عقائد وأديان

البشر فئتان: بنو إسرائيل والاﺧرون

تُظهر النصوص التوراتية والتلمودية، كما تُظهر الدراسات النفسية الحديثة، أنّ التمييز بين "اليهودي" و"غير اليهودي" ليس مجرد موقف سياسي، بل هو جزء من بنية ثقافية ودينية متجذّرة.

غسان قواص كالِه – العربي القديم

كيف نفسر الاجرام الحقود الذي حول غزة إلى خراب يدفن أشلاء الأطفال وأمهاتهم؟ لماذا قال وزير اسرائيل “نحن نقاتل حيوانات وسنعاملهم كحيوانات”؟ وكيف يمكن تفسير الوحشية التي تُمارس على شعب محاصر منذ عقود؟  من أين يأتي هذا العنف الهائل؟ ليست الإجابة محصورة في السياسة وحدها، بل تمتدّ إلى عمق أبعد: إلى البنية الأخلاقية التي تشكّلت عبر قرون داخل التراث الديني اليهودي، وإلى الطريقة التي تُعاد بها هذه البنية إنتاج نفسها في الوجدان الصهيوني.

تسعى هذه المقالة إلى صياغة مفهوم الأخلاق داخل الجماعة (أو القبيلة) كما يظهر في النصوص التوراتية والتلمودية، وكما حلّله الأكاديمي الأمريكي جون هارتونغ ـ الأخصائي في علم التطور والسلوك البشري ـ في مقاله الشهير “أحبّ جارك: تطوّر الأخلاق داخل الجماعة”. وتبيّن أنّ الأخلاق التي تُقدَّم اليوم بوصفها “يهودية مسيحية” عالمية، ليست في أصلها كذلك، بل هي منظومة موجّهة حصرياً إلى جماعة محدّدة: قبيلة شعب يَهوِه المختار. بينما يُستثنى منها الآخرون الذين يُنظر إليهم بوصفهم “غوييم”؛ أي غرباء لا حقوق لهم.

تعالج المقالةُ اليهوديةَ كدين. وخلافاً لما تروجه الدعاية الصهيونية، فإن اليهودية ليست مجموعة عرقية. أثبت المؤرخ الاسرائيلي شلومو ساند أن شعوباً كثيرة اعتنقت هذه الديانة وأن ما يدعى “الشعب اليهودي” وهمٌ  تمّ اختراعه.

أخلاق موجّهة إلى الداخل: معنى “الجار” في النص التوراتي

يحتلّ الأمر التوراتي “أحبّ جارك كنفسك” مكانة مركزية في الخطاب الأخلاقي الحديث، ويُستشهد به بوصفه دعوة إلى المحبة الإنسانية الشاملة. غير أنّ العودة إلى النص الأصلي تكشف معنى مختلفاً تماماً. ففي سفر اللاويين، تُعرَّف كلمة “جار” تعريفاً حصرياً: “المواطن ابن شعبك”. “الجار” ليس الإنسان عموماً، بل اليهودي تحديداً. أما غير اليهود  ـ”الغوييم”ـ  فلا يدخلون في دائرة هذه المحبة الأخلاقية. حتى الوصايا العشر ـ  لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق … ـ  التي تُعدّ في المخيال المعاصر أساس الأخلاق الإنسانية،  تطبّق بحسب الشروح التلمودية، داخل جماعة بني إسرائيل فقط، ولا  تشمل غير اليهود. ومن هذا التحديد اللغوي تتفرّع منظومة كاملة من القوانين الأخلاقية التي تنظّم علاقة الفرد بجماعته، دون أن تمتدّ إلى خارجها. إنها قوانين داخلية لتنظيم الجماعة، لا مبادئ عالمية.

التلمود وموسى بن ميمون: تمييز صارخ بين اليهودي وغير اليهودي

تُظهر النصوص التلمودية بوضوح أنّ حياة غير اليهودي لا تتمتع بالقيمة الأخلاقية نفسها التي تُمنح لليهودي. فقد أصدر الحاخامات حكماً أن الإسرائيلي لا يُسأل عن القتل إلا إذا قتل أخاه الإسرائيلي عمداً. إذا أراد قتل غير إسرائيلي، فقتل إسرائيلياً عن طريق الخطأ، فإنه لا يُعدّ قاتلًا. إذا أراد إسرائيلي قتل وثنيٍ فقتل إسرائيلياً، فهو غير مذنب. هذا الحكم يكشف أنّ حياة “الغوييم” ليست محمية أخلاقياً. ويقدّم موسى بن ميمون  ـأحد أهم فقهاء اليهودية في القرون الوسطى ـ  صياغة أكثر صراحة لهذه الفكرة. فهو يقول: “إذا قتل أجنبي إسرائيلياً، حتى من دون تعمّد، فيجب أن يُقتل. وإذا قتل أحدٌ إسرائيلياً، يُقتل بالسيف… وغنيّ عن القول أنّه لا يُقتل إذا قتل وثنياً”. هذه النصوص ليست مجرد شذرات تاريخية، بل هي جزء من تراث ديني طويل يُعاد تدريسه اليوم في المدارس الصهيونية.

