الصحافة العالمية

حقيقة ما حدث في سبتة

يبدو الجميع عازمون على استغلال هذه المشاهد العابرة لتغذية خطاب عدائي، متجاهلين تمامًا السياق الكامن وراء الأحداث.

ترجمة من اللغة الألمانية: د. علي حافظ

في يوم الخميس، شقّ 49 ألف شخص طريقهم من المغرب إلى سبتة، وهي أراضٍ خاضعة للسيادة الإسبانية. وقد انتشرت صور هذا الحدث في جميع أنحاء العالم؛ إذ سبح الناس نحو سبتة دون أمتعة أو مؤن، وتبعتهم حشود غفيرة. وفي المقابل، أبدى العنصريون حول العالم ردود فعل تتسم بالتهويل المبالغ فيه. دعونا نستعرض ما حدث والسياق الكامن وراءه في خمس نقاط:

1 – سبتة ليست أوروبا. فهي جيب إسباني يقع في شمال أفريقيا، وتُعدّ من بقايا المراكز التجارية والاستعمار الإسباني. وعليه، لم يصل أحدٌ فعليًا إلى أوروبا، إذ إن الحدث برمّته وقع في القارة الأفريقية. وعلاوة على ذلك، فإن غالبية سكان سبتة من أصول مغربية.

2 – يتحدث اليمينيون والعنصريون في جميع أنحاء العالم عن “غزو”؛ وهي سردية يتم استغلالها بشكل مصطنع لإثارة المخاوف. أما الواقع فهو أكثر تعقلًا ووضوحًا؛ فأي شخص يدخل سبتة – سواء كان ذلك بطريقة قانونية أو غير قانونية – لا يُعتبر قد دخل الاتحاد الأوروبي رسميًا، إذ أنها ليست جزءًا من منطقة “شنغن”. وللانتقال من سبتة إلى البر الرئيسي الإسباني، يحتاج المرء إما إلى جنسية إحدى دول الاتحاد الأوروبي، أو تصريح دخول ساري المفعول (مثل تأشيرة صالحة)، أو إتمام إجراءات اللجوء بنجاح. وقد أعلنت كل من إسبانيا والمغرب، منذ يوم الخميس، أنه ستتم إعادة جميع الوافدين إلى المغرب. وبالفعل، بدأت عمليات الإعادة يوم الجمعة؛ وتشير التقارير إلى أنه تمت إعادة أكثر من 40 ألف شخص حتى الآن.

3 – يحمل التوقيت دلالةً هامة؛ فقد زار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الجزائر – المنافس الإقليمي للمغرب – الأسبوع الماضي، وذلك للمرة الأولى منذ أربع سنوات.

تسعى إسبانيا إلى تحسين علاقاتها مع هذا البلد، وهي خطوة تثير استياء أطراف عدة: ليس فقط الولايات المتحدة التي تسعى لعزل الجزائر، بل أيضًا العاهل المغربي الذي يرى فيها الخصم الرئيس لمصالح بلاده.

تشير مقاطع الفيديو التي تظهر شاحنات صغيرة مكتظة بالأشخاص وهي تتوقف قرب الحدود تحت إشراف الشرطة المغربية، إلى أن الحكومة ربما تكون هي من نقلت هؤلاء المهاجرين إلى الحدود مباشرة. كما تدعم تحقيقات أجرتها صحيفة “نيويورك تايمز” هذه الفرضية؛ إذ أفاد العديد من الأشخاص المعنيين بأن الشرطة المغربية وجهت لهم تعليمات بالتوجه إلى الحدود.

سبق للمغرب أن استخدم مرارًا تدفقات المهاجرين نحو مدينتي سبتة ومليلة كورقة ضغط سياسي ضد إسبانيا؛ ومن الأمثلة على ذلك ما حدث عام 2021. ففي ذلك الوقت، رتبت الحكومة الإسبانية لنقل زعيم “جبهة البوليساريو” – وهي الحركة المطالبة باستقلال الصحراء الغربية – جوًا من منفاه في الجزائر باستخدام اسم مستعار، وذلك لتلقي العلاج من إصابة حادة بفيروس كوفيد-19، دون إبلاغ المغرب بذلك؛ الذي اعتبر هذا التصرف استفزازًا، نظرًا لأنه ينظر إلى “البوليساريو” باعتبارها خصمًا في نزاع الصحراء الغربية، ولأن الجزائر أيضًا تنظر إلى المغرب كعدو لها.

4 – تشهد إسبانيا حاليًا علاقات سيئة للغاية مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك في أعقاب انتقاد الحكومة الإسبانية لعمليات الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، ورفضها المشاركة في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران؛ وهاتان الدولتان تُعدان من أقرب الشركاء السياسيين للعاهل المغربي.

وقد أبدى داني دانون، سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، شماتةً إزاء الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة يوم الجمعة، رابطًا بين هذا الوضع وبين دأب إسبانيا المستمر على “إلقاء المحاضرات على إسرائيل”. وكان يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي، قد دعا منذ عام 2019 إلى “تحرير” سبتة من السيطرة الإسبانية. كما تُظهر الحكومة الأمريكية عداءً صريحًا تجاه إسبانيا؛ إذ قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أوائل شهر يوليو: “لا تتحدثوا إليهم حتى؛ فهم ميؤوس منهم، وهم أناس سيئون”. ومن الواضح أن كلًا من إسرائيل والولايات المتحدة لديهما مصلحة أيضًا في رؤية إسبانيا تواجه صعوبات.

5-  إن مشاعر الناس في سبتة حقيقية وصادقة. حتى وإن كان بعض الأفراد قد أُرسلوا إلى هناك عمدًا في البداية، إلا أن الآلاف حاولوا تجربة حظهم مع مرور الوقت.

لقد كان العدد كبيرًا لدرجة أن قوات الأمن انتشرت في أنحاء شمال المغرب لمنع الشباب واليافعين من مواصلة رحلتهم.

ووفقاً لأرقام الحكومة الإسبانية، وصل 49 ألف شخص إلى سبتة، وهو رقم قياسي. وليس سرًا أن الشباب في المغرب لا يرون مستقبلًا واعدًا لأنفسهم؛ إذ تعاني البلاد من نقص في فرص العمل والآفاق المستقبلية، فضلًا عن ارتفاع التكاليف المعيشية. بالنسبة للكثيرين، كان قرار السباحة بمحاذاة الساحل نحو سبتة دون معدات مناسبة قرارًا اتُخذ غالبًا في لحظة اندفاع عفوية، وقد أودت هذه المحاولة بحياة 43 شخصًا. وتؤكد السلطات الإسبانية أنها استعادت السيطرة على سبتة، رغم ورود تقارير عن وقوع اشتباكات متفرقة. وتشير تقارير إعلامية مغربية إلى أن منظمات إجرامية تثير آمالًا زائفة لدى الشباب وتدفعهم نحو الحدود.

لا تترتب على هذه الأحداث عواقب ملموسة، باستثناء تأجيج مشاعر العداء عالميًا ضد سانشيز وإسبانيا والمهاجرين والمسلمين؛ إذ يُنظر إلى سانشيز وإسبانيا باعتبارهما طرفًا منتقدًا، ونموذجًا مضادًا للحكومات اليمينية المؤيدة لإسرائيل حول العالم، كتلك الموجودة في الولايات المتحدة وإيطاليا وغيرها. وفي المقابل، يمتلئ الفضاء الإلكتروني بسيناريوهات كارثية وصور تثير الذعر وتغذي مشاعر الخوف.

وقد شبّه أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك – وهو يميني صريح ومؤيد للحكومة الأمريكية – الوضعَ بـ “اجتياح الزومبي” (نهاية العالم على يد الموتى الأحياء).

وفي ألمانيا، انبرى سياسيون من حزب “البديل من أجل ألمانيا (AfD) “للحديث بصخب عن “هجوم” أو “إعلان حرب” أو “عمل إرهابي”. كما صوّرت أصوات داخل الحكومة الإسرائيلية – والدوائر المحيطة بها – الموقفَ على أنه عقاب لإسبانيا.

ومن جانبها، أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية جورجيا ميلوني، عن خطط لتعليق العمل باتفاقية “شنغن” مع إسبانيا؛ ورغم ذلك، وكما أُشير سابقًا، فإن مدينة سبتة لا تقع ضمن نطاق منطقة شنغن.

باختصار: يبدو الجميع عازمون على استغلال هذه المشاهد العابرة لتغذية خطاب عدائي، متجاهلين تمامًا السياق الكامن وراء الأحداث.

وهكذا، يتضح تمامًا من هي الجهات التي تخدم هذه الأحداث مصالحها حاليًا، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى