فنون وآداب

(سورية ما قبل الثورة) لمحمد منصور: تفكيك بنية الاستبداد الإعلامي من الداخل

نجد في كتاب محمد منصور التوثيق الدقيق لـ "معارك الصحافة والسياسة والفن والمخابرات"؛ نجد شرحاً وافياً لكيفية إفراغ المؤسسات من محتواها لصالح القبضة الأمنية والتوزع الطائفي

نوار الماغوط – العربي القديم

حين يهديك صديق وزميل  كتاباً تحتوي صفحاته عقداً من المعاناة المشتركة، تتحول القراءة من فعلٍ معرفي، إلى وثيقة إدانة تاريخية واسترجاعٍ لملامح زمنٍ عِشناه معاً بكامل تفاصيله ومرارته. هذا ما شعرتُ به تماماً وأنا أقرأ الإهداء الرقيق الذي خطّه لي الصديق والإعلامي القدير محمد منصور على صفحات كتابه الهام “سورية ما قبل الثورة: معارك الصحافة والسياسة والفن والمخابرات”، الصادر عن دار رياض الريس.

كتب لي منصور في إهدائه كلمات تلامس جرحاً عميقاً لم يندمل بعد: „إلى الصديق نوار الماغوط.. ذكرى معاناة من زمن الاستبداد الطويل… لم تكن أنت بعيداً عنها أيضاً… مودتي، دمشق 9/9/2026“.

هذه الكلمات هي المفتاح الجوهري لدخول هذا الكتاب، فقد كنا زملاء في التلفزيون السوري خلال تلك الفترة الحرجة التي سبقت عام 2011، وتشاركنا معاً هواجس العمل الإعلامي تحت مقصلة الرقابة والتوازنات الطائفية المقيتة. يقدم منصور في كتابه تشريحاً بنيوياً للنظام الأسدي عبر أربعة أبواب رئيسية، وهي أبواب توثق آليات القمع، وتتقاطع في كل تفصيل من تفاصيلها مع تجربتي الشخصية في أروقة مبنى التلفزيون في ساحة الأمويين.

صحافة وسياسة.. تجفيف منابع الوعي وطرد الكفاءات

في الباب الأول من الكتاب، يركز محمد منصور على تفكيك العلاقة المشوهة بين السلطة والصحافة، مستعرضاً قضايا الفساد وغياب الحريات. ومن أبرز العناوين التي يطرحها: „لماذا يشعر المواطن السوري بالقرف من الحياة؟“، و„مستشارو السوء وإجهاض الإصلاح“. يتحدث منصور هنا عن كيفية تحويل الفضاء الإعلامي إلى ساحة طاردة لكل فكر حر، وكيف وُضعت العراقيل أمام أي محاولة إصلاحية حقيقية.

هذا „القرف“ وتجفيف منابع الإصلاح عشتهما بحذافيرهما مع بداية الألفين، وخلال فترة الانفتاح الإعلامي القصير وما كان يُسمى بـ “ربيع دمشق”. في تلك الآونة، كنتُ أكتب بشكل شبه منتظم في موقع “كلنا شركاء”. كان هذا موقعاً، حسب ما فهمنا وعايشنا، يصل مباشرة إلى أصحاب القرار وإلى جميع السفارات العاملة في سوريا ، وكان متنفساً ضيقاً ومراقباً نحاول من خلاله قول جزء من الحقيقة التي يتناولها كتاب محمد منصور .

في تلك الفترة، كان لدي برنامج تلفزيوني متخصص في شؤون البيئة والتنمية ، وهي منطقة اعتقدتُ واهماً أنها بعيدة عن صراع الأيديولوجيات وهواجس الرقابة السياسية. وبفضل نشاطي وجهودي، أرسلتني السفارة الألمانية في دمشق ضمن منحة إلى ألمانيا لإعداد بعض الأفلام الوثائقية والاستفادة من التجارب الألمانية الرائدة في الإعلام البيئي، وخاصة في مجال الطاقات المتجددة.

عدتُ من ألمانيا محملاً بالطموح والأفكار؛ فالبلاد كانت تتحدث عن „التطوير والتحديث“. دخلتُ مكتب السيد فايز الصايغ، مدير عام التلفزيون السوري آنذاك، وقدمتُ له اقتراحاً علمياً متكاملاً لتطوير البرامج البيئية والتنموية في التلفزيون بناءً على ما رأيته في المانيا . استمع إليّ، وشكرني على جهدي، ثم فاجأني بطلب غريب يعكس عقلية التوظيف السياسي التي انتقدها منصور في كتابه؛ إذ طلب مني الانتقال إلى البرامج السياسية! أشرت بيدي معتذراً ورفضتُ العرض، مفضلاً البقاء في مساحتي البيئية والتنموية، فتفهم رفضي وغادرتُ مكتبه.

 في مساء نفس اليوم، كما أخبرتني إحدى الزميلات الإداريات، قرأت خطاباً مفاجئاً موجهاً من السيد المدير العام فايز الصايغ إلى مديرة البرامج التنموية رائدة وقاف، يطلب منها ملفاً شاملاً عن برنامجها الشهير “المغتربون” الذي كانت تعده بالتعاون مع الوزيرة بثينة شعبان، مع بيان الفوائد والأهداف التي تحققت منه. بدت الأجواء مشحونة ومريبة، ولم تمر ساعات حتى تبيّن حجم العبث والسرعة التي تدار بها الدولة؛ إذ في اليوم نفسه، وفي حركة خاطفة، وصل فاكس عاجل من وزير الإعلام يقضي بإنهاء تكليف الدكتور فايز الصايغ كلياً من منصبه! كانت الكراسي تهتز لأسباب لا علاقة لها بالمهنية، بل بصراعات الأجنحة ومراكز القوى التي رصدها كتاب منصور ببراعة في الباب الاول و تحت عنوان „وزير الإعلام السوري في مأزق بلا حدود“.

دراما وسياسة: تغلغل القبضة الأمنية في الفن

ينتقل منصور في الباب الثاني “دراما وسياسة” والباب الثالث “دمشق.. قضايا ومرايا” ليرصد المعارك الشرسة في عالم الفن. يحلل منصور كيف تحولت المسلسلات والأعمال الفنية (مثل باب الحارة، الدوامة، وشاء الهوى) إلى ساحات للصراع بين محاولات التنوير وبين مقص الرقيب. ويطرح منصور عناوين هامة مثل: „كواليس صناعة الدراما“، و„تغلغل القبضة الأمنية في الفن“.

يكشف الكاتب كيف يتعامل النظام مع الثقافة والفن كأدوات تدجين وأسلحة لفرز المجتمع وإثارة النعرات وتوطيد أركان حكمه. هذه العقلية الإقصائية الطائفية التي يتحدث عنها منصور في كواليس صناعة الفن، كانت هي المحرك الأساسي لكل شاردة وواردة في التلفزيون، وكانت الطائفية هي المعيار الحقيقي لتوزيع الأدوار والفرص.

برنامجي البيئي لم يكن ينافس أحداً، ولم أكن أزاحم المذيعين على برامج المنوعات أو الحوارات السياسية سواء الكبرى أو الصغرى . وصادف في إحدى المرات أن جاء تكليف من وزير البيئة للمذيع نضال زغبور ليعمل ندوة بيئية خاصة. وبما أنني المتخصص في هذا المجال، استدعتني السيدة ديانا جبور، مديرة التلفزيون آنذاك، وقالت لي بلطف: «الأستاذ نوار، أرجو أن تتعاون مع نضال زغبور لتنجزوا الندوة».

خرجتُ من مكتبها، وتوجهتُ إلى نضال، وبكل نية طيبة ورغبة صادقة في إنجاح العمل قلت له: «رغبة السيدة جبور بالتعاون لإنجاز الندوة معاً». لم يكد ينهي سماع جملتي حتى انتفض غاضباً واشتعل وجهه بالاحتقان وقال لي بلهجة متعالية صادمة: «أيه والله، مو ناقص غير تشيلني وتحطّك بدالي مذيع!». ولم يكتفِ بالرد، بل توجه فوراً وهو يستشيط غضباً نحو مكتب مديرة التلفزيون، ودخلتُ وراءه. وبمجرد أن فتح الباب، ودون أن يلقي التحية حتى، صرخ في وجه ديانا جبور قائلاً بلهجة تهديد واضحة: «إذا بدكن تشغّلوا هالاشكال.. مصيركن السقوط!».

كان زغبور يقصد بعبارة „هذه الأشكال“ بوضوح فج: أنني لست علوياً، ولا بعثياً مدعوماً من أجهزتهم الأمنية، وبالتالي لا يحق لي حتى التعاون الفني معه. كانت الكفاءة تُذبح يومياً على عتبات الانتماء الطائفي والولاء الأعمى، وهي الصورة الحقيقية لما سماه منصور „معارك الفن والمخابرات“.

شاشة السمع والطاعة: تجارب متقاطعة

في الباب الرابع، يضع محمد منصور مشرطه على الجرح الأكبر تحت عنوان “التلفزيون السوري: شاشة السمع والطاعة”. يستعرض في هذا الباب كواليس برامج المنظمات الشعبية، برامج الأطفال، والفساد المالي والإداري، مبيناً كيف تحول التلفزيون الحكومي إلى مدرسة لتخريج المخبرين وتثبيت أركان الاستبداد. ومن أبرز العناوين هنا: „التلفزيون السوري ومدرسة الفساد الإداري“، و„التقارير الأمنية وكواليس البرامج“.

وهنا تتقاطع تجربتي الشخصية بشكل مرير وصادم مع ما خطه قلم منصور في هذا الباب. ففي عام 2005، وبينما كنت منشغلاً ببرنامجي البيئي، تأكدتُ بأن العمل المهني النظيف لا يحميك في كواليس مبنى الأمويين. في ذلك العام، كتب رئيس الدائرة بالتلفزيون ومدير مكتب المنار أنس أزرق تقريراً كيدياً ضدي رفعه إلى الجهات العليا؛ تقرير ليس بسيطاً بالمعايير السورية، بل من النوع الذي „تطير به رقاب“ وتطيح بالمدراء.

اتهمني أنس أزرق في تقريره الأمني الكيدي بأنني أستبعد بشكل متعمد أبناء „الطائفة العلوية“ من برنامجي، وأنني أتحدث عنهم وعن فسادهم عن سابق إصرار وترصد! والمخزي في الأمر، أن الزميلة السابقة رائدة وقاف لم تجد حرجاً في الوقوف معه، وشهدت على صحة المعلومات الواردة في هذا التقرير المفبرك. تحول برنامجي البيئي البسيط في ليلة وضحاها إلى قضية „أمن قومي“ و„مساس بالوحدة الوطنية“. ولأن القضية خطيرة جداً وتمس العصب الحساس للنظام، تمت معالجتها وتسويتها خلف الكواليس عن طريق وزير الإعلام ومستشاريه لتفادي انفجارها وإطاحة بعض الرؤوس الإدارية. كانت هذه المنظومة تعيش على فرز البشر طائفياً، وبناء جدران من الحقد والكيد، وهو ما يفسر تماماً العناوين التي أوردها منصور في كتابه حول تحول المذيعين إلى أدوات في قفص المنظومة الأمنية.

مفارقة الحاضر أن الثورات غيّرت الأقنعة وبدّلت الوجوه، لتبدأ المأساة الحقيقية في واقع يرفض أن يتعلم من دروس التاريخ. الزمن اليوم يبدو وكأنه يكرر نفسه بنوع من الكوميديا السوداء؛ ففي ذلك الوقت، كان نضال زغبور يهدد بإسقاط المدراء إن شغّلوا „أشكالي“، واليوم، يخرج علينا أحدهم ممّن يدّعي أنه رئيس اتحاد الكتاب، ومحسوب على القيادة الجديدة، ليردد حرفياً وبنفس العقلية الإقصائية أمام متنفذي المشهد الجديد: «إذا بدكن تشغّلوا هالاشكال، مصيركم السقوط!».

لكنه هذه المرة لا يقصد أنني لست علوياً أو بعثياً، بل يقصد أنني لست „سنياً“ بالمعيار الطائفي الجديد، أو لأنني لا أعمل لصالح أجندة „عزمي بشارة“ ومؤسساته وتوجهاته!

أتأمل هذا المشهد المرير وأتساءل بأسى: هل هذه هي الثورة التي خرجنا بها ونادينا من أجلها؟ أم أن الثورات، عبر التاريخ، لا تفعل شيئاً سوى إثبات حقيقة واحدة ومفجعة: أنها تغير كل شيء.. الديكورات، الأعلام، الأناشيد، والمناصب.. وتغير كل شيء إلا الإنسان! ولسان حال واقعنا السوري اليوم يقول بمرارة: „وتيتي تيتي.. مثل ما رحتي جيتي“. لقد خرجنا من طائفية وضيق النظام، لنقع في طائفية وضيق بعض من تصدّروا المناصب الجديدة، وكأن الاستبداد هو جينات مستعصية تسكن العقول والنفوس

في كتاب الناقد محمد منصور، نجد التوثيق الدقيق لـ “معارك الصحافة والسياسة والفن والمخابرات”؛ نجد شرحاً وافياً لكيفية إفراغ المؤسسات من محتواها لصالح القبضة الأمنية والتوزع الطائفي. في التلفزيون السوري، كان لديهم كل شيء؛ المباني الضخمة، الميزانيات، الاستديوهات الحديثة، والسيارات.. كان لديهم كل شيء إلا شيئاً واحداً وهو „الإعلام“!

تخرصات أزرق وزغبور وعيون المخبرين

بسبب تخرصات  أنس أزرق، و نضال زغبور، وعيون المخبرين المزروعة في كل زاوية، كنت حين أدخل مبنى التلفزيون في ساحة الأمويين ويستوقفني رجل الأمن عند الباب ويسألني سؤاله الروتيني المعتاد: „معك شيء؟“.. كنت أخاف دائماً، وينقبض قلبي رعباً، من أن يكتشفوا أنني إعلامي!

شكراً للكاتب محمد منصور على هذا الكتاب القيّم وعلى الإهداء الثمين الذي فتح جروح الذاكرة، وأثبت أن „زمن الاستبداد الطويل“ الذي شرحه  في كتابه، ما زال يمد ظلاله الثقيلة علينا؛ سواء كنا سابقاً في الداخل تحت رحمة الاستبداد والطائفية ، أو كنا اليوم في المنافي والمغتربات، نقع تحت رحمة الأقنعة الجديدة والوجوه المستعارة التي تمارس الإقصاء ذاته، وتُعيد إنتاج نبرة التهميش ذاتها ولكن بمسميات وشعارات مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى