الرأي العام

‎الأب باولو دالوليو وترميم جدارية الروح السورية

مضى الأب باولو نحو مدينة الرقة. ذهب مدفوعاً بنقاء سريرته وإيمانه المطلق بالحوار وقدرة الكلمة الطيبة على ردم الهوات الصعبة، لكن عتمة الغدر كانت في انتظاره

‎ نوار الماغوط – العربي القديم

‎ثمة أمكنة في هذا العالم لا تدخلها كعابر سبيل، تدخلها لتعبر من خلالها إلى ذاتك؛ أمكنة تقاس مساحتها بمدى قدرتها على صهر الفوارق البشرية وإعادة صياغة الكينونة الإنسانية في شكلها الأول النقي. دير مار موسى الحبشي، الرابض فوق صخرة صماء في برية النبك السورية، هو أحد تلك المعاقل الروحية النادرة التي لا تملك حين تطل عليها إلا أن تشعر بهيبة التاريخ يمتزج بصمت الأفق. وفي هذا الفضاء الممتد بين الأرض والسماء، كان الأب باولو دالوليو يمثل الإنسان المخلص لرؤية كونية تتجاوز حدود الجغرافيا والتصنيفات الضيقة.

‎تعيدني الذاكرة اليوم، بكل ثقلها العاطفي والفكري، إلى عام 2005، حين وجه إلينا الأب باولو دعوة كريمة لزيارة الدير وإنجاز فيلم وثائقي يستنطق حجارة المكان وروحيته.  كانت الدعوة  نافذة فتحت لنتأمل من خلالها مشروعاً نبيلاً يعنى بالإنسان والبيئة والتعايش في آن واحد. ذهبنا وفي حقائبنا الكاميرات وأجهزة الصوت، لكننا وجدنا هناك ما لا يمكن لعدسة أن تلتقطه بالكامل؛ وجدنا فضاء يرمم العيوب الخفية في جدارية النفس والأخلاق السورية، تلك الجدارية التي كانت تشهد بواكير تصدعاتها الزمنية.

‎في ذلك الصباح البعيد، دخلت برفقة الأب باولو إلى الكنيسة الأثرية التي تفوح منها رائحة البخور والتاريخ. احتراماً لقدسية المكان وسكينته، خلعت حذائي عند العتبة الخارجية، وكان حذاء جديداً ألبسه للمرة الأولى. قضينا ساعات في تتبع التفاصيل، والحديث المطول الذي تشعب بين الفكر والتنمية وحب الأرض. وعندما انتهينا وهممنا بالخروج، تطلعت حولي فلم أجد الحذاء. كان قد اختفى. انتابني ضيق عابر، وشعور بالانزعاج الطبيعي الذي يصيب المرء عندما يفقد متعلقاته الشخصية في مكان عام. لمح الأب باولو ملامح وجهي، وقرأ النبرة المكتومة في صمتي. بابتسامة هادئة ووديعة لا تغادر ثغره، وبحركة تفيض بالتواضع، دخل إلى غرفته وأحضر لي حذاء من عنده، مده إلي وهو يقول بلهجته العفوية الصادقة: “لا تزعل ولا تغضب.. بيكون حدا فقير يحتاجه!”.

‎كثفت هذه العبارة العابرة فضاء فكرياً كاملاً. لم يكن الأمر يتعلق بتعويض خسارة مادية بحذاء بديل، كان درساً عملياً في الزهد الفلسفي والتسامح. نقل الأب باولو الحادثة من سياق السرقة أو الضياع المزعج إلى سياق المنح الإلهي والتكافل التلقائي. تحول الشخص الذي أخذ الحذاء في نظره من “سارق” إلى “إنسان محتاج”، وبذلك محا الأب باولو طاقة الغضب  واستبدل بها طاقة من الرضا والتأمل. في تلك اللحظة بالذات، تيقنت أنني لا أقف أمام رجل دين يمارس طقوساً تقليدية، إنما أمام صاحب مشروع تنويري عميق، يرى في كل تفصيلة يومية فرصة لإعادة بناء الوعي الإنساني وتأصيل قيم المحبة العملية لا النظرية.

‎عدنا إلى دمشق، وكان هاجسي الأكبر كيف يمكن صياغة هذه الروحانية والتجربة الإنسانية الفذة في قالب بصري يليق بها. عكفنا على إنجاز الفيلم الذي حمل اسم “الطريق إلى دير مار موسى”، زملائي الرائعون. ..الذين صنعوا معي الفيلم وشاركوني في مضمون الرسالة التي أردنا إيصالها لكل الناس

وأخص بالذكر المخرج يوشع سلمان، والمهندسة ريتا خنشت  مشاركة بالإعداد و التي لم توفر جهدا في الحصول على وثائق ومعلومات وتنسيق اللقاءات وهي من السكان المحليين المجاور للدير

‎عرض الفيلم على شاشة التلفزيون السوري، ولاقى صدى طيباً، لكن الرحلة لم تنته هنا. في آذار من عام 2006، جاءت فرصة المشاركة في المهرجان الدولي لفيلم البيئة بالقيروان في تونس، والذي نظمته جمعية الفن السابع برئاسة المخرج التونسي عمر النقازي. شاركت في ذلك المهرجان بعملين؛ الأول هو برنامجي التلفزيوني الأسبوعي “البيئة والإنسان”، وهو أول برنامج بيئي تنموي توعوي أسسته وأعددته منذ عام 2000 على شاشة التلفزيون العربي السوري، والثاني هو فيلم “الطريق إلى دير مار موسى”.

