ديكتاتورية الفنان التشكيلي السوري: حين تتحول الريشة إلى سوط قمع وفقدان هوية
الفنان الذي عاش الخوف والمنع والمصادرة والتهميش تحول دون وعي إلى ممارس لشكل من أشكال هذا القمع في سلوكه مع زملائه

علي نفنوف – العربي القديم
في المشهد التشكيلي السوري ثمة ظاهرة تستحق التوقف عندها بعمق وجرأة وهي ما يمكن أن نطلق عليه دون تردد ديكتاتورية الفنان تلك التي باتت تتجلى في رفض الآخر وإلغاء المختلف والتمسك بأحادية التوجه والأسلوب وكأن الإبداع التشكيلي لا يتسع إلا لرؤية واحدة وذائقة واحدة وتوقيع واحد
ليست هذه النزعة القمعية حالة طارئة، حيث تبدو في جوهرها إرثا نفسيا وثقافيا حمله بعض الفنانين معهم من تجربة طويلة مع القمع السياسي والاجتماعي الذي عايشه السوريون عقودا من الزمن… فالفنان الذي عاش الخوف والمنع والمصادرة والتهميش تحول دون وعي إلى ممارس لشكل من أشكال هذا القمع في سلوكه مع زملائه فأستبدل القمع السلطوي بقمع فني وسلطة الأمن بسلطة اللوحة
انهيار النقد الفني السوري
ما يعزز هذا السلوك المؤسف هو انهيار النقد الفني السوري الذي أصبح في معظمه محكوما بثنائية مدمرة إما مدح ناعم خال من المضمون يقدم لمن يملك المنصب أو المال أو النفوذ وإما حقد مغلف يصوب تجاه من لا ينتمي إلى الشلة أو لا يحظى بدعم رسمي أو إعلامي وبهذا ضاعت ملامح النقد الموضوعي وغاب الصوت الحر واختزلت ساحة النقد إلى مجاملات أو تصفيات شخصية
لقد أدى هذا الواقع إلى تقهقر التواصل بين الفنانين السوريين وتراجع الحوار الخلاق الذي يجب أن يكون عماد الحركة التشكيلية..وغابت الهوية التشكيلية السورية التي سأتطرق اليها فيما بعد.. فالنقاشات أصبحت عقيمة لا تفضي إلى شيء بل تزيد من الاستقطاب والانغلاق وسط هيمنة الأنا التي تغلبت حتى على جمال اللوحة وروح الفن
لا أحد ينكر أن الفنان السوري مبدع متقن وبارع في أدواته لكن الإبداع لا يكتمل إلا بالانفتاح على الآخر والاعتراف بالاختلاف والتخلي عن نزعة التسلط الفني التي تلبس الفن عباءة الاستبداد
وفي هذا السياق، يتجلى التمظهر الأوضح لهذه الأنانية والتمركز حول الذات عند الفنان التشكيلي السوري في طبيعة علاقتة العضوية بالمنظومة النقدية، وهي الأزمة المعرفية والأخلاقية التي شرّحها الناقد والتشكيلي السوري طلال معلا في كتابه “بؤس المعرفة في نقد الفنون البصرية العربية”. يرى معلا أن النقد التشكيلي الراهن قد انحرف عن كونه أداة لرفع الوعي البصري وتفكيك بنية اللوحة، ليتحول إلى آلية لـ “تسليع الفن” وصناعة عبقريات وهمية عبر ما يمكن تسميته بـ “النقد الإخواني” القائم على الشللية والمجاملات النفعية. هذا المديح المجاني المتواطئ لا يكتفي بإفراغ الفعل النقدي من قيمته المنهجية، بل يشتغل كوقود مباشر لتغذية نرجسية الفنان السوري وتضخيم عزلته الاستعراضية، بحيث يرى في منجزه نصاً مطلقاً لا يجوز مسّه أو مساءلته. وفي المقابل، عندما يخرج الفنان عن طاعة هذه الدوائر الشللية أو يفشل الناقد في مجاراة نرجسيته، تتحول الساحة الفنية إلى حقل للألغام النفسية؛ حيث يُمارس الإهمال المقصود والتعتيم الممنهج كعقوبة استبعاد، أو يُستبدل التحليل الموضوعي بـ التجريح الشخصي كوسيلة لتصفية الحسابات وإقصاء التجارب المتمردة. إنها الدائرة المغلقة التي تحول فيها الفن -حسب طروحات معلا- من فعل تفكير وحامل للذاكرة الجماعية والمأساة الإنسانية، إلى مسرح تسيطر عليه “الأنا الاستعراضية” للفنان الذي يطلب الاستحسان الأعمى ويخشى مواجهة مرآة النقد الحقيقية
غياب الهوية
هنا تتقاطع أنانية الفنان التشكيلي السوري مع الأزمة الأعمق في محترفنا المعاصر، وهي غياب هوية تشكيلية سورية حقيقية وجامعة. إن الهوية البصرية لأي أمة لا تولد من مجرد تراكم اللوحات، بل يصنعها “المشروع النقدي التنظيري” الذي يجمع الشتات، ويؤصل للملامح البصرية المستمدة من الذاكرة الجماعية والمأساة الإنسانية المشتركة. لكن في ظل تراجع النقد السوري فُقدت البوصلة الفكرية التي توجّه المشهد؛ فاستسهل الفنان السوري التقوقع داخل عزلته وأنانيته الإبداعية، متحولاً إلى حالة استعراضية دؤوبة تبحث عن التميز الفردي السريع والتسويق التجاري. هذا التمركز المفرط حول الـ “أنا” جعل من كل فنان “جزيرة معزولة” تزعم لنفسها هوية مستقلة، مما أدى إلى تفتيت الملامح المحلية وغرق اللوحة السورية في الاغتراب والتبعية المشوهة لتيارات الحداثة الغربية نيلًا لرضا المنصات الخارجية. إن غياب الهوية التشكيلية السورية ليس مجرد مصادفة فنية، بل هو الثمرة المرة لبيئة ثقافية تُدار بـ الإهمال المقصود للتجارب الجادة، والتجريح الشخصي للمبدعين الحقيقيين، حيث تضخمت أنانية الذات الفردية حتى ابتلعت الهوية الجماعية للمحترف السوري بأكمله.»
في الختام
من المؤسف ان هذا الكلام لا ينطبق على الفنان السوري الموجود في سوريا انما انتقلت العدوى الى الفنانين السوريين الموجودين في دول الاغتراب لا بد من القول إن تحرير الريشة من قبضة السلطة سواء كانت سياسية أو فنية هو واجب كل من يؤمن بأن الفن رسالة حرة لا سلطة فوقها سوى الجمال ولا معيار لها سوى الإبداع\

