فنون وآداب

حين يصبح الاختلاق «فكراً» والوشاية «سياقاً»: ماذا قال فواز حداد فعلاً؟

قراءة نقدية في ردّ إيمان أبو عساف على مقال الروائي فواز حداد

ياسر الظاهر- العربي القديم

يبدو أن ردّ السيدة إيمان أبو عساف الذي نشرته العربي القديم بتاريخ ١٧/٩/٢٠٢٦ المتأخر أربع سنوات على مقال الروائي فواز حداد «أخلاق لا يُستثنى منها المثقفون» المنشور في العربي الجديد بتاريخ 20 ديسمبر 2022

 قد انطلق من إشكالية أساسية: مناقشة أطروحة لم يطرحها الكاتب، ثم بناء نقد طويل عليها وكأنها موضوع مقالة. وهذا لا يعني أن الأسئلة التي أثارتها أبو عساف حول نسبية الأخلاق، وعلاقة الفكر بالسلوك، وتأثير السياق السياسي والاجتماعي في خيارات المثقف، غير مهمة. هي أسئلة مشروعة، ويمكن أن تكون موضوعاً لمقال مستقل. لكن المشكلة أنها لا تصيب، في جوهرها، ما قاله حداد.

فحداد لم يكتب بحثاً في فلسفة الأخلاق، ولم يقل إن الأخلاق معطى مقدس لا يجوز نقده، ولم يطالب المثقف بأن يكون متطابقاً مع كل ما تفرضه البيئة أو السلطة أو الجماعة. ولم يقل إن كل خروج على الأخلاق السائدة انحراف.

لقد حدد موضوعه منذ البداية بوضوح، حين قال إنه يتحدث عن «الأخلاق المتعارف عليها، تلك التي يدعو إليها المصلحون الأخلاقيون والمتدينون والفلاسفة»، ثم ذكر أمثلة مباشرة: عدم الكذب، والابتعاد عن الأذى والنميمة والدس، والتحلي بالنزاهة والأمانة.

إذن، القضية ببساطة هي: هل تمنح الثقافة صاحبها حصانة من هذه الأخلاق الإنسانية العامة؟

بين مخالفة السائد وإيذاء الآخرين

تستشهد أبو عساف بسقراط وابن رشد لتؤكد أن بعض أعظم التحولات الفكرية في التاريخ قامت على الخروج على السائد.

وهذا صحيح، لكنه لا يدحض كلام حداد؛ لأنه لم يقل إن مخالفة السائد جريمة أخلاقية، ولم يقل إن المثقف يجب أن يكون تابعاً للمجتمع. هناك فرق جوهري بين أن تخالف المجتمع في أفكاره، وبين أن تكذب على إنسان أو تشوه سمعته أو تدس عليه أو تؤذيه.

المثقف حر في أن يرفض الأفكار السائدة، وأن ينتقد السلطة والمجتمع والعادات والتقاليد، بل قد يكون دوره الحقيقي هو مساءلة السائد. لكن حرية التفكير لا تمنحه حق إيذاء الآخرين ولاسيما ممن يحملون صفة مثقف، والوشاية بهم لنظام مستبد مثلا… بسبب الحسد والحقد…لإزاختهم عن طريقهم…

ولهذا فإن استدعاء سقراط وابن رشد لا يبدو في مكانه؛ لأن حداد لم يناقش حرية التفكير، بل ناقش سلوك المثقف تجاه الآخرين.

الفكر يُناقش بالحجة والسلوك يُحاسب أخلاقياً

تطرح أبو عساف تمييزاً مهماً بين الفكر وسلوك صاحبه، وتستشهد بهايدغر وسيلين وإزرا باوند لتقول إن أخطاء المفكر الأخلاقية لا تلغي بالضرورة قيمة إنتاجه. وهذا صحيح أيضاً، لكن حداد لم يقل العكس. لم يقل إن كتاباً أو نظرية تسقط تلقائياً لأن صاحبها ارتكب خطأ أخلاقياً، ولم يدعُ إلى حذف المفكرين من التاريخ.

يمكن ببساطة أن نقول: الفكرة تُناقش بالحجة، والسلوك يُحاسب أخلاقياً. يمكن أن يكون الكاتب صاحب إنتاج أدبي مهم، وفي الوقت نفسه غير نزيه في علاقاته مع زملائه. ويمكن أن نرفض سلوكه دون أن نمحو كتبه.

وهذا لا يناقض كلام حداد، بل يوضح المسألة التي يتحدث عنها.

السياق يفسر الفعل ولا يلغي المسؤولية

تقول أبو عساف إن الاستبداد والخوف والتجويع والإغراء بالمناصب والتدجين قد تدفع المثقف إلى المسايرة، وإن علينا أن نسأل عن الظروف التي أنتجت هذا السلوك.

لا شك أن السياق مهم، لكن الفهم ليس بالضرورة تبريراً. يمكن أن نسأل: لماذا وشى المثقف بزميله؟ وما الظروف التي دفعته إلى ذلك؟ وفي الوقت نفسه نسأل: هل كان فعله مؤذياً؟ وهل كان يمتلك قدراً من الحرية في اتخاذه؟ السياق السياسي قد يخفف المسؤولية في بعض الحالات، لكنه لا يلغيها تلقائياً. كما أن حداد نفسه لم يتجاهل الاستبداد، فهو يتحدث صراحة عن مثقف «يبلغ عنه السلطة في دولة شمولية». لكنه يرفض أن يتحول السياق السياسي إلى ذريعة تبرر كل فعل.

هل حاسب حداد الضحية وأعفى الجلاد؟

تقول أبو عساف إن حداد «يحاكم الضحية على ضعفها، ولا يحاسب الجلاد على جريمته». لكن هذه نتيجة لا يسندها النص. حداد لم يعفِ السلطة من مسؤوليتها، ولم يقل إن المثقف مسؤول عن الاستبداد. إنه يتحدث عن مسؤولية المثقف عن أفعاله تجاه مثقف آخر.

يمكن أن تكون السلطة قمعية، ويمكن أن يكون المثقف واقعاً تحت ضغطها، وفي الوقت نفسه يمكن أن يكون مسؤولاً ــ بقدر ما يملك من حرية ــ عن أفعال اختار القيام بها.

ليس ثمة تناقض بين الأمرين.

المثقف ليس قديساً… لكنه ليس فوق المساءلة

 تقول أبو عساف إن المفكر ليس قديساً، وهذا صحيح. لكن حداد نفسه يقول إن الكاتب أو المثقف «إنسان، قد يخطئ أو يزل». إذن هو لا يطالبه بالكمال، ولا يشترط تطابقاً مطلقاً بين فكره وحياته. ما يرفضه هو أن تتحول الصفة الثقافية إلى حصانة أخلاقية.

فأن تقول للمثقف: لا تكذب، ولا تدس، ولا تنم، ولا تشوه سمعة الآخرين، ولا تؤذهم، ليس معناه أن تطالبه بأن يكون ملاكاً؛ بل أن تطالبه بالحد الأدنى من المسؤولية الإنسانية.

الخلاف الحقيقي

كان يمكن للرد أن يناقش حداد في أسئلة أكثر اتصالاً بمقاله: متى تكون الوشاية وشاية؟ ومتى يكون الإبلاغ واجباً؟ كيف نفرق بين النقد والتشهير؟ وما حدود مسؤولية المثقف تحت الإكراه؟ وهل تختلف مسؤوليته عن مسؤولية الإنسان العادي؟

هذه أسئلة حقيقية ومهمة. أما الانتقال من سؤال الكذب والنميمة والدس والوشاية والأذى والنزاهة والأمانة إلى سؤال «هل الأخلاق مطلقة أم نسبية؟»، ثم إلى سقراط وابن رشد وهايدغر والاستبداد، والقول إن حداد يريد «إلغاء دور المفكر كناقد»، فيبدو أقرب إلى مناقشة مقال آخر غير المقال الذي كتبه.

فواز حداد لم يقل إن الأخلاق لا تُنقد، ولم يقل إن المثقف يجب أن يطيع السائد، ولم يقل إن الفكر يسقط بسقوط صاحبه. قال شيئاً أكثر بساطة: إن المثقف، مهما بلغت مكانته، ليس مستثنى من أبسط قواعد التعامل الأخلاقي مع الآخرين. وهذه ليست محاكمة للفكر، بل مساءلة للسلوك.

وربما تكمن المشكلة الأساسية في الرد في أنه نجح في الدفاع عن قضية مهمة ــ وهي استقلال الفكر عن أخلاق صاحبه ــ لكنه لم يثبت أن فواز حداد كان يهاجم هذه القضية أصلاً.

فقد نختلف مع الكاتب، ونفند حجته، لكن الخطوة الأولى في النقد أن نقرأ ما قاله بدقة، لا أن ننسب إليه ما لم

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى