تعقيبا على مقال حمزة رستناوي: العلويون بين الاعتذار والعدالة الانتقالية
استوقفني مقال لحمزة رستناوي نشرته (العربي القديم) بتاريخ 30 تموز الماضي، بعنوان (عن السوريين العلويين ومطالب الاعتذار) وأجدني مُهتما هنا بتوضيع منظوري للقضية.

يوسف إسماعيل – العربي القديم
كثرت في الآونة الأخيرة الدعوات إلى أن يبادر العلويون بخطوة تجاه الأكثرية السورية السنية، بوصفها الفئة الأكثر تضرراً على مختلف الصعد من حقبة حكم البعث، ولا سيما خلال السنوات الأربع عشرة الأخيرة.
وبصفتي متابعاً للشأن العام، ومعارضاً لحكم الأسد منذ يفاعتي، ومن أبناء البيئة العلوية بحكم الولادة، أود أن أقدم مجموعة من المقاربات، لعلها تسهم في توضيح وجهة نظري.
إقــــــــرأ أيضــــاً:
أولاً: أؤكد دعمي الكامل لتعزيز ثقافة الاعتذار ونشرها بين البشر، سواء على المستوى الشخصي أم المجتمعي، لأنها قيمة أخلاقية وإنسانية راقية.
ثانياً: أنطلق من مُسلّمة أرى أنها راسخة لدى شريحة واسعة من السوريين، وهي أن نظام الحكم كان علوياً بامتياز، وأن الجرائم والبطش والفساد ارتبطت في الوعي العام بالهوية العلوية، وأن جميع العلويين يتحملون المسؤولية، ولو بالصمت. وحتى من شارك من أبناء المكونات الأخرى، يُنظر إليه على أنه كان ينفذ أوامر صادرة عن أصحاب القرار في النظام.
ثالثاً: يغلب على من يطرحون فكرة الاعتذار أنهم ينطلقون من نوايا صادقة، أملاً في أن يكون الاعتذار مدخلاً إلى انفراج مجتمعي يخفف من الاحتقان المتراكم. كما أن معظم من قرأت لهم في هذا السياق ينتمون إلى خلفية فكرية يسارية، وينحدرون في الغالب من الأكثرية العربية السنية.
رابعاً: لم أجد، فيما قرأت، تصوراً واضحاً لآلية هذا الاعتذار: من الذي سيقدمه؟ وبأي صيغة؟ ولمن؟ وما الأثر العملي المتوقع له على أرض الواقع؟
خامساً: جرت العادة أن تعتذر الدول لشعوب أو دول أخرى عبر رؤسائها أو ممثليها الرسميين، كما تعتذر القبائل والعشائر عبر زعاماتها المعترف بها. لكن هل يمتلك العلويون اليوم قيادة أو مرجعية تحظى بإجماع أو تمثيل شعبي يخولها الحديث باسمهم جميعاً؟ وهل العلويون أصلاً كتلة اجتماعية أو سياسية متجانسة؟
سادساً: من وجهة نظري، فإن المطلوب من العلويين يتجاوز الاعتذار اللفظي. المطلوب هو التحرر الكامل من إرث الأسدية، والتخلي عن فكرة أن المؤسسة العسكرية والوظيفة العامة هما المصدر الطبيعي للدخل، والتوجه نحو العمل والإنتاج في الأرض، وتعلم المهن، والاستفادة من الطاقات العلمية الموجودة بينهم والابتعاد ولو مرحليا عن العمل السياسي. كما أن المطلوب هو الانفتاح على المجتمع السوري، والتخلص من عقدة احتكار الدولة أو الخوف المرضي من الآخر، والإيمان بأن الاختلاف الديني لا يشكل تهديداً وجودياً.
أما الأهم من الاعتذار، فهو المساهمة الصادقة في إنجاح مسار العدالة الانتقالية، عبر التعاون مع مؤسسات الدولة لكشف الحقيقة، والمساعدة في تسليم كل من ارتكب جرائم ولم يتمكن من الفرار، والمطالبة، إلى جانب جميع السوريين، بمحاسبة كبار المجرمين واستردادهم من الدول التي تؤويهم، وفي مقدمتهم رأس النظام الفار والدائرة الضيقة التي أحاطت به.
إن الاعتذار، مهما كانت أهميته، لا يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا اقترن بالاعتراف بالحقيقة، والمشاركة في تحقيق العدالة، والإسهام في بناء الثقة بين السوريين على أسس المواطنة وسيادة القانون.
ومع ذلك، فإن من الضروري التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية الأخلاقية أو السياسية. فالمسؤولية الجنائية مسؤولية فردية، لا تثبت إلا على من ارتكب جريمة أو أمر بها أو شارك فيها أو تستر عليها وفقاً للقانون، ولا يجوز تعميمها على جماعة بأكملها بسبب الانتماء الديني أو الطائفي. أما المسؤولية الأخلاقية أو السياسية، فهي أوسع نطاقاً، وقد تشمل مراجعة الذات، والاعتراف بالأخطاء، والإسهام في إزالة آثار الماضي، والمشاركة في بناء مستقبل يقوم على العدالة والمصالحة.
نعم… أنا مع تعزيز ثقافة الاعتذار على الصعيدين الشخصي والمجتمعي، ولكن ليس عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما من خلال المؤسسات الثقافية، ووسائل الإعلام الرصينة، واللقاءات الحوارية بين نخب المجتمع السوري.
وانطلاقًا من ذلك، سأفترض سلفا أن المعنيين بواجب الاعتذار هم العلويون وحدهم، وسأوافق على أنه لم يكن للنظام أي شريك من طائفة أخرى في ذبح السوريين، وسأسلّم أيضًا بأن الاعتذار مطلوب من العلويين ، وأنهم كجماعة مسؤولون، سواء بالمشاركة المباشرة، أو بالتأييد العلني أو الضمني، أو بالصمت عن الجرائم.
بالاطلاع على قائمة الجهات التي قدمت اعتذارات تاريخية، لاحظتُ أن معظمها كان صادرًا عن كنائس مسيحية أو مؤسسات دينية أو رسمية تمتلك شرعية تمثيل واضحة للشعوب أو الجماعات التي اعتذرت باسمها. ومن هنا تبرز أمامي مجموعة من الأسئلة:
- هل يقبل الطرف المُتضرر اعتذارًا يصدر عن مجموعة من المثقفين والوجهاء الاجتماعيين؟ وهل يملكون أصلًا صفة التمثيل؟
- هل أبقى نظام البعث والأسدين أي مرجعية علوية ذات وزن يمكنها أن تتحدث باسم الطائفة؟ في الماضي كان شيوخ العشائر وزعماؤها يمثلون بيئاتهم، فهل ما زال لهذا الدور وجود اليوم؟
- وهل لدى العلويين أصلًا سلطة دينية أو كهنوتية، على غرار الكنيسة في المسيحية، تستطيع أن تتحدث باسمهم أو تمنح مثل هذا الاعتذار شرعية معنوية؟
- وهل يُطلب مني شخصيًا أن أعتذر، وأنا الذي عفّش شبيحة الأسد مستودعي ومكتبي في جورة الشياح، وأنا الذي قدمت لثوار حمص كل ما استطعت من دعم مادي ومعنوي، واعتُقلت بسبب نشاطي ومحاولاتي التأثير في الرأي العام داخل محيطي الاجتماعي؟
أخيراً: هناك من يقول بأن الاعتذار ينبغي أن يكون “منظمًا ومدروسًا”. فما الكيفية التي نتصورها لتحقيق ذلك؟ وما الصيغة المنشودة لهذا الاعتذار؟ ومن هي الجهة التي تملك حق تقديمه؟ وما الفوائد العملية التي ترجوها للسوريين من هذه الخطوة، في ظل هذا الواقع المعقد؟
أطرح هذه الأسئلة بحثًا عن فهم أعمق، لا رفضًا لمبدأ الاعتذار، لأن أي فكرة، مهما كانت نبيلة، تحتاج إلى آلية واقعية قابلة للتطبيق، وإلى نتائج واضحة يمكن أن تسهم فعلًا في ترميم النسيج الوطني، لا أن تزيد من تعقيد المشهد.

