الرأي العام

سليمان الأسد: سقوط النفوذ والحصانة أمام القانون

. سليمان الذي كان يحمل اسماً لفتح كل الأبواب المغلقة في بلد كانت عائلته فوق المحاسبة، يجد نفسه اليوم وحيداً أمام مؤسسة أمنية وقضاء لبناني

بشار عبود – العربي القديم

لم نكن بحاجة إلى أكثر من خبر تناقلته وكالات الأنباء من منطقة البقاع اللبناني، لندرك أن حقبة بأكملها من الزمن بدأت تتهاوى وشبكات راحت تفقد قدرتها على الاستمرار بالشكل الذي عرفناه لعقود. وحده هذا الحدث كان قادراً على قول ما تعجز عن قوله أشدّ الخطب لهجة وأفصح البيانات تصعيداً.

فأن يظهر اسم سليمان هلال الأسد وابن عم الرئيس المخلوع بشار الأسد في قبضة الجيش اللبناني، إلى جانب علي نجل نوح زعيتر بارون المخدرات الأبرز في لبنان، داخل أحد مستودعات التصنيع، فذلك ليس مجرد خبر أمني عابر. إنه مشهد تُختصر فيه سنوات كاملة من النفوذ والحصانة والقفز فوق القانون.

لم يكن سليمان الأسد اسماً عادياً في سوريا. فهو ابن هلال الأسد، أحد أبرز قادة ما كان يُعرف بقوات الدفاع الوطني، والذي قُتل في محافظة اللاذقية عام 2014. لكن غياب الأب لم يُلغي طغيان حضور الابن عن كاهل أبناء الساحل، إذ سرعان ما بدأ نجم سليمان بالصعود، قبل أن يتحول، بعد عام واحد من مقتل والده، إلى عنوان لقضية هزت اللاذقية وريفها، حين أقدم على قتل العقيد في الجيش السوري حسان الشيخ أمام أطفاله، إثر خلاف بينهما على أحقية في المرور.

تلك القضية التي أشعلت غضباً شعبياً واسعاً بين أنصار النظام، أجبرت بشار الأسد أن يُظهر المحاسبة (وإن بشكل صوري)، إدراكاً منه لأهمية الحفاظ على حاضنته الاجتماعية في تلك المرحلة الحساسة من مسار الثورة، ولا سيما داخل الطائفة العلوية التي كانت تُشكّل أحد أهم ركائز قوة النظام البشرية والعسكرية. فصدر عام 2016 حكماً بسجن سليمان مدة 20 عاماً، ليخرج منه بعد نحو أربعة أعوام، في صورة تكشف الفارق بين ما كانت تقرره محاكم النظام وبين الواقع الذي كانت تفرضه عائلة الأسد من نفوذ على جميع مفاصل الدولة السورية.  

ولعلّ هذه القصة وحدها، تختصر المسار الذي امتدّ من سطوته في “سوريا الأسد” إلى خبر اعتقاله في البقاع. سليمان الذي كان يحمل اسماً لفتح كل الأبواب المغلقة في بلد كانت عائلته فوق المحاسبة، يجد نفسه اليوم وحيداً أمام مؤسسة أمنية لبنانية وقضاء لبناني، بلا موكب يحميه، ولا رتبة تمنحه حصانة أو تستطيع إخراجه من غرفة التحقيق. 

والأكثر دلالة في هذه الواقعة، تكمن في أن القبض على الأسد وزعيتر لم يقع في جبهة قتال ضد العدو الصهيوني، ولا على خطوط التماس مع ما تقوم به إسرائيل في قرى الجنوب اللبناني، ولا في واحدة من المواقع التي أوهمونا لعقود بأنها ساحات للمقاومة والممانعة. فقد ظهر الاسمان في سهل البقاع خلال مداهمة مرتبطة بالمخدرات، في مشهد يصعب معه تجاهل المفارقة بين الخطاب الذي رافق هؤلاء لسنوات وبين الواقع الذي هم عليه. فبحسب المصادر الأمنية اللبنانية، تم ضبط كميات هائلة من الأقراص الممنوعة خلال العملية قبل أن يتم اقتياد الموقوفين للتحقيق بإشراف القضاء.

لسنوات طويلة، كان لبنان و”سوريا الأسد” مسرحاً لنموذج يتقدم فيه النفوذ على الدولة. أسماء رنّانة تتحرك بسلاحها وعتادها وعلاقاتها، وشبكات مصالح تعبر الحدود بلا قيود، فيما يبدو القانون عاجزاً أمام منظومة عرفت، بدعم إقليمي، كيف تحمي نفوذها، مرة بالسلاح والتهريب، وأخرى بالسياسة والجريمة. لذلك، فإن أهمية ما جرى في البقاع تتجاوز توقيفات شخصية. إذ تكشف العملية عن بداية تصدّع لمعادلات قديمة، كانت تجعل أصحاب النفوذ مطمئنين إلى أن وراءهم دائماً جهة أقوى تتدخل لحمايتهم، وأن المال والسلاح قادران على إخضاع القانون.

وكان قاسم سليماني أحد أبرز مهندسي النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، يعمل بعيداً عن الأضواء على بناء شبكة واسعة من القوى المحلية الحليفة لطهران، وربطها بمنظومته الأمنية والعسكرية التي تجاوزت حدود الدول. وعبر هذه الروابط، استطاع النفوذ الإيراني أن يتمدد من طهران إلى صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت، مستنداً إلى جماعات مسلحة وتشابكات أمنية ومصالح سياسية واقتصادية شديدة التداخل.

لكن المشكلة لم تكن فقط في قوة التسليح. فإلى جانب النفوذ المرتبط بالسلاح، نشأت اقتصاديات موازية للدول، مستفيدة من تحول الحدود إلى مصادر للتمويل وخدمة شبكات المصالح، التي بدأت تحلّ تدريجياً مكان المؤسسات الحكومية، بعد أن استحوذت على مصادر سلطتها وسطوتها بعيداً عن أي رقابة أو محاسبة.

وفي هذا المناخ، تحولت بعض المناطق اللبنانية إلى ملاذات للخارجين عن القانون، ولا سيما بقايا فلول النظام البائد وشبكاته المالية، حيث تشكلت في سهل البقاع بيئة تداخلت فيها الجغرافيا مع النفوذ والسلاح والتهريب، وبات يصعب فيها الفصل بين المصالح العابرة للحدود وحسابات القوى المحلية.

لذلك، حين دخل الجيش اللبناني إلى هذه المساحات، وقبض على أسماء لها ثقلها السياسي أو العائلي، فهذا يعني أن الدولة اللبنانية بوزنها السيادي هي التي قرّرت وخطّطت ونفّذت. وهذا أبرز ما يستحق التوقف عنده. فالقبض على اثنين بهذا الحجم من القوة والنفوذ، يؤكد أن مرحلة طويلة من الفوضى قد انتهت. ربما لم تنته بشكل كامل، لكن بكل تأكيد فإن رياح التغيير بدأت تعصف بها ويبدو أنها لن تتوقف حتى إسقاطها. فكلما تقدمت الدولة خطوة، تراجعت قدرة تلك الشبكات العابرة للحدود خطوات.

من هذا المنظور، يمكن قراءة توقيف سليمان الأسد وعلي زعيتر باعتباره صورة مصغرة تعكس صراعاً إقليمياً أوسع هدفه إضعاف دول المنطقة والحؤول دون بناء قدراتها على فرض قوانينها فوق أراضيها. فقد دفع السوريون واللبنانيون لعقود، الثمن من أمنهم واقتصادهم واستقرار بلدَيهم، بينما كانت شبكات القوة تتوسع وتعيد إنتاج نفسها تحت عناوين وشعارات مختلفة.

ولذلك، فإن عملية الجيش اللبناني في البقاع، تبعث برسالة واضحة مفادها أن سيادة الدولة فوق كل اعتبار، وأن النفوذ والأسماء المرعبة آخذة في الزوال، وأن مؤسسات الجيش والأمن والقضاء ستطال جميع الرؤوس دون استثناء. وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل من لا يزال يراهن على السلاح المنفلت أو النفوذ المافيوي أو العلاقات العابرة للحدود.

ما سقط في البقاع هو وهم الحماية الدائمة، وأن المنظومة التي بناها قاسم سليماني وموّلها من دماء وجيوب شعوب المنطقة بمن فيهم الشعب الإيراني، تواجه اليوم تصدعاتها الكبيرة. فها هو الغطاء الذي تحركت تحت ظله شبكات النفوذ، آيل للسقوط، ولم يبق في المشهد سوى سليمان الأسد وعلي زعيتر أعزلين أمام قضاء الدولة اللبنانية، بلا دعم أو مساندة. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي لا يكون فيها اسم العائلة أو العشيرة هو الطرف القوي في المعادلة، وأن الكلمة الفصل باتت لقضاء المحكمة الذي ينتظر في الصالة المقابلة لغرفة السجن. فهل من صورة أبلغ من هذه للتعبير عن معنى دولة المُواطَنَة التي ينشدها شعبا البلدين؟

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى