عقائد وأديان

من رسالة تحرير إلى أداة تخدير: الدين أم تسييس الدين هو أفيون الشعوب؟

عندها تتحول النصوص إلى أدوات انتقائية ويصبح التأويل خادما للمصلحة ويغدو بعض علماء السلاطين أبواقا للسلطة يزينون قراراتها ويبررون أخطاءها ويصورون طاعة الحاكم في كل حال على أنها من صميم الدين

ناصر لاذقاني – العربي القديم

لطالما ردد خصوم الدين القويم مقولة كارل ماركس الشهيرة بأن الدين أفيون الشعوب…  وبينما يرفض من عرف نواميس الخالق هذا الوصف ابتداء؛ فإن السؤال الذي يستحق التأمل ليس “هل الدين أفيون الشعوب؟” بل: متى يتحول الخطاب الديني إلى أداة تخدير بدل أن يكون قوة تحرير.

الدين الذي أنزله الله لم يأت ليصنع شعوبا خانعة مدجّنة، ولا ليمنح الحكام صكا مفتوحا يفعلون به ما يشاؤون. الدين جاء ليقيم العدل ويحفظ الحقوق ويضع الجميع تحت سلطان الشريعة التي تحفظ كرامة الجميع، فلا يعلو حاكم على قانون الله، ولا يملك عالم أن يبدل الحق إرضاء لأحد .

لكن المأساة تبدأ عندما تنقلب الموازين. حين تصبح السياسة هي التي تقود الدين لا الدين هو الذي يقود السياسة.

 عندها تتحول النصوص إلى أدوات انتقائية ويصبح التأويل خادما للمصلحة ويغدو بعض علماء السلاطين أبواقا للسلطة يزينون قراراتها ويبررون أخطاءها ويصورون طاعة الحاكم في كل حال على أنها من صميم الدين ولو خالفت مقاصده وروحه.

 وهنا يضيع صوت العلماء الصادقين الذين وصفهم الله بقوله ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله﴾.

ولا يقف الخطر عند هذا الحد. فثمة صورة أخرى أكثر خفاء وأشد أثرا حين ينشغل بعض الدعاة بجمع الأتباع بدل صناعة الرجال، وبالإكثار من المريدين بدل بناء العقول. يصبح همهم أن يصفق الناس لهم لا أن يفكروا معهم وأن يطيعوهم لا أن ينضجوا بالعلم والبصيرة. فيتحول الدين من مشروع نهضة إلى ثقافة تبعية ومن رسالة تحرر إلى حالة من الانقياد الأعمى.

إن العالم الحقيقي لا يقاس بعدد من يلتفون حوله بل بعدد العقول التي أيقظها والقيادات التي صنعها والضمائر التي حررها من الخوف والتقليد. أما من يربي الناس على تعطيل عقولهم وربط الحق بالأشخاص فقد أسهم من حيث يشعر أو لا يشعر في تفريغ الدين من رسالته.

لهذا فإن المشكلة ليست في الدين أبدا وإنما فيمن يستخدمه خارج الغاية التي أنزلها الله من أجلها.  فإذا بقي الدين مرجعية عليا يحاسب الحاكم قبل المحكوم ويقيم العدل ويحفظ الكرامة كان أعظم قوة لبناء الأمم.  أما إذا تحول إلى أداة في يد السلطة أو وسيلة لصناعة التابعين، وتطويع الخانعين، فإنه فقد يفقد أثره الإصلاحي ويصبح وسيلة لتخدير الناس لا لإيقاظهم.

ليس الدين هو أفيون الشعوب وإنما تسييس الدين وتدجين العلماء وصناعة الأتباع هي التي تجعل الخطاب الديني يفقد روحه. أما الدين الحق فلا يصنع إلا إنسانا حراً، ومؤمناً قوياً، يعمر الأرض بالعدل ويقول كلمة الحق ولا يخشى في قولتها لومة لائم.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى