فنون وآداب

مهرجان دمشق الدولي للشعر للعربي: يعادي الحداثة ويستجدي الترند وعمود الشعر

إن تصنيف الدكتور العجيلي كشاعر رئيسي يمثل خللاً نقدياً فادحاً، فالرجل كُرست قيمته العالمية والعربية باعتباره "شيخ الروائيين والقاصّين السوريين"، ورغم نظمه لبعض المقطوعات العاطفية في مطالع شبابه، إلا أن إقحامه هنا يعكس أميّة واضحة في التمييز بين القيمة الأدبية العامة وتخصص جنسي الإبداعي

نوار الماغوط – العربي القديم

شهدت ‎العاصمة السورية في عز هذا الصيف القائظ، انعقاد مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي في دورته الأولى تحت شعار “الشعر يبدأ من دمشق”، وهو الحدث الذي تباهت دار الأوبرا بدمشق باستضافته مصحوبا بجملة من النشاطات الضرورية وغير الضرورية، من أجل بث الروح في الحالة المهرجانية بأي شكل من الأشكال.

سعى المهرجان رسمياً إلى تقديم منصة لاستعادة الدور الثقافي السوري ريادته على الساحة العربية، بحضور حاشد ضم زهاء 55 شاعراً وأديباً ومحاضراً من 16 دولة عربية. غير أن التفاصيل التي دارت خلف كواليس هذا الكيان الثقافي والتوجهات الفنية المرافقة له أثارت عاصفة نقديّة واسعة النطاق بين المتابعين والأوساط الثقافية المستقلة، متمحورة حول منطق “المحاصصة” والشللية التي تفوح رائحتها في سجل الضيوف سواء كانوا مدعوين أو مشاركين… ناهيك إعادة صياغة النص الإبداعي ليكون “مطواعاً وآمناً” يتلاءم مع الاصطفافات الإقليمية والمصالح التمويلية المعاصرة.

‎تجلت بنية هذه التحالفات الفكرية بوضوح عبر قائمة المدعوين والرموز والمكرمين في حفل الافتتاح الذي ترأسه وزير الثقافة محمد ياسين صالح، إلى جانب مدير المهرجان الشاعر أنس الدغيم. فمن جهة، جرى تكريم قامات من مختلف الأقطار العربية،  ومن جهة أخرى، وفي مسار القراءات والأمسيات والندوات الفكرية، شاركت أسماء تنتمي في جوهرها وأدواتها البلاغية إلى الأنماط العمودية والكلاسيكية المعتمدة لدى وزارات الثقافة والملتقيات الخليجية الكبرى، توازى ذلك مع اهتمام رسمي منقطع النظير بروح البداوة والتراث العشائري، وتجسّد في استحداث لجان متخصصة للشعر النبطي وتكثيف حضوره، لتتحول المنابر إلى فضاء لـ “الفولكلور ” الذي يتفادى النبش في أسئلة الراهن الوجودية أو النقدية.

‎أمام هذه التوجهات الفنية، طفا على السطح سؤال مركزي حول ما إذا كان المهرجان قد قاد نكوصاً واعياً بالمشهد الثقافي ليعيده إلى مناخات تشبه “العصر الجاهلي” وسوق عكاظ الكلاسيكي، حيث يتحدد دور الشاعر كلسان حال يخدم المنظومات السائدة ويدافع عن حياض الخطاب الرسمي، لينال الجوائز التقديرية والمجاملات بناءً على تمسكه بـ “عمود الشعر” ومضامين المديح التقليدية… أما أنه نتاج خبط عشواء في الحالة الثقافية المبتدئة، والمصحوبة بالضجيج والترندات وفتاوى المثقفين الانتهازيين والمستفيدين هم ومؤسساتهم الوهمية.  إن تأسيس جوائز تلتف حول هذه الرؤى الكلاسيكية، مثل “جائزة البردة الشامية” المخصصة للمديح النبوي وجائزة “السيف الدمشقي” في الشعر العربي، يعكس رغبة صريحة في عزل القصيدة العربية عن مكتسبات القرن العشرين التحديثية، وتهميش قصيدة النثر التمردية التي كانت دمشق – عبر التاريخ المعاصر – أحد أعتى معاقلها وحواضنها الثورية.

‎هذا المسلك الإقصائي والتطهير المعرفي الممارس خلف واجهات التلميع تجلى بأوضح صوره وأقساها في  تغييب قامة شعرية وتحديثية بحجم محمد الماغوط عن قوائم الاحتفاء السوري الحداثي.  أرى أن تغييب الماغوط يمثل تشخيصاً دقيقاً ومباشراً لآليات الفرز الرسمية، فالرجل الذي كتب دواوين مثل “حزن في ضوء القمر” و*”الفرح ليس مهنتي”* يمثل النقيض البنيوي التام لثقافة “المديح والتبجيل والمهادنة”. الماغوط هو الهوية السورية  العارية التي نقلت الشعر من فضاء القوافي الجاهزة إلى زواريب الشارع وهموم الإنسان المسحوق، وهو صوت عصي على التدجين لا يمكن حشره في قوالب الولاءات الضيقة. وحتى لو جنح التحليل المعمق نحو افتراض وجود إملاءات سياسية أو تحفظات إقليمية من قِبل جهات مانحة أو فاعلة في القرار المالي للمهرجانات العربية لا يروق لها تاريخ الماغوط الفكري، فإن إسقاط اسمه من المدوّنة الشعرية الوطنية لبلاده يمثل سقطة تاريخية لا يمكن تبريرها، ويفقد المؤسسة المعنية موضوعيتها التوثيقية ومصداقيتها الأدبية.

‎الفضيحة التوثيقية لم تقف عند حدود محو رموز الحداثة، بل تجاوزتها إلى ممارسات “الإحلال العشوائي” لملء الفراغ المعرفي، وهو ما تجلى بشكل فاضح في الحدث الرقمي الذي ترافق مع أيام المهرجان، إذ أطلقت وزارة الثقافة منصة تفاعلية تحت اسم موقع ديوان شعراء سوريا بحجم بيانات أولي يضم 166 شاعراً و715 قصيدة. من الناحية البصرية والتقنية والبرمجية، بدا الموقع لافتاً ومتقناً للغاية، متميزاً بهندسة واجهات بصرية جذابة وتوزيع كتل طباعية مريح للمتصفح، بيد أن هذا الإبهار الشكلي سرعان ما ينهار فور الدخول إلى المتن المعرفي وفحص معايير التصنيف. يكتشف المتصفحون أن غياب الماغوط رافقه إدراج الأديب الراحل الدكتور عبد السلام العجيلي والفقيه التراثي ابن تيمية بوصفهما من “أكبر شعراء سوريا”.

‎إن تصنيف الدكتور العجيلي كشاعر رئيسي يمثل خللاً نقدياً فادحاً، فالرجل كُرست قيمته العالمية والعربية باعتباره “شيخ الروائيين والقاصّين السوريين”، ورغم نظمه لبعض المقطوعات العاطفية في مطالع شبابه، إلا أن إقحامه هنا يعكس أميّة واضحة في التمييز بين القيمة الأدبية العامة وتخصص الجنس الإبداعي. أما الفاجعة المعرفية الأكبر، فتمثلت في حشر اسم شيخ الإسلام ابن تيمية في الديوان ليوثق حالة من الإبداع الشعري السوري، إن ابن تيمية قامة لاهوتية وفقهية وتراثية معروفة، مكانه حقول الفقه والعقيدة والحديث وليس فضاء الإبداع الجمالي، ولم يكن شاعراً بأي سياق فني قط، وإنما انحصرت كتابته المنظومة في بعض الأبيات التعليمية الركيكة ضمن المتون الفقهية.

‎هذا التخبط الرقمي يعري آليتين بالغتي الخطورة في عمل المؤسسات الثقافية المعاصرة: الأولى هي الاعتماد الأعمى والكسول على سحب المواد آلياً من محركات البحث وموسوعات الإنترنت العامة بناءً على روابط  أو كلمات مفتاحية ، دون عرض المحتوى على لجان استشارية أكاديمية أو نقاد متخصصين لمراجعة المضمون وتدقيقه وتخليصه من الشوائب. والثانية هي النزوع الضمني للتعصب السلفي للجغرافيا الثقافية السورية عبر إقحام رموز تراثية ودينية بشكل قسري في الفضاء الإبداعي المعاصر، تماهياً مع المناخات الإقليمية المحافظة والتحالفات المستحدثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى