الرأي العام

نعم، إن الساروت بطلٌ تراجيديّ

أتخيل أن المكسيكيين الذين بكوا معي حبّا بالساروت وتعاطفا معه، سمعوا بأن عشرات (السوريين) لعنوا روحه! فماذا سيقولون؟! وتخيلتُ نفسي أخفي وجهي هذه المرة لا لأخفي دموعي بل لأخفي خجلي وارتباكي منهم

محمد علاء الدين عبد المولى – العربي القديم

منذ أن شاهدت فيلم (العودة إلى حمص) لطلال ديركي، في إحدى المؤسسات الثقافية في المكسيك، والذي كان عبد الباسط الساروت من أبرز شخصيات الفيلم، وحتى اليوم، ما وقعت عيني صورة له، أو استمعتُ على مقطع من أناشيده وهتافاته، إلا ورأيت دموعي تنهمر بلا إرادة مني. أما لماذا شاهدت الفيلم في المكسيك فلأني كنت هناك من خلال منحةٍ ثقافية، وكان من ضمن نشاطاتي هناك ككاتب سوريّ أن أشارك في ندوات وتظاهرات ثقافية وفنية تخصّ سورية. حين كنا نشاهد الفيلم، وكان بين الحضور أدباء وفنانون من المكسيك بطبيعة الحال، وكان من بينهم أصدقاء زاروا حمص ودمشق وحلب، كنت أراقب من حولي وهم يضعون أيديهم على وجوههم محاولين إخفاء الدموع من أثر انفعالهم بما يشاهدونه. أما أنا فلم أكن بحاجة لأخفي وجهي، كنت أجهش بالبكاء معظم دقائق الفيلم. وحين انتهى العرض اجتمع حولي أصدقاء مكسيكيون عانقوني وأجهشنا بالبكاء معاً… (أحدهم قال لي بالعربي: أشعر الآن أني حمصيّ ولي الفخر). فهم يعرفون أنني من مدينة الساروت، لذلك فهم يعرفون ضمنا أن الأماكن التي عرضت هي أماكني وذكرياتي، لا سيما أنني استأجرتُ بيتا لمدة ثلاث سنوات في المنطقة القريبة من الحيّ الذي ولد وعاش فيه الساروت.

لم تكن لحظة عابرة تلك التي عبر فيها مكسيكيون عن تعاطفهم مع سورية، فهناك ثمة مناخٌ عامّ من تمجيد مفهوم الثورة والحرية ومقاومة الاستبداد والاستعمار والطغاة.

أستحضر الآن هذه اللحظة وأنا أسمع (سوريين) يشتمون الساروت بأبشع الألفاظ! وأتخيل أن المكسيكيين الذين بكوا معي حبّا بالساروت وتعاطفا معه، سمعوا بأن عشرات (السوريين) لعنوا روحه! فماذا سيقولون؟! وتخيلتُ نفسي أخفي وجهي هذه المرة لا لأخفي دموعي بل لأخفي خجلي وارتباكي منهم.

لا يوصف حجم الألم الذي ينتاب الإنسان في مثل هذه الحالة، ولا توصف الطعنة التي هي في الصميم حين نسمع من محفل رياضي سوريّ لعنةً تحلّ على روح الساروت! يا لهول اللحظة وبشاعتها ونذالتها وسفالتها! يا لألم أمّ الساروت، ويا لألم كل ذرة تراب سقاها الساروت بدمه أو عرق نضاله، يا لألمِ كلّ نغمةٍ حرّة أطلقها في مئات المظاهرات على امتداد حياته حتى استشهاده. يا لألمِ أنّاته التي شيّع بها الدنيا وهو محمولٌ جريحًا على ظهر صديق له حين أصيب. يا لألم التاريخِ وهو يشهد على أكثر اللحظات انحطاطا أخلاقيا.

إن هؤلاء الذين تجرأوا على شتم الساروت هم جزءٌ من زمنٍ انهارت فيه الأخلاق وانقلبت القيم، حيث أهانوا روحَ شهيدٍ سوريٍّ تحوّل إلى أسطورةٍ يومية تتحدى الفناء نفسه.

كان الساروت يمتلك الدنيا بحذافيرها، كان يمكنه تحقيق مجد يتلألأ على أبواب الأسديين، وثراءٌ يفتح له أبواب القصور ومنصّات التتويج في العالم، وراحةٌ ينعم بها في أمان. لكنه نظر إلى كل ذلك نظرةَ ازدراء، فهو رأى في مثل هذا المجد زيفاً وجبناً. ترك كل شيء وراءه ومضى نحو الموت طواعيةً، دفاعاً عن كرامةٍ سُحقت تحت أقدام الطغاة.

انضم إلى صفوف الأنقياء الذين أبوا أن يعيشوا عبيداً تحت حكم من سمّاه شبّيحته بـ (سيد الوطن)، في حين كان هذا الوطن يُباع ويُشترى وتمزّق أشلاؤه على طاولات السحق ومشرحة التعذيب والتوحش. حمل الساروت سلاحه حباً للحرية التي سُرقت من شعبه. واستشهد وهو يحمل في عينيه صورةَ سورية الحرة، وفي قلبه وجعَ مدنٍ وقرى وأرضٍ كانت تُذبح أمام صمت العالم.

لقد أدرك الساروت بحسّه الشعبيّ الأوليّ وبصيرته النظيفة، أهمية أن يخلع عنه كل ممكنات الغنى والمجد الزائف، ويلتحف بلا تردد ومن غير أن يرفّ له رمش، بغطاء الحرية والكرامة، في الوقت الذي أصيب فيه كثيرون بعمى البصيرة، لهذا عاشت روحه تلك اليقظة المفاجئة التي جاءت متفقة تماما مع إحساس الناس البسطاء المسحوقين المهمّشين. لقد عرفَ الساروت الاسمَ الحقيقيَّ للوحش الذي يطارده ويطارد شعبه، فاختار مقاومته ليس فقط بالسلاح، إذ كان في الأشهر الأولى من المظاهرات يقاومه بالغناء والإيقاع، والتجلّي الجميل على أكتاف المتظاهرين، كان يقاومه بالقلبِ والروحِ والإبداع، لكن ذلك الوحش الأسديّ لا يفهم لغة القلبِ ولا الإبداع، فاستدرج الروحَ المغنّية إلى أن تتزنّر بالسلاح، سلاحِ الدفاعِ عن الحقّ والكرامة.

من يسمع حوارات الساروت وحكاياته لا يملك إلا أن ينحني إعجابا بهذا الوعي العفوي الذي رافق تحركه المسلّح، حيث كان يرفض التمجيد والمديح، ويرفض أن يوصف بالبطولة! وينتقد بصوت عالٍ من يتاجر بالثورة من متسلقي الثورة، ويتخذ موقفًا حاسمًا من لصوص الدم المختفين وراء قناع الحرية، وكان الذين شتموه نموذجا رديئا من هؤلاء.

ثمة لحظة كبرى في سيرة عبد الباسط الساروت، وهي شخصية البطل التراجيديّ بمعنى من المعاني، بل لقد منح هذا المفهوم دلالة خاصة بالحالة السورية، فهو لم يكن من طبقة (النبلاء) التي تنتج مفهوم البطولة التراجيدية، لكنه كان أكثر نبلاً من طبقة النبلاء نفسها. نبله تجلى في كل حياته التي عاشها مدافعا عن حلم السوريين، نبله تمظهر هناك في قبوله لكل أثقال الآلام التي لم يشكُ منها ولا تهرب منها، معطيا نموذجا باهرا للشخص البطل من دون ادعاء ولا زخرفة. كانت بطولة الساروت نصّا مُبينًا واضح المعاني والدلالات، خاليا من البلاغة والإنشاء الأدبي والفكريّ، لكنه يحمل أكثر مما قد يحمله نصّ أدبيّ أو فكريّ حول البطولة.

ثم إن بطولته التراجيدية حققت التأويل الجوهريّ للبطل التراجيدي من حيث أنه الإنسان الذي يرى الموت حاضرا في كل حركة حوله، يرى أنه ملاقٍ حتفه في أية لحظة، مع ذلك كان يبتسم له، مغنّيا راقصّا مطلقا النكتة هنا والحكاية الممتعة هناك بحيث يخلق في نفوس من حوله روح التفاؤل والأمل.

كنتُ وما زلتُ أندهش من جملته التي ينبغي أن تتحول إلى نصّ مكتوب بماء الذهب حين قال: (هالثورة مستمرة، هي ثورة ما لها حلّ إلا النصر)! أندهش لأن هذا السوريّ العفويّ القادم من قاع المجتمع المسحوق، كان يتفوق عليّ أنا (الشاعر المثقف) الذي بلغ به اليأس من الانتصار مبلغا مؤلما، أجل لقد أخجلني الساروت حين كان ممتلئا كليا بالتفاؤل والأمل، في حين كنتُ ممتلئا كليا باليأس!    

لقد مضى الساروت كبطل مأساويّ نحو نهايته التي كان يراها كل دقيقة، ليس لأنه أراد الموت مجّانا وعشوائيا، بل لأنه لم يستطع تحملّ حياةٍ تكون فيها الكرامةُ ملغاةً أو مؤجلةً في أحسن الأحوال. كان يعرفُ أن الخطوةَ التالية هي سقوطه شهيدا، لكن كبرياءَه، ذلك الكبرياء النقيّ جعلَه يعتقدُ جازمًا أنه يستطيعُ أن يكون أمثولةً لإنسانٍ حالمٍ ومستعدّ أن يقدم روحه فعلاً لا قولا ولا ترنّما شعريّا، ثمنًا لحلمه!

وإذا كان في التراجيديا معنى من معاني العقم، فإن تراجيدية الساروت عكس ذلك تماما، فهو أطاح بالعقم واليأس والقحط خالقا الفرحَ والأمل، ثم متوّجا ذلك كله بدمائه التي سقت كل معاني الفرح والأمل والكرامة في مسيرته السورية.

في اللحظة التي تجرأ فيها (سوريون) على شتمِ الساروت، كان التاريخ يرتجّ غضباً وقهرًا، وكان قبرهُ يطلقُ ضوءًا جديدا وصوتا هامسًا يقول لنا عبره:

أنا الساروتُ سوريُّ المعاني

وروحي نجمةُ المجدِ المنيرةْ

دمي عطرُ الترابِ وقد تجلّى

ليكتب سيرةَ الفرحِ الأخيرةْ

رأيتُ النصر قبل وجودِ نصرٍ

لأنّي حاملٌ ضوء البصيرةْ…

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى