سوريا الجديدة ليست تهديداً لمصر… فكيف نستفيد من التحول السوري
السؤال للنظام المصري ليس: كيف نمنع سوريا من النجاح؟ بل: كيف نستثمر في نجاح سوريا بحيث يصبح جزءاً من نجاح مصر؟

د. زياد الغزالي – العربي القديم
لم تعد علاقة النظام المصري مع سوريا الجديدة تُقرأ فقط من زاوية الخلافات السياسية أو الموقف من تركيا والإسلاميين، أو عداء النظام المصري للربيع العربي ومخرجاته، أو محاولة تصدير أزمات مصر الداخلية وأشغال الشارع المصري عن مسائل المياه والديون باختراع أزمات إعلامية ومناكفات لا جدوى منها. ثمة متغير آخر أكثر أهمية، ألا وهو الجغرافيا الاقتصادية الجديدة التي بدأت بالتشكل في المنطقة، واحتمال أن تعيد مشاريع الطاقة والسكك الحديدية والطرق البرية رسم جزء من حركة التجارة بين الخليج والعراق وبلاد الشام وتركيا وأوروبا. وهنا تبرز قناة السويس بوصفها أحد أهم الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد المصري. فكل تحول في مسارات نقل النفط والغاز والبضائع يمكن أن يؤثر على الإيرادات السنوية للقناة. هذا لا يعني بالضرورة إلغاء دور القناة، لكنه يمكن أن يخلق، إذا أصبح واسع النطاق ومستداماً، منافسة على جزء من التدفقات التي تمر عبرها.
تتمتع قناة السويس بميزة جغرافية استثنائية، فهي أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا لكثير من خطوط التجارة. ولذلك فإن أي طريق بديل يحتاج إلى أن يقدم مزيجاً من الكلفة والسرعة والأمان والاستقرار السياسي حتى يصبح منافساً حقيقياً. فالدول الكبرى وشركات الطاقة تبحث باستمرار عن تنويع مسارات الإمداد وتقليل مخاطر الاختناقات الجغرافية. وقد أظهرت الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب، أهمية وجود طرق بديلة. وفي هذا السياق تكتسب سوريا أهمية استثنائية، لأنها تقع عند نقطة التقاء العراق وتركيا وشرق المتوسط، ويمكن أن تتحول مستقبلاً إلى جزء من شبكة إقليمية متعددة الوسائط تجمع بين خطوط الأنابيب والطرق البرية والسكك الحديدية والموانئ.
أحد أهم المؤشرات على التحول المحتمل هو مشروع خط أنابيب النفط بين العراق وسوريا، ومشاريع أخرى من السعودية والخليج العربي، والربط السككي مع السعودية ودول الخليج وتركيا. فإذا نجحت هذه المشاريع بربط العراق ودول الخليج بموانئ البحر المتوسط عبر سوريا، وتقليل الاعتماد على المسارات البحرية التي تمر بمضائق وممرات استراتيجية شديدة الحساسية. فهذا سوف يؤثر سلباً على ايرادات قناة السويس.
لكن نجاح هذه المشاريع لا يعني أن قناة السويس ستفقد أهميتها. تؤكد الأرقام الرسمية أن القناة ما تزال مركزاً ضخماً للتجارة العالمية. فقد عبرتها 12758 سفينة خلال عام 2025 وتشير بيانات تقديرية الى أن عدد السفن التي عبرت قناة السويس قادمة من والى الخليج العربي نحو 2500 سفينة وهو ما يمثل 20% من عدد السفن العابرة للقناة.
الممرات المحتملة عبر سوريا يمكن أن تخلق شبكة جديدة من المصالح تشمل العراق وسوريا وتركيا ولبنان وموانئ شرق المتوسط، ويمكن أن ترتبط مستقبلاً بشبكات السكك الحديدية والطرق البرية ومراكز التخزين والخدمات اللوجستية. وبالتالي، فإن نجاح سوريا في إعادة بناء بنيتها التحتية لا يمثل مجرد قضية سورية داخلية، وإنما يمكن أن يصبح جزءاً من إعادة تشكيل اقتصاد المشرق العربي. وهذا يفرض على مصر قراءة المسألة من منظور مختلف: بدلاً من النظر إلى سوريا الناجحة باعتبارها خسارة محتملة، يمكن النظر إليها باعتبارها سوقاً وشريكاً ومجالاً للاستثمار المصري.
والبديل الاقتصادي الأكثر عقلانية ليس مواجهة الممرات الجديدة ومحاربة قيامها، وإنما المشاركة فيها. فسوريا تحتاج إلى إعادة بناء واسعة في الطاقة والكهرباء والنقل والإسكان والصناعة والخدمات المالية والتأمين والمصارف والخدمات اللوجستية. ومصر تمتلك قاعدة كبيرة من الشركات والخبرات البشرية في قطاعات المقاولات والهندسة والطاقة والاتصالات والصناعات الغذائية والدوائية والخدمات. لذلك يمكن أن تكون الشركات المصرية جزءاً من إعادة الإعمار السورية، لا معادية لنجاحها. وإذا تحولت سوريا إلى عقدة تجارية تربط الخليج بالعراق وتركيا والبحر المتوسط، فإن الشركات المصرية تستطيع أن تستفيد من هذا التحول بعيداً عن المناكفات السياسية والترندات.
من الخطأ اختزال مستقبل العلاقات السورية ـ المصرية في المواقف السياسية الحالية للنظام المصري. فالشعبان السوري والمصري يمتلكان تاريخاً أعمق من الخلافات السياسية العابرة. والتداخل الثقافي والبشري والاقتصادي بين البلدين يمكن أن يكون أساساً لشراكة جديدة إذا جرى التعامل معه بمنطق المصالح المتبادلة. كما أن استقرار سوريا ليس بالضرورة خسارة للاقتصاد المصري. فكلما استقرت سوريا، توسعت التجارة والاستثمار والسياحة والنقل والطاقة، وظهرت فرص أمام الشركات المصرية والعربية.
مصر أمام خيار اقتصادي واضح: الدفاع عن الممرات التقليدية وحدها، أو المشاركة في بناء منظومة الممرات الجديدة. فقناة السويس ستبقى ذات أهمية عالمية ما دامت التجارة بين آسيا وأوروبا تحتاج إلى هذا الطريق، وهيئة القناة نفسها تعمل على استعادة خطوط ملاحية كبرى، وقد أعلنت في 2026 عن عودة عدد متزايد من خدمات شركات الشحن الكبرى إلى القناة. لكن الحفاظ على مكانة القناة لا ينبغي أن يتحول إلى التعامل مع كل مشروع إقليمي بديل بوصفه تهديداً.
في النهاية، سوريا الجديدة قد تصبح خلال السنوات المقبلة إحدى أهم حلقات الربط الاقتصادي بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط. ومشاريع الطاقة والسكك الحديدية والموانئ والطرق قد لا تؤثر كثيراً على قناة السويس، لكنها قد تعني انتقال المنطقة من نموذج يعتمد على ممر واحد إلى نموذج متعدد الممرات. وهنا يصبح السؤال للنظام المصري ليس: كيف نمنع سوريا من النجاح؟. بل: كيف نستثمر في نجاح سوريا بحيث يصبح جزءاً من نجاح مصر؟. فالاقتصاد يعرف المصالح، ورجال الأعمال المصريون يمكن أن يكونوا جسراً عملياً بين البلدين. أما الشعبان السوري والمصري، فهما أكبر من أن تُختصر علاقتهما في خلاف سياسي أو منافسة إقليمية.
كل الحب للشعب المصري، وكل الأمل بأن تتحول الجغرافيا الجديدة للمنطقة من مصدر للصراع إلى فرصة للتكامل الاقتصادي.

