مافيات التزوير السورية: من الشهادات الجامعية إلى وثائق اللجوء
إن الجريمة الأشد إيلاماً في مسيرة التزوير السورية تخطت السرقات الأكاديمية أو الأدبية لتصل إلى تزوير وثائق المعتقلين والمخفيين قسرياً والمتاجرة بآلام الضحايا

نوار الماغوط – العربي القديم
تُمثل الأمانة العلمية والفكرية حجر الزاوية في بناء الموثوقية الحضارية لأي مجتمع، بيد أنها في المشهد السوري تحولت من خروقات فردية إلى أزمة بنيوية هيكلية تعكس عقوداً من الفساد الإداري والسياسي والأخلاقي الشامل. ولم يعد الأمر مقتصراً على انتحال روائي أو سرقة بحث لترقية أكاديمية عابرة، بل تخطى ذلك إلى تزوير ممنهج للشهادات الجامعية، وسرقة لجهود المستضعفين لشغل مناصب سيادية في مؤسسات الدولة والمعارضة على حد سواء، وصولاً إلى الجريمة الأكبر المتمثلة في المتاجرة بوثائق الضحايا والمغيبين قسرياً لتحقيق مآرب شخصية في بلدان اللجوء.
ويعود مأسسة السطو الفكري في الثقافة السورية إلى فترة عقود حكم نظام البعث، حيث نشأ في القطعات العسكرية وأجهزة الحزب نظام مقايضة، قائم على استغلال حاجة الفرد وضعفه، إذ كان الضباط وقادة الفروع الأمنية ومسؤولو الحزب يستغلون وجود مجندين إلزاميين أو موظفين صغار من حملة الشهادات العليا والخريجين، وتتم المساومة بمقايضة صريحة يُمنح بموجبها العسكري إجازة طويلة أو يُعفى من المشقات الميدانية، مقابل أن يقوم بتأليف كتاب كامل، أو صياغة دراسة استراتيجية، أو إعداد بحث أكاديمي. وبعد إتمام العمل، تُوضع أسماء هؤلاء الضباط والرؤساء على الأغلفة بصفتهم المؤلفين والباحثين العباقرة، لينالوا الترقيات العسكرية والوجاهة الحزبية، بينما يعود المجند الحقيقي إلى قطعته بعد انقضاء إجازته، مدفوعاً فقط بالرغبة في النجاة من جحيم الخدمة، وهي البيئة التي أسست لثقافة عامة ترى في جهد التابع حقاً مستباحاً للمتبوع.
ومع ترهل المؤسسات وتعاظم الفساد، تحولت الجامعات السورية، وعلى رأسها جامعة دمشق، من منارات علمية إلى بؤر للسجالات القضائية بسبب السرقات العلمية والتزوير، حيث غدت شهادات الدكتوراه والماجستير والدرجات الوظيفية سلعة تُباع وتُشترى. ففي أروقة مؤسسات الدولة، يقوم العديد من المسؤولين والنافذين، سواء في الحكومة أو الكيانات المحسوبة على المعارضة لاحقاً، بوضع أسمائهم على بحوث علمية لم يكتبوا منها سطراً واحداً، مستغلين نفوذهم لمنح باحثين شباب فرصاً وظيفية أو وعوداً بالتعيين، أو بمجرد دفع مبالغ مالية لقاء تجريدهم من ملكيتهم الفكرية. وقد اضطرت جامعة دمشق في عدة مناسبات إلى سحب ست شهادات دكتوراه وماجستير دفعة واحدة بعد اكتشاف استيلاء فكري كامل وسرقات موثقة للأطروحات عقب مناقشتها، وإقرار لائحة جزاءات تحيل بموجبها أي عضو هيئة تدريسية تتجاوز نسبة انتحاله عشرين بالمئة إلى مجلس التأديب.
وكشف التعامل مع ملفات الفساد الأكاديمي عن ازدواجية فجة تحكمها الولاءات والحصانات، حيث تنقسم المواقف بين جبهتين: الأولى تضم المستشعرين للحرج أو المقالين، ومن أبرزهم عميد المعهد العالي للبحوث، الذي قدم استقالة علنية مسببة كشف فيها عن ضغوط هائلة لممارسة التزوير عبر تمرير شهادات ودرجات “مرتبة الشرف” لطلاب غير مستحقين بدعم من جهات وصائية، معرياً ملفات فساد وهدر مالي بقيمة ثلاثمائة مليون ليرة سورية، يضاف إليهم أطباء كليتي الطب والصيدلة الذين صدرت بحقهم قرارات بإيقافهم عن التدريس وإحالتهم للتحقيق، إثر شكاوى موثقة بالابتزاز الأكاديمي والمالي.
أما الجبهة الثانية فتضم المحميين بالمنصب والحصانة السياسية، مثل أستاذ كلية الحقوق وعضو مجلس الشعب، الذي واجه قرارات إيقاف عن العمل وإحالة إلى مجلس التأديب بتهم موثقة تتعلق بتقاضي رشاوى من طلاب لتمرير موادهم، ورغم فداحة التهمة إلا أن نفوذه وعضويته في اللجنة الدستورية كغطاء سياسي منحاه حصانة واقعية جعلته مستمراً في عمله التشريعي والتدريسي، وكذلك أستاذ كلية الاقتصاد ومستشار سابق برئاسة الوزراء، الذي خضع لتحقيقات موسعة حول آلية تعيينه غير القانونية ونقله من رئاسة الوزراء بطرق التفافية، ومع ذلك فإن دوره الإعلامي في القنوات الرسمية يحميه من أي إقصاء فعلي عن كرسيه الجامعي.
ومع اندلاع حركة اللجوء بعد الثورة السورية، تمددت مافيات التزوير السورية إلى خارج الحدود، فتحولت مصدقات التخرج والجوازات إلى بضائع تُباع عبر منصات التواصل الاجتماعي وشبكات السماسرة في دول الجوار. ووفقاً لبيانات وتقارير مكتب اللجوء الفيدرالي الألماني، تبين بعد إخضاع آلاف الوثائق للفحص الجنائي الرقمي والتدقيق المخبري، أن عدد الشهادات والوثائق المزورة والمشكوك بصحتها المقدمة من طالبي اللجوء السوريين سجلت أعلى نسبة مقارنة بأي جنسية أخرى في العالم، وهو الارتفاع المخيف الذي أساء بشكل مباشر وعميق لآلاف الخريجين الحقيقيين، حيث باتت شهاداتهم تخضع لآليات تحقق معقدة ومطولة في الدوائر الأوروبية.
ولم يسلم الجسد الإبداعي من هذه الآفة، إذ تحول الخيط الرفيع بين التناص الفلسفي والسرقة الحرفية إلى فضائح علنية وثقتها المراجعات النقدية، ومن أبرزها قضية روائية سورية، حيث تعرضت روايتها الشهيرة لسطو مباشر بعد أن أثبتت المقارنات الرقمية قيام كتاب معروفين بنسخ مقاطع سردية كاملة وحوارات صاغتها الكاتبة، وإدراجها دون تعديل في روايات جديدة صادرة في دمشق وبيروت، ما أجبر السارقين على الانكفاء الثقافي تلافياً للمواجهة النقاشية، بالإضافة إلى السطو الذي طال دواوين شاعرات سوريات شابات اعتمدن على آلية نسخ مقاطع كاملة من قصائد النثر الشهيرة لشعراء سوريين ولبنانيين، والسطو الحرفي على مقدمات نقدية صاغها نقاد عرب كبار معروفين.
إن الجريمة الأشد إيلاماً في مسيرة التزوير السورية تخطت السرقات الأكاديمية أو الأدبية لتصل إلى تزوير وثائق المعتقلين والمخفيين قسرياً والمتاجرة بآلام الضحايا، فقد كشفت التحقيقات والملفات الحقوقية عن قيام مستنفعين ومتسلقين، استغلوا انخراطهم في كيانات معارضة أو منظمات مجتمع مدني ناشئة، لتزوير أوراق وثبوتيات اعتقال وتقارير طبية تابعة لضحايا قضوا تحت التعذيب في المعتقلات السورية. وينحصر الهدف من هذا التزوير البشع في مسارين:
أولهما: تأمين لجوء دبلوماسي أو سياسي رفيع المستوى في الدول الغربية عبر ادعاء الانشقاق أو التعرض للاضطهاد المباشر والملاحقة الأمنية الافتراضية.
وثانيهما: اعتلاء منابر العدالة الدولية بصفة ضحايا أو مدافعين حقوقيين من أجل اقتناص فرص وظيفية مرموقة وتمويلات مالية ضخمة من منظمات دولية، مستبيحين دماء المغيبين لبناء أمجاد شخصية.
وقد انتقلت مفاعيل هذا التزوير إلى أروقة المحاكم الأوروبية في ألمانيا، والسويد، والنمسا، حيث قادت السلطات تحقيقات حاسمة شملت حملات دهم استهدفت شبكات تتاجر بالهويات وجوازات السفر، وتوسعت الإجراءات القضائية في مراجعة وسحب وضع الحماية واللجوء، إذ تشير التقارير إلى أن مكتب اللجوء الفيدرالي الألماني يلغي تصاريح حماية السوريين بنسب مرتفعة جداً نتيجة ثبوت التزوير أو انتفاء أسباب اللجوء، وتتراوح العقوبات بين الغرامات المالية المغلظة، الحرمان من التجنيس، والإحالة للملاحقة الجنائية. وتكمن الكارثة الكبرى في أن تفشي هذه الوثائق المزورة أحدث هزّة ارتدادية خطيرة، حيث منحت هذه التجاوزات جبهات الدفاع والأنظمة الديكتاتورية ذريعة ذهبية للطعن في شرعية وصحة كافة الأدلة والوثائق الحقيقية المسربة، واصفة قضايا التعذيب بأنها ملفات مفبركة لأغراض المكسب المالي والسياسي. وبناءً عليه، رفعت لجان التحقيق الدولية والمحاكم الأوروبية التي تنظر في قضايا الولاية القضائية العالمية عتبة التدقيق وشروط قبول الشهادات، مما فرض عبئاً نفسياً وإدارياً مرهقاً على الضحايا الحقيقيين الذين باتوا مطالبين بإثبات صدق مأساتهم أمام محققين يتعاملون بحذر شديد مع أي ورقة صادرة من سوريا .
إن السلسلة المتصلة للسطو الفكري في سوريا، والتي بدأت قديماً بكتابة العساكر والجنود لمؤلفات أسيادهم الضباط مقابل بضعة أيام إجازة، لم تكن سوى التربة الخصبة التي أنبتت كوارث اليوم، فالمنظومة التي تشرعن سرقة رواية، أو بيع دكتوراه في ردهات جامعة دمشق لقاء حفنة من المال، هي ذاتها التي سهّلت لاحقاً تزوير صرخات المعتقلين في عتمة الزنازين.