صباح الخير يا سورية

شادية الأتاسي- العربي القديم
في منتصف شهر تموز الحار، كان لقائي الأول مع دمشق، بعد غياب تسع سنوات نزهة ليلية مع رفيقي الشاب، ابن أخي .
كان لقاءً مؤثراً، لكنه متوترٌ. أربكني ذلك وأخافني … كانت دمشق تمتد أمامي، مدينة تضج بالتحدي، وكثير من التناقضات.
ربما يتوجب علي أن لا أستنكر، ولا أتجاوز الخطوط الحمر، ربما يتحتم علينا نحن السوريين أن نتذكر كما علمونا، أن الحروب مهلكة للزرع والضرع، ولابد من تقديم القرابين ودفع الثمن، للاستمرار في العيش، لكن أيّ استمرار! وأي عيش هذا !
تعيش دمشق هموم نهاراتها، الصاخبة بالزحام والفوضى والحر، الضاجة بالسيارات القديمة المتهالكة التي عفا عليها الزمن، تتجاوزها باستعلاء سيارات حديثة تسابق الريح، لم نكن نسمع باسمها / التاهو/، تدفقت على البلد مع موجة انفتاح قانون الاستيراد، دون أن يُحسب حسابٌ لفقر الطرق والشوارع وحاجتها إلى مزيد من الأنفاق والجسور لتسهيل حركة السير، والموتورات الشرسة تسابق البشر، وما بينها سيل من الناس، يسير هائماً بين الزحام، الشرطي يقف جانباً متثائباً، يبدو غريباً عن المكان وكأن الأمر لا يعنيّه. يصدمك أحدهم قاصداً وربما عفوياً، ولكنه يتابع سيره غير عابئٍ ولو باعتذار بسيط .
قلت للشرطي الذي طلبت منه أن يساعدني لعبور الطريق مستنكرةً انطفاء الإشارة الضوئية: شو ها الفوضى؟
هزّ رأسه محتاراً، لم يجب، كان متعباً، متعباً كثيرا
مطاعم كبيرة وصغيرة في كل مكان، عربية وفرنسية وإيطالية ومن كل المطابخ، أسعار كاوية، قد تتوقف قليلاً لتجد لك مكاناً فيها، لكنها لا تعبأ بك، فهي مزدحمة دائماً.
تنسل دمشق لتعيش تناقضها الليلي الآخر !
في ساحة الأمويين، قلب المدينة، بهرتنا الأضواء والألوان ورذاذ النوافير، وذلك المنصف الدائري العشبي المزروع بألوان فاتنة من الزهور و الورود، وفي حين انتصب أمامنا السيف الدمشقي مزهواً، والناس تتسارع لأخذ الصور التذكارية معه، استلقى البعض في الجانب الآخر من الساحة، على العشب الطري، متحدين الأوامر العليا هرباً من فقرهم وخنقة بيوتهم، يتثاءبون مع دخان نرجليتهم، أحلاماً كبيرة، ويعمرون قصوراً في الهواء، فلا شيء حقيقي يبنى على معقولية ممكنة اليوم .أقوال كثيرة تنتظر ترجمتها إلى أفعال، والمقولة السائدة تقول: اصبروا، نحتاج مزيداً من الوقت
أخافني صوت الرصاص الذي كان يلعلع في الليل من هنا وهناك، وأضواء الألعاب النارية الليلية، تضيء سماء المدينة وتمنع النوم عن العيون؟ انتبهت أن لا أحد يعلق أو يكترث له ، كأنه أمرٌ عاديٌ، جزءٌ من الليل! طمأني رفيقي بضجر: لا تخافي، الناس تريد أن تفرح!
هل هو فرح ساذج !
قلت لرفيقي، دمشق بحاجة إلى قانون صارم يضبط هذه الفوضى. هل هذا أمرٌ صعبٌ؟ هز رأسه موافقاً، لكنه أكدّ: صعبُ الآن! ولم يشرح لماذا هو صعبٌ الآن!
نشدت شيئاً من الهدوء، حين دخلنا دمشق القديمة، وكم أوجعني الشوق إليها …
كان علينا أن نترك السيارة ونمشي
رغم ضيق الأزقة، واقتراب الجدران من بعضها، كان الليل هناك. بكل ما حمله من سيارات وصخب وفوضى وأضواء ووجوه، لم تسمح لأقدامنا حتى أن تطأ أرض الشارع، بل تركنا الطريق لسطوة طابور السيارات المقتحم، التي يتجاوز طولها وعرضها أرض الشارع كله، ولذنا بالجدران للنجاة بأنفسنا.
جلسنا في أحد المقاهي …
لم أكن أريد شيئاً بعينه. ربما قهوة، وربما مجرد مكان أجلس فيه وأراقب، وفكرت بدهشة: تبدو الحياة عادية هنا، والناس تعيش حياتها ببساطة! حتى أن رفيقي كان ينظر إلى تعليقاتي ببعض الدهشة وشيء من اللامبالاة.
هل كان الأمر فعلاً كذلك !
أم أن طبيعتي المتوترة قد أخطأت
حساباتها، وأن عليّ أن أهدأ لأترك لنفسي أن تلتقط الإشارات الصحيحة، وأن هذه الفوضى والصخب الظاهري، تخبئان ألماً ثقيلاً ثابتاً، له عمقه وتاريخه وألمه وأسراره، حمله السوري على كاهله، طيلة خمسة عقود من الزمن؛
ربما لهذا كان اللقاء مرتبكاً بين ما أردت وبين ما رأيت …
خرجنا من المقهى، كان الليل قد تقدم قليلاً.
كانت رائحة الياسمين تأتي من مكان ما. لا أعرف من أين. لكنها كانت بالتأكيد موجودة، وكان قاسيون يطل علينا، هادئاً، شامخاً، يراقب المدينة من فوق، كأنه الوحيد الذي لم يتغير.
وفجأة، شعرت أنني لم أكن أبحث عن دمشق التي غبت عنها. كنت أبحث عن نفسي فيها.
كل هذا الليل، بكل ما حمله من سيارات وصخب وفوضى وأضواء ووجوه، لم يكن سوى طريق طويل إلى سؤال واحد: أين أنا من كل ذلك؟
وفي حين كانت دمشق تطفئ ليلها.
رأيتها فجأة مدينة حيّةً، مصرةً أن تعيش. كان هذا أجمل ما في الأمر. تخطئ. تتناقض. تتعب. ثم تنهض في اليوم التالي وكأن شيئاً لم يكن.
كان هذا هو الرد الإيجابي، القوي، لكل ما خالجني من توتر وقلق وخوف
ربما لهذا طالما أحببتها، ومازلت أحبّها أكثر …
أتساءل أخيراً …
هل كان من ضمن قواعد العشق الأربعون، قاعدة تقول: إن هناك شيئاً عميقاً لصيقاً بك، غير قابل للانزياح؟ حتى لو حاولت وأردت، هذا الشيء لم تختره بإرادتك، هو ولد معك، شيء حنون وصاف وعذب، كضوء القلب، كنور العين، اسمه حنيّة البيت الأول.
وحين همست في سري: صباح الخير يا سورية.
كان الفجر قد بدأ.