‎أذكر أن لجنة التحكيم الموقرة، برئاسة المخرج السينمائي المصري أسامة روحي، وعضوية الإعلامي اليمني عبد الحكيم محمود، أخبرتني بكواليس التقييم: العملان يستحقان الجائزة الكبرى لتميزهما، ولكن حسب نظام المهرجان الداخلي، يجب أن تختار الإدارة عملاً واحداً فقط للتتويج. وضعتني اللجنة أمام خيار مهني وأخلاقي دقيق. كان برنامج “البيئة والإنسان” بمثابة طفلي المدلل، وثمرة جهود استمرت سنوات في تبسيط المفاهيم البيئية وربطها بالتنمية المستدامة في سوريا. لكنني، ودون تردد، اخترت فيلم “الطريق إلى دير مار موسى”. لم يكن الانحياز هنا تقليلاً من شأن البرنامج، بل تقديراً للرسالة الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية الشاملة التي يحملها الدير، والجهد الاستثنائي الذي بذله راعي الدير الأب باولو في حماية البيئة الطبيعية والمجتمعية المحيطة به. كان دير مار موسى نموذجاً حياً لكيفية صون الأرض وحفظ كرامة الإنسان في آن معاً.

‎وفي يوم الثلاثاء 28 آذار 2006، أعلن المهرجان نتائجه من بين ثمانية وخمسين فيلماً مشاركاً، وتوج فيلمنا بجائزة لجنة التحكيم لتميزه بالإجماع. لقد كان الفوز اعترافاً دولياً برؤية الأب باولو البيئية والإنسانية، وتوثيقاً لجماليات الفكر السوري المشترك.

‎إن الحديث عن دير مار موسى الحبشي من خلال عيون الوعي الإعلامي والبيئي المتخصص يكشف عن أبعاد تتخطى البعد الروحي التقليدي. لم يكن الأب باولو يرى في الدير مجرد صومعة للانعزال عن العالم، بل أراده مركزاً إشعاعياً للتنمية المستدامة. اهتم الدير بإعادة إحياء الزراعات المحلية العضوية، وترشيد استهلاك المياه في منطقة تعاني شحاً مائياً قاسياً، فضلاً عن حماية الحياة البرية والنباتية في محيط الدير الصخري. كانت الرؤية البيئية هناك تنطلق من فلسفة فكرية عميقة: أن حماية الطبيعة جزء لا يتجزأ من حماية القيم الأخلاقية للإنسان. فالإنسان الذي يحترم الشجرة ويوفر قطرة الماء ويزهد في تدمير محيطه البصري، هو الإنسان المؤهل لبناء جسور الحوار والتسامح مع الآخر. هذا الربط الذكي بين الإنساني والبيئي هو ما منحنا المادة الغنية لصناعة الفيلم، وهو ما التفتت إليه لجنة تحكيم مهرجان القيروان بالإجماع.

‎لكن المفارقة المؤلمة، هي أن النظام الرسمي آنذاك كان بمنأى تماماً عن طروحات باولو وأصحابه، وغير مهتم بها أصلاً. كانت السلطة تعيش في واد من البيروقراطية والخوف من كل حراك فكري مستقل، بينما كان باولو يرمم بصمت وصبر عيوب الجدارية الأخلاقية السورية، محاولاً حمايتها من التفتت والانزلاق نحو الهاوية.

‎في مثل هذه الأيام، وتحديداً في التاسع والعشرين من تموز عام 2013، حزمت الأقدار وجعها ومضى الأب باولو نحو مدينة الرقة. ذهب مدفوعاً بنقاء سريرته وإيمانه المطلق بالحوار وقدرة الكلمة الطيبة على ردم الهوات الصعبة، لكن عتمة الغدر كانت في انتظاره، ليختفي منذ ذلك التاريخ في غياهب الاختطاف القسري. اليوم، ونحن نحيي ذكرى غيابه، ندرك أن الجسد قد يغيب، والخطوات قد تعرقل، لكن الفكرة النبيلة لا تختطف ولا تموت. المختطفون يظنون أنهم بإخفاء الشخص يمحون أثره، لكنهم في الحقيقة يمنحونه خلوداً فكرياً في الوجدان. إن غياب الأنقياء والأوفياء الذين وهبوا حيواتهم للإنسان والأرض، يترك خلفه إرثاً حياً يتدفق في عروق كل من آمن برؤيتهم.

‎إن عبارة الأب باولو: “بيكون حدا فقير يحتاجه” ظلت بوصلة فكرية تحكم نظرتي لكثير من تحولات الحياة. إنها الدعوة الأسمى لمغادرة الأنانية الشخصية والارتقاء نحو الفضاء الإنساني الرحب. سيبقى فيلم “الطريق إلى دير مار موسى” شاهداً على مرحلة من النقاء، وسيبقى دير مار موسى منارة أخلاقية في برية الشام، وستظل ذكرى الأب باولو دالوليو حية، نابضة، وحاضرة في وجداننا السوري والإنساني، كعلامة فارقة على أن المحبة والحوار هما السبيل الوحيد لحماية الأرض والإنسان. سلام لروحك في غيابها الحاضر، وسلام للدير الذي يحتضن أنفاسك الذاهبة في الأفق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى