الدوام، يصبح الاعتراف بمسؤوليتها الأخلاقية أو التاريخية أمراً بالغ الصعوبة.
سابقا سمعتُ دعوات كثيرة عن ضرورة تقديم المسلمين السنّة اعتذارات علنية لليزيديين عن أعمال القتل وخطف النساء التي قامت بها داعش في العراق 2007 باسم الاسلام وذلك تحت مبررات وحجج تفسيرات دينية. بالتأكيد إن المجتمعات اليزيدية بحاجة للتعاطف وتقديم اعتذارات من قبل الشخصيات أو المؤسسات ذات الصلة التي دعمت أو برّرت ولو بشكل غير مباشر هكذا أعمال اجرامية. الأصل هو محاسبة المشاركين في حملات الابادة ضد اليزيديين. بالمقابل كيف أطالب شخصية دينية مسلمة سنّية أو مؤسسة دينية عن سلوك لم يصدر منها أو لم تتورط أو تشارك في تبريره مثلا! رغم ان الاعتذارات المعنوية في هكذا سياقات تبقى مفيدة .
ثمة وجهة نظر عرضها أحد الأصدقاء في أحد الحوارات جاء فيها ” في الحالة السورية، أجدني أميل لضرورة تقديم هذا الاعتذار الجماعي – من قبل العلويين- على نحو منظم ومدروس، من قبل وجهاء ومثقفين يمثلون مجتمعاتهم. وإذا كانت دول الشرق الأوسط لم تشهد حالات اعتذار جماعي سابقاً، فهذا لا يعني أن هذا الخيار يجب استبعاده، فقد نجح هذا النهج في حالات نزاع كثيرة” في العام 1995 قدمت طائفة مسيحية بروتستانتية تسمى “البلسمية الجنوبية” في الولايات المتحدة، اعتذاراً جماعياً رسمياً عن دورها في دعم العبودية، و في العام 1999 قدمت مجموعات مسيحية أوروبية اعتذاراً رسمياً للمسلمين واليهود عن مجازر الصليبيين، وذلك ضمن مبادرة سميت آنذاك بـ “مسيرة التصالح”. انتهى الاقتباس.
تعقيبا على ذلك: ينبغي قراءة موضوع الاعتذار في ضوء السياق السوري والشرق أوسطي تحديداً. فجميع الأمثلة التي يتم عرضها عن الاعتذارات التي قامت بها سلطات أو مجتمعات عقب النزاعات قامت بها جماعات مسيحية وخاصة الفاتيكان، ومعظمها في أوروبا ، ولا توجد أمثلة مماثلة من حاضر الثقافة والتاريخ العربي الإسلامي المعاصر.
لا يكمن اعتراضي في وجاهة فكرة الاعتذار من حيث المبدأ، وإنما في مدى امتلاكها مقومات التحقق في الحالة السورية. فالسوريون العلويون، بوصفهم جماعة، لا يملكون تمثيلاً واضحاً ومحدداً يمكنه تقديم اعتذار أو تبني أي موقف جماعي آخر، وهذه قضية مهمة؛ إذ إن أي حديث عمومي غير مؤسس على جهة تمثيلية واضحة يصعب التعويل عليه.
ولا تبدو أنّ هناك مؤشرات تدعم ترسيخ ثقافة الاعتذار، بل على العكس، يظهر اشتغالٌ مستمر على تعزيز وصناعة المظلوميات. كثير من العلويين، كما يبدو لي، يطالبون باعتذار عكسي من قبل (المسلمين السنّة) عن الجرائم التي وقعت بحقهم في مجازر الساحل آذار 2025، ويطالبون بمحاكمة المتورطين فيها. وما زال حافظ الأسد يشكل رمزا يحظى بالقداسة والاحترام عند شرائح واسعة من السوريين العلويين! وهناك من يعترض على كون النظام الأسدي هو نظام طائفي امن الأصل؟!
وفقاً لما أعلمه وأراقبه، فإننا لا نزال بعيدين عن مواقف الاعتذار، والإصرار على انتظار أمرٍ لن يحدث، أو يبدو بعيد المنال، لا يؤدي إلا إلى زيادة الإحباط.! إنّ مبدأ الاعتذار الجماعي رغم وجاهته في سياق اعتبارات العدالة الانتقالية، ولكنه ليس هو الأساس، فالأساس هو العدالة والمحاسبة والمسؤولية الفردية للجناة ومن ثم العمل على تعزيز السلم الأهلي.
كما ينبغي أن تأتي قضية الاعتذار والاعتذارات ضمن مسار واضح ومنظم للعدالة الانتقالية، تؤسس له الدولة السورية ومؤسساتها، لا أن تكون مبادرات متفرقة تقوم بها جماعات أهلية هنا وهناك. أو دعوات عبر الفيسبوك وتحرض المهاترات والشحن الطائفي. إنّ الإصرار على وجوب أمر لم يتحقق بعد، أو يبدو بعيداً في الظروف الراهنة، قد يؤدي إلى تعقيد القضية وإنتاج مزيد من الخيبة.
لذلك، ربما يكون من الأجدى تركيز الجهود على ملفات أكثر إلحاحاً وقابلية للتحقق، مثل تسريع محاكمات كبار المجرمين، وإرساء دولة القانون، والعمل على حوارات ولقاءات تعزز السلم الأهلي وتفتح المجال أمام بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري.

