المظلومية… حين تتحول إلى هوية
العدالة لا تُبنى على توزيع الذنب بين الطوائف، بل على تحديد المسؤولية بين الأفراد والمؤسسات.

د. زياد الغزالي- العربي القديم
المظلومية هي اعتراف بأن ظلماً وقع، وأن إنساناً أو جماعة تعرضت للأذى، وأن من حقها أن تطالب بالإنصاف. لكن الخطر يبدأ حين تتحول المظلومية من ذاكرة للظلم إلى هوية كاملة، ومن مطالبة بالعدالة إلى تعريف للذات، ومن تجربة تاريخية إلى عدسة لا ترى العالم إلا من خلالها. عندها لا يعود السؤال: كيف نمنع تكرار الظلم؟ بل يصبح: كيف نحافظ على صورة المظلوم فينا؟ وكيف نعيد إنتاجها في كل خلاف، حتى لو تغيّرت الظروف، وتبدّلت الأدوار، وأصبح بعض أبناء الجماعة في موقع السلطة أو القوة؟. المظلومية حين تتحول إلى هوية لا تعود بحاجة إلى جريمة جديدة كي تستمر. يكفي أن تبقى الذاكرة مشتعلة، وأن يُعاد تفسير الحاضر بوصفه امتداداً دائماً للماضي.
في البداية، تقول المظلومية: لقد ظلمنا ونريد حقنا. لكنها حين تتحول الى هوية قد تقول شيئاً آخر. لأننا ظُلمنا، فنحن أصدق من غيرنا، وأقل حاجة إلى النقد، وأكثر استحقاقاً للتعاطف، وأحق بالحكم. وهنا ينتقل الخطاب من المطالبة بالعدالة إلى إنتاج امتياز أخلاقي. يصبح تاريخ الألم مصدراً للشرعية السياسية، وتتحول الضحية إلى جماعة لا يُسمح لأحد بمساءلتها، لأن أي نقد لها يُفسَّر بوصفه استمرارا” للاضطهاد. وهذا من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب الوعي الجمعي، أن يصبح الإنسان أسيرا” لدوره التاريخي، وغير قادر على تجاوزه. فالضحية ليست معصومة من الخطأ، والمظلوم ليس بالضرورة عادلا” في كل ما يفعل، والجماعة التي تعرضت للاضطهاد لا تصبح، بمجرد تعرضها له، أقدر على ممارسة السلطة أو أقل قابلية للاستبداد. الظلم يفسّر الألم، لكنه لا يمنح صاحبه تفويضا” أخلاقيا” مفتوحا”.
المجتمع الذي يحوّل المظلومية إلى هوية قد يجد نفسه يعيش في الماضي أكثر مما يعيش في الحاضر. كل حدث جديد يُقرأ باعتباره تكرارا” لجريمة قديمة، وكل اختلاف يُفهم بوصفه مؤامرة، وكل مطالبة بالمساواة تُفسَّر على أنها محاولة لانتزاع حق تاريخي. في هذه الحالة، لا تعود الذاكرة وسيلة لفهم الواقع، بل تصبح وسيلة لإغلاقه. يُقال للفرد: نحن نعرف من أنتم، ونعرف ماذا فعلتم بنا، ونعرف ماذا ستفعلون بنا غدا”. ولذلك لا حاجة إلى دراسة الوقائع الجديدة، ولا إلى التمييز بين الأشخاص، ولا إلى محاسبة كل إنسان على أفعاله. يكفي أن ينتمي إلى الجماعة التي صُنّفت تاريخيا” في موقع الخصم. وهكذا يتحول التاريخ من سؤال عن المسؤولية إلى حكم مسبق على الهوية. وتشير دراسات الذاكرة السياسية إلى أن السرديات الجماعية قد تنتقي ما يخدم صورة الجماعة عن نفسها، فتتذكر أذىً وقع عليها وتُهمّش أذىً وقع منها على الآخرين. عندها تصبح المظلومية قابلة للتوظيف السياسي، لا مجرد وصف لتجربة إنسانية.
في المجتمعات المنقسمة طائفيا”، يمكن للمظلومية أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الطائفية نفسها. تبدأ الحكاية من واقعة حقيقية: مجزرة، تهجير، تمييز، اعتقال، أو حرمان من الحقوق. ثم تُختزل الواقعة في سردية جماعية تقول إن طائفة بأكملها كانت دائماً ضحية، وإن طائفة أخرى كانت دائماً الجلاد. لكن التاريخ أكثر تعقيداً من هذه الثنائية. ففي كل جماعة ضحايا وجلادون، ومقاومون ومستفيدون، ومهمّشون ومتنفّذون. وحين تُمحى هذه الفروق، يصبح الفرد مسؤولاً عن تاريخ لم يصنعه، ويُمنح آخرون حصانة عن أفعال ارتكبوها لأنهم ينتمون إلى الجماعة التي نُسب إليها دور الضحية. العدالة لا تُبنى على توزيع الذنب بين الطوائف، بل على تحديد المسؤولية بين الأفراد والمؤسسات.
في سوريا، لا يمكن إنكار أن جماعات واسعة عاشت عقوداٍ من القمع والتمييز والقتل والتهجير، وأن ذاكرة هذه الجرائم جزء أساسي من فهم ما حدث. لكن الانتقال إلى دولة جديدة يضع الجميع أمام سؤال مختلف: هل نريد دولة تنهي المظلومية، أم دولة تعيد توزيعها؟. إذا أصبحت كل جماعة ترى نفسها صاحبة الحق التاريخي المطلق، فلن تكون الدولة سوى ساحة لتصفية الحسابات. وإذا اعتقدت جماعة أن ألمها يمنحها حق السيطرة الدائمة، فإنها ستعيد إنتاج المنطق الذي ثارت عليه، ولو تحت شعارات جديدة.
سوريا الجديدة لا تحتاج إلى إنكار مظلومياتها، بل إلى تحويلها من هويات متصارعة إلى ملفات عدالة. لا تحتاج إلى محو الذاكرة، بل إلى تحريرها من التوظيف السياسي. ولا تحتاج إلى مساواة الضحية بالجلاد، بل إلى بناء نظام يضمن ألا يتحول أي مظلوم، حين يمتلك القوة، إلى جلاد جديد. فالمطلوب ليس أن ننسى ما حدث، بل أن نمنع الماضي من أن يصبح دستورا” دائما” للحاضر. ثمة فرق جوهري بين أن تطالب بالعدالة لأنك ترفض الظلم، وأن تطالب بها لأنك تريد أن تنتقم من جماعة كاملة. حاسبوا من ارتكب الجريمة تقول العدالة. أما حين تتحول المظلومية إلى هوية فقد تقول حاسبوا الجماعة التي ارتكب بعض أفرادها الجريمة. الأولى تؤسس للدولة، والثانية تؤسس لحرب لا تنتهي. ولهذا فإن العدالة الانتقالية، في أي مجتمع خرج من صراع طويل، لا ينبغي أن تكون مجرد اعتراف بالضحايا، بل أيضا” تفكيكا” للمنطق الذي يجعل الضحية والجلاد هويتين أبديتين. فالضحية تحتاج إلى إنصاف، لكنها تحتاج كذلك إلى التحرر من أن تصبح حياتها كلها محكومة بما فعله الجلاد. في النهاية، الخروج من المظلومية لا يعني التخلي عن الحق، ولا التسامح مع الجريمة، ولا مساواة المظلوم بالظالم. بل يعني أن يصبح الإنسان قادراً على القول: لقد ظُلمنا، لكننا لسنا مجرد مظلومين. لنا تاريخنا، لكننا لسنا أسرى له، ونريد دولة تحمينا جميعاً، لا دولة تعاقب الآخرين نيابةً عنا. فالمجتمع الحر لا يُقاس فقط بقدرته على تذكّر ما تعرض له، بل بقدرته على ألا يحوّل ذاكرته إلى ترخيص لظلم جديد. والمشكلة ليست في أن تكون مظلوماً. المشكلة أن تصبح المظلومية تعريفك الوحيد لنفسك، حتى تفقد القدرة على رؤية الإنسان خارج موقعه في رواية الألم. وحين تتحول المظلومية إلى هوية، يصبح الماضي سجناً، ويصبح الآخر متهماً قبل أن يتكلم، وتصبح العدالة أقل أهمية من استمرار الحكاية. أما حين تتحول المظلومية إلى وعي بالحق، فإنها تصبح بدايةً لبناء دولة لا يحتاج فيها أحد إلى أن يكون مظلوماً كي يكون مواطناً