عنصرية “الشعب المختار”

مفهوم شعب الله المختار يناقض مبدأ المساواة بين الشعوب؛ تماماً كالعنصرية النازية. يعتقد ابن ميمون أنّ عبدة الأوثان “لا يُدعون بشراً”، وأنّ الإنسان الحقيقي هو فقط من يعبد الإله الحق. أما غير اليهود، فقد “شوّهوا الصورة الإلهية”، وبالتالي لا يُعتبرون بشراً كاملين. ويرى الحاخام سيميون أن “ثلاثةٌ يتسمون بحدة البأس: إسرائيل بين الأمم، والكلب بين الحيوانات، والديك بين الطيور”.

تُظهر النصوص التوراتية والتلمودية، كما تُظهر الدراسات النفسية الحديثة، أنّ التمييز بين “اليهودي” و”غير اليهودي” ليس مجرد موقف سياسي، بل هو جزء من بنية ثقافية ودينية متجذّرة. ففكرة “الشعب المختار” تُلقَّن للأطفال منذ الصغر، وتُستخدم لتأكيد التفوّق العرقي ـ الديني، مما يجعل العنصرية جزء من الوجدان الجمعي.   

الإبادة كوصيّة دينية: من إسرائيل القديمة إلى الخطاب الصهيوني الحديث

تحتلّ الإبادات الجماعية في النصوص التوراتية مكاناً محورياً في تشكيل الوعي الديني اليهودي القديم. فقد أمر يهوه بني إسرائيل بإبادة الأمم السبع في أرض الميعاد، دون رحمة أو استثناء: “لا تدع كائناً يتنفّس” كما يقول ابن ميمون شارحاً الوصية التوراتية.

هكذا يروي  التوراة مذبحة يشوع في أريحا: “وحرّموا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ  ـ  رِجَالاً وَنِسَاءً، صِغَاراً وَكِبَاراً، وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ  ـ  بِحَدِّ السَّيْفِ… وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ وَكُلَّ مَا فِيهَا بِالنَّارِ؛ أَمَّا الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ وَآنِيَةُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ، فَقَدْ أَوْدَعُوهَا فِي خِزَانَةِ بَيْتِ الرَّبِّ” . لم ينجُ سوى العاهرة راحاب وعائلتها مكافأةً لها على مساعدتها يشوع.

هذه الإبادات لم تكن حدثاً عابراً، بل جزء من العقيدة، تُنفَّذ عبر أجيال، وتُبرَّر بوصفها حماية للجماعة من “رجاسات” الآخرين ومن خطر الاندماج بهم. وفي الخطاب الصهيوني الحديث، تُستعاد هذه النصوص كمبرر ديني لاحتلال المنطقة وطرد سكانها. فالصهيونية، التي تقدّم نفسها كحركة قومية حديثة، تستند في عمقها إلى سردية توراتية تعتبر فلسطين “أرض الميعاد”، وسكانها “غرباء” يجب إزاحتهم.

التربية الدينية وتأثيرها على أخلاق الأطفال الإسرائيليين

بعد ثلاثة آلاف سنة من مذبحة أريحا، أجرى الإسرائيلي جورج تامارين ـ الأخصائي في علم النفس ـ دراسة تهدف إلى قياس تأثير التربية الدينية على أخلاقية مواطنيه، وتغلغل الاعتقاد بفكرة “الشعب المختار” بتفوق ديانته، وتقييم أعمال الإبادة الجماعية التي قام بها أبطال الكتاب المقدس. فعرض النص التوراتي حول مذبحة يشوع على ١٠٦٦ تلميذ في المدارس، تتراوح أعمارهم بين ٨ و١٤ سنة، يمثلون طيفاً واسعاً من الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الإسرائيلية. وطلب منهم الإجابة على السؤال “هل تعتقد أن يشوع وبني إسرائيل تصرفوا بشكل صحيح أم لا ؟” كانت النتائج صادمة، تمّ تصنيفها على النحو التالي.

١الموافقة الجزئية: مثّلتها ٨% من الإجابات.

٢الموافقة الكاملة: مثّلتها ٦٦% من الإجابات وتميزت بوضوحها. على سبيل المثال:

  • في رأيي أن يشوع وبني إسرائيل تصرفوا بشكل جيد وإليكم الأسباب: لقد وعدهم يهوه بهذه الأرض وأذن لهم بالغزو. ولو أنهم لم يتصرفوا بهذه الطريقة ولم يقتلوا أحداً، لكان هناك خطر من أن يندمج بنو إسرائيل بين “الغوييم”.
  • في رأيي أن يشوع كان على حق عندما فعل ذلك، وذلك لأن يهوه أمره بإبادة الشعب حتى لا تتمكن أسباط إسرائيل من الاندماج بينهم   وتعلم سلوكهم السيء.
  • لقد فعل يشوع خيرا لأن الشعب الذي كان يسكن الأرض كان على دين آخر، وعندما قتلهم    يشوع محا دينَهم من الأرض.

