حديث السوريين أو حوار المحافظات في سوريا
يمكن أن تصبح (حديث السوريين) ظاهرة تستحق ليس باعتبارها نشاطاً حوارياً فحسب، وإنما باعتبارها محاولة لاستعادة المجال العام السوري من جديد

اسماعيل القصير- العربي القديم
تشهد الساحة السورية منذ التحرير وحتى الآن، عددا من النشاطات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وتشكيل كثير من التجمعات والمنتديات والجمعيات والمؤسسات، وهذا يشير الى عطش السوريين للحوار والنقاش، غير الرسمي، والذي حرموا منه لعقود عديدة. هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى، يطمحون للمساهمة في بناء الدولة السورية الجديدة التي ينشدون..
غير أن ما يلفت النظر من بين كل تلك النشاطات هو ما يسمى (حديث السوريين) الذي بدأ يزحف على الساحة السورية، زحف تمساح جائع، ان جاز التعبير . وإذا كانت هذه الظاهرة قد بدأت محلياً في ادلب، قبل التحرير، بقليل ثم انتقلت بين المحافظات، واستمرت عاماً كاملاً، قبل أن تتحول إلى موعد شهري متنقل بين المدن السورية، فهذا يعني أننا أمام ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية تستحق التوقف عندها.
حين يستعيد المجتمع حقه في الكلام
بعد سنوات طويلة كان فيها السوري إما صامتاً، أو يتحدث من خلف المتراس، أو يتحدث باسم جماعته وخوفه وهويته الفرعية، بدأت تظهر ظاهرة مختلفة: السوريون يجتمعون لكي يتحدثوا معاً، لا لكي يتحدث أحدهم عنهم.
بدأت من إدلب، ثم أخذت أسماء متعددة بحسب المدن: حديث حديث البحر في اللاذقية، حديث الثلاثاء في سلمية، حديث الأربعاء في حمص… وغيرها. اختلاف الأسماء لم يلغِ وحدة الفكرة: مكان يلتقي فيه السوريون، ويضعون موضوعاً للنقاش، ويستمع بعضهم إلى بعض.
والأهم أن التجربة لم تتوقف عند حدود المدينة.
بعد عام، كما أسلفنا، بدأت تنتقل من حديث محلي إلى حوار سوري عابر للمحافظات؛ من دير مار موسى في النبك، إلى إدلب، ومصياف، وحمص، و الغوطة، وربما حلب في اللقاء السادس. وهنا تبدأ دلالة أعمق:
لم تعد المسألة أن يتحدث أهل كل مدينة عن مدينتهم، بل أن تلتقي المدن السورية ببعضها.
وهذا بحد ذاته فعل مهم في بلد أنهكته الحرب والانقسامات والتصنيفات.
لماذا هذه الظاهرة مهمة؟
لأنها تبني شيئاً لا يمكن أن يصنعه القانون أو السياسة وحدهما: ثقافة الحوار.
أن يجلس السوري مع سوري آخر يختلف معه في الرأي أو البيئة أو التجربة، وأن يسمعه قبل أن يحكم عليه، هو بداية استعادة الثقة.
والحوار هنا ليس ترفاً ثقافياً. إنه يمكن أن يصبح بنية تحتية للسلم الأهلي.
فالمجتمع الذي لا يتحدث، تتحدث عنه الشائعات والذاكرة المجروحة والخوف.
أما المجتمع الذي يتعلم كيف يتحدث، وكيف يختلف، وكيف يستمع، فهو يبدأ باستعادة قدرته على إدارة خلافاته سلمياً.
والأجمل في التجربة أنها ليست «مؤتمراً» بالمعنى التقليدي
ربما تكمن قوتها تحديداً في أنها لم تبدأ بقرار رسمي، ولم تنتظر مؤسسة سياسية كي تدعو إليها، ولم تقل: نحن نمثل السوريين.
إنها تقول شيئاً أكثر تواضعاً وأهمية:
نحن سوريون، نريد أن نتحدث.
ومن هنا ينبغي الحذر من تحويلها إلى مؤسسة مغلقة أو إطار نخبوي أو منصة سياسية جديدة. قوتها في عفويتها، وفي تعدد المشاركين، وفي قدرتها على الوصول إلى الناس، وفي أن تبقى مساحة مفتوحة للاختلاف.
من (حديث السوريين) إلى عقد اجتماعي جديد
إذا استمرت الظاهرة وتوسعت، فقد تصبح أكثر من سلسلة لقاءات.
يمكن أن تكون، على المدى البعيد، مختبراً سورياً صغيراً لإعادة بناء المجال العام:
كيف نختلف دون تخوين؟
كيف نتحدث عن الطائفية دون إعادة إنتاجها؟
كيف ننتقل من (لأكثرية والأقلية) إلى (لمواطن)؟
كيف نتحدث عن العدالة دون انتقام؟
كيف نعيد الثقة بين السوريين؟
كيف نتفق على مستقبل مشترك رغم اختلاف الذاكرة والتجربة؟
وهذه الأسئلة هي في الحقيقة أسئلة سوريا المستقبل.
ولذلك ربما يكون أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه الظاهرة:
(حديث السوريين) ليس مجرد حديث عن سوريا؛ إنه تمرين عملي على أن يصبح السوريون قادرين على الحديث عن سوريا معاً.
وإذا وصل اللقاء السادس إلى حلب، بعد النبك وإدلب ومصياف وحمص والغوطة، فالمشهد يصبح أكثر رمزية: مدن سورية
مختلفة، وذاكرات مختلفة، وأصوات مختلفة، لكنها تجلس حول طاولة واحدة.
وهذا ربما يكون أحد المعاني البسيطة والعميقة لعبارة كنا نبحث عنها كثيراً:
كيف نعيد بناء سوريا؟
قد تكون إحدى الإجابات: نبدأ بإعادة بناء القدرة على الحديث بين السوريين.
وهذه الإضافات، في الحقيقة، تجعل الظاهرة أكثر أهمية وعمقاً مما تبدو عليه للوهلة الأولى؛ لأنكم لا تكتفون بتنظيم لقاءات، بل وضعتم لها قواعد تحمي جوهر الحوار نفسه. وأعتقد أن هذه القواعد تستحق أن تكون جزءاً أساسياً من أي قراءة للظاهرة.
قواعد بسيطة… لكنها تؤسس لثقافة مختلفة
ما يميز «حديث السوريين» ليس فقط اتساعه وانتقاله من مدينة إلى أخرى، وإنما القواعد التي تحكم الحديث.
فاللقاءات المتكررة، التي تعقد مرتين في الشهر، في كل مدينة، تقوم على مبادئ واضحة:
لا مقاطعة: لأن من حق كل شخص أن يكمل فكرته حتى لو اختلفنا معها.
لا رد: لأن الهدف ليس المناظرة أو تسجيل النقاط، وإنما الاستماع والفهم.
لا نشر: حتى لا يتحول الكلام إلى مادة للتداول خارج سياقه.
لا تصوير: لحماية المشاركين وإعطائهم مساحة من الأمان والحرية.
لا تمويل: حتى لا يصبح الحوار مرتبطاً بمصلحة جهة أو ممول أو أجندة.
المكان متغير: فلا يتحول الحديث إلى مقر دائم أو ملكية خاصة لجهة.
الموضوع يختاره المشاركون: من خلال مجموعة الواتساب، ويكون الموضوع الذي يحصل على أكثرية الأصوات هو موضوع اللقاء.
قد تبدو هذه القواعد للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تحمل فلسفة كاملة للحوار العام.
فـ(لا مقاطعة ولا رد) تنقلنا من ثقافة إقناع الآخر إلى ثقافة فهم الآخر.
و(لا نشر ولا تصوير) تعني أن الإنسان يستطيع أن يتحدث دون أن يخشى أن تتحول كلماته بعد دقائق إلى منشور أو مقطع فيديو أو مادة للتجاذب على وسائل التواصل.
أما (لا تمويل) فهي تحاول أن تحافظ على استقلالية الفكرة: الحوار ليس مشروعاً لأحد، ولا ملكاً لأحد.
وتغيير المكان باستمرار يحمل أيضاً رسالة رمزية جميلة:
لا مدينة تحتكر الحديث السوري، ولا منطقة تمثل سوريا وحدها.
ثم تأتي آلية اختيار الموضوع بالتصويت لتضيف بعداً آخر: حتى موضوع الحوار نفسه لا يفرضه شخص أو جهة، وإنما يختاره المشاركون بأغلبية أصواتهم.
وربما هنا تكمن القيمة الأهم
بعد سنوات كان فيها السوريون يسمعون بعضهم من خلال الإعلام والسياسة والسلاح والاصطفافات، تأتي هذه التجربة لتقول:
دعونا نجرب شيئاً أبسط: أن نجلس، وأن يستمع كل منا إلى الآخر حتى النهاية.
لا نحتاج أن نتفق. لا نحتاج أن نرد على بعضنا. لا نحتاج أن ننتصر في النقاش.
يكفي، في هذه المرحلة، أن نسمع بعضنا بعضاً.
وهنا يمكن أن تصبح (حديث السوريين) ظاهرة تستحق ليس باعتبارها نشاطاً حوارياً فحسب، وإنما باعتبارها محاولة لاستعادة المجال العام السوري من جديد.
وربما بعد عام من الآن، لن يكون السؤال: كم لقاء عقدتم؟
بل: هل تغيرت طريقة السوريين في الاختلاف؟ وهل أصبحوا أكثر قدرة على الاستماع إلى بعضهم؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن (حديث السوريين)يكون قد أنجز شيئاً أكبر بكثير من عقد لقاءات.
لقد بدأ بتغيير طريقة الحديث… وربما ينتهي بالمساهمة في تغيير طريقة العيش معاً.
وأعتقد أن أجمل ما فيها أنها لا تدّعي صناعة التوافق بين السوريين، بل تخلق مساحة آمنة للاختلاف بينهم؛ وهذه ربما
تكون الخطوة الأولى نحو مجتمع يتعلم من جديد كيف يعيش اختلافه دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
أتمنى أن يكون لقاء حلب السادس محطة جديدة ومضيئة في هذا المسار. وربما يستحق (حديث السوريين) لاحقاً أن نكتب عنه ورقة فكرية متكاملة توثق التجربة: كيف بدأت، قواعدها، تطورها، دلالاتها، وما الذي يمكن أن تصبح عليه مستقبلاً.
وفي الختام:
نأمل أن يحقق السوريون، حلمهم في بناء دولة حديثة، عادلة، ترعى جميع أبنائها.