٣- الرفض التام: مثّلته ٢٦% من الإجابات. هذا لا يعني أن جميعها يرفض القضاء على أريحا. على سبيل المثال:

  • انتقدت إحدى الفتيات تصرفات يشوع، لأنها أدت إلى الاختلاط بسكان أريحا حيث تعلّم بنو إسرائيل أشياء سيئة كثيرة من “الغوييم”.
  • ردٌ آخر شديد العنصرية جاء من فتاة تبلغ من العمر ١٠ سنوات: “أعتقد    أنه ليس جيدًا، لأن العرب أنجاس وإذا دخل الإنسان أرضًا نجسة فإنه يتنجس أيضاً ويشاركهم لعنتهم.
  • أعتقد أن يشوع لم يتصرف بشكل جيد لأنه كان بإمكانه إنقاذ الحيوانات.
  • أعتقد أن يشوع لم يتصرف بشكل جيد حيث كان ينبغي عليه أن لا يخرب أريحا و أن يضمها لممتلكات بني إسرائيل.

عموماً، يزدري الإناث العنف أكثر من الذكور، لكن لم يكن الأمر كذلك لدى المشاركات في هذه الدراسة. ثم طرح تامارين السؤال التالي: “لنفترض أن الجيش الإسرائيلي احتل قرية عربية في المعركة. هل تعتقد أنه من الجيد أم السيئ أن يتم التعامل مع السكان كما فعل يشوع مع أهل أريحا”؟  هكذا كانت الإجابات:

  • في رأيي أن هذا التصرف كان ضرورياً، فالعرب هم أعداؤنا دائماً. لم يكن لليهود دولة، وكان لا بد من التصرف معهم بهذا الشكل.
  • كان من الجيد أن نعامل العرب كما فعل يشوع وجنوده. إنهم يكرهوننا ويسعوا دائماً إلى الانتقام. وإذا تمت إبادتهم كما فعل يشوع، فلن يتمكنوا من إظهار أنفسهم كأبطال أعظم منا.
  • أعتقد أنه من الجيد أن يتم التعامل مع السكان كما فعل يشوع، لأننا نريد هزيمة أعداءنا،           وتوسيع حدودنا، وسنقتل العرب كما فعل يشوع وبنو إسرائيل.

تكشف هذه الدراسة أنّ الأخلاق الدينية القديمة ليست مجرد تراث، بل تُعاد إنتاجها في المدارس، وتُغرس في وعي الأطفال بوصفها جزءًا من الهوية القومية. أجرى تامارين دراسته في عام ١٩٦٦، أي في حقبة كان فيها اليمين الصهيوني المتطرف خارج الحكم. وقبل كارثة حرب ١٩٦٧ التي خلقت عجرفة اسرائيل وأنصارها. وقبل التطبيع الذي دشّنته اتفاقية أوسلو. ماذا ستكون نتائج دراسة مماثلة تُجرى الآن؟

من النص إلى الواقع: غزة نموذجاً

حين يتجسد يشوع في نتانياهو المدجج بالسلاح الأمريكي، وتُلصق تهمة النازية بأطفال غزة، وتُبرَّر المجازر بوصفها حرباً مقدّسة، فإنّ هذه اللغة لا تأتي من فراغ. إنها امتداد مباشر للتراث الديني الذي يضع “الغوييم” خارج دائرة الأخلاق، ويعتبرهم خطراً يجب القضاء عليه.

إنّ الاحتلال الصهيوني، الذي يفتقر إلى الشرعية التاريخية والأخلاقية، يجد في هذا التراث الديني سنداً يبرّر العنف، ويحوّل الإبادة إلى فعل مقدّس. وهكذا يصبح الدين محرّضاً على الشر، ويبلغ العنف أوجه حين يُقدَّم بوصفه تنفيذاً لوصية إلهية.

خاتمة

يهدف هذا النص إلى تتبّع الجذور النصّية والتاريخية للعنف الصهيوني الراهن. فالمنظومة الأخلاقية  التي تُقدَّم اليوم بوصفها “يهودية مسيحية” عالمية، هي في حقيقتها أخلاق انغلاقية تخص جماعة بعينها، تقوم على تقسيم ثنائي للبشرية إلى “بني إسرائيل” و”الغوييم”.

وقد تحوّلت هذه البنية الثقافية الراسخة، التي تبنّتها الصهيونية وأعادت إنتاجها، إلى أداة سياسية لتبرير الاحتلال وممارسة الإبادة. ومن هنا، فإن العنف المُمارس اليوم لا يمكن فهمه كقرار سياسي ظرفي فحسب، بل كامتداد لهذا الموروث.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى