تاريخ العالم

أيُّ إنسانٍ تُنتج المدرسة: أيديولوجيا المناهج التعليمية في إيران

براء الجمعة * – العربي القديم

خلال دراستي في جامعة تبريز، قبل عام 2010، كنا نزور المدارس الابتدائية ضمن التطبيق العملي ودراسة الحالة. لفتت انتباهي كتبٌ وصورٌ توزّع الأدوار بوضوح، وتقدّم المرأة غالباً ضمن إطار محدود. وفي بعض المواد، بدت صورتها محصورة في ضبط ظهورها الجسدي ودورها الأسري، حتى خُيّل إليّ أنها تكاد تختزل في «العورة». سمّيت ما كنت أراه آنذاك «تدجيناً». كان ذلك انطباعاً ميدانياً، لا دراسة إحصائية، لكنه بقي معي وأعاد إليّ سؤالاً لم يفقد راهنيته: أيُّ إنسانٍ تُنتج المدرسة؟

تنقل المدرسة المعارف، وتنقل معها تصورات عن الذات والآخر، وعن المواطن الصالح وحدود الاختلاف وما يجوز قوله أو الاعتراض عليه. تتشكل هذه التصورات في الكتب والصور والشخصيات التي يُطلب من الطلاب الاقتداء بها، كما تتشكل في الممارسات اليومية داخل الصف. لذلك لا تتوقف أهمية المناهج عند المعلومات التي تقدمها؛ فهي تشارك أيضاً في رسم صورة الإنسان والمجتمع والسلطة.

تأخذ هذه المسألة أهمية خاصة في الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث ارتبط التعليم منذ عام 1979 بمشروع لبناء هوية عامة وفق مرجعية دينية وسياسية محددة. ولا يهدف هذا المقال إلى اختزال المجتمع الإيراني المتنوع في خطاب الدولة، أو افتراض أن الطلاب يتلقون الرسائل التعليمية بالطريقة نفسها. إنما يسأل عمّا تكشفه الوثائق والكتب والسياسات الرسمية عن صورة الإنسان التي تسعى المؤسسات إلى ترسيخها، وعن المساحة التي تتركها للطالب كي يسأل ويختلف ويعيد النظر.

من التعليم إلى تشكيل المواطن

حلّلت الباحثة غولنار مهران، في دراسة منشورة عام 2025، وثائق رسمية وكتب الدراسات الاجتماعية المستخدمة خلال العام الدراسي 2023–2024. وخلصت إلى أن المناهج تسعى إلى ترسيخ صورة «الإنسان الإسلامي المثالي»: مواطن متدين، مرتبط بالهوية الشيعية، يؤمن بالنظام الديني السياسي ويتبنى سردية وطنية وثورية محددة.

لا تخلو أي منظومة تعليمية من قيم وطنية وثقافية تريد نقلها إلى الأجيال الجديدة. ويظهر الفارق في العلاقة بين هذه القيم والمعرفة: هل تُقدَّم أفكاراً قابلة للدراسة والمناقشة والمقارنة، أم مرجعيات نهائية تحدد سلفاً الإجابات المقبولة؟ حين تصبح رؤية السلطة معياراً للمواطنة الصالحة، تضيق المساحة التي يحتاج إليها التفكير النقدي. وقد يكتسب الطالب معرفة واسعة، فيما يتعلم أن بعض الأسئلة السياسية أو الدينية تقع خارج نطاق النقاش المسموح. ومع ذلك، تبقى المناهج الرسمية أضيق من المجتمع كله، ولا يمكن اعتبار المعلمين أو الطلاب نسخاً متطابقة من واضعي السياسات.

المرأة بين الحق القانوني والدور المرسوم

تظهر إحدى صور هذا التوجه في تمثيل المرأة داخل الكتب المدرسية. قارنت أطروحة مارال ديفانغاهي، المنشورة عام 2020 في جامعة يورك، بين كتاب اللغة الفارسية للصف الأول في نسختي 1983 و2018. ورصدت حضوراً أكبر للشخصيات الذكورية في النسختين، إلى جانب تصورات أبوية للأدوار الاجتماعية، مع تركيز أكبر في نسخة 2018 على الحياة الأسرية ودور المرأة أماً.

أما تقرير «فريدوم هاوس» الصادر عام 2008، فاستند إلى تحليل 95 كتاباً مدرسياً نُشرت في عامي 2006 و2007. ووجد أن النساء ظهرن في 21 في المئة من الصور المرتبطة ببيئات العمل المهني، مقابل 77 في المئة من الصور المرتبطة بالأسرة والأمومة والأعمال المنزلية. هذه الأرقام تخص كتب تلك الفترة، ولا تمثل إحصاءً للمناهج الحالية؛ لكنها توضح كيف يمكن لتكرار الصور وانتقاء الشخصيات أن يرسّخا توقعات بشأن أدوار النساء والرجال.

وتكتسب هذه النتائج دلالة إضافية عند قراءتها إلى جانب الإطار القانوني. فالمادتان 20 و21 من الدستور الإيراني تقرّان حقوق النساء ضمن المعايير الإسلامية، وتؤكدان حماية المرأة والأسرة والأمومة. وفي المجتمع الإيراني نساء فاعلات في الجامعات والمهن والبحث والعمل العام، ما يجعل اختزال واقعهن في صورة واحدة أمراً مضللاً. لكن استمرار فرض الحجاب الإلزامي يوضح حدود الاستقلال الشخصي. ووفق التقرير العالمي لـ«هيومن رايتس ووتش» لعام 2026، عُلّق قانون «الحجاب والعفة» من دون إلغائه، فيما واصلت السلطات إنفاذ قواعد الحجاب الإلزامي، بما في ذلك ملاحقة النساء والفتيات وإغلاق منشآت ومراقبة المخالفات.

هنا يلتقي التمثيل المدرسي بالسياسة العامة: تُعرَض للمرأة مكانة اجتماعية ضمن منظومة قيمية محددة، بينما تبقى بعض خياراتها الشخصية خاضعة لسلطة الدولة. والسؤال التربوي هو ما إذا كان التعليم يهيئ الفتاة لفهم حقوقها واتخاذ قراراتها، أم يعرّفها بالدور الذي ينبغي أن تؤديه وفق التصور الرسمي.

وقد يُقرأ بعض الرفض للإلزام في ضوء مفهوم «الارتداد النفسي» الذي يفترض أن الشعور بانتزاع حرية الاختيار قد يدفع إلى مقاومة القيد. لكن احتجاجات النساء في إيران، ولا سيما منذ خريف 2022، تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية وحقوقية، ولا يمكن اختزالها في آلية نفسية واحدة أو إثبات أن المناهج وحدها سببتها.

التنوع: الاعتراف بالآخر أم ضبط الاختلاف؟

يحدد الدستور موقع الأديان داخل الدولة. فالمادة 12 تجعل المذهب الجعفري الاثني عشري مذهباً رسمياً، فيما تعترف المادة 13 بالزرادشتيين واليهود والمسيحيين الإيرانيين أقليات دينية. أما البهائيون فلا يتمتعون بالاعتراف الدستوري نفسه.

حلّل حسين كودازغار، في دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «British Journal of Religious Education»، كتب التربية الدينية المستخدمة في العام الدراسي 2009–2010. ووجد أن هذه الكتب تعكس بعض مظاهر التنوع الديني، لكنها تقصر بوضوح عن ترسيخ التعددية الدينية بوصفها واقعاً يستحق الفهم والاعتراف، ولا تتيح مساحة كافية للتعرف إلى وجهات نظر المجموعات الدينية المختلفة. ومن المهم التمييز هنا بين تاريخ نشر الدراسة وتاريخ الكتب التي حللتها؛ فهي تكشف عن أنماط في مواد تعليمية أقدم، ولا تكفي وحدها للحكم على محتوى الكتب الحالية.

وتبدو المسألة أكثر مباشرة في حالة البهائيين. ففي تقرير نشرته «هيومن رايتس ووتش» عام 2024، وثّقت المنظمة سياسات وممارسات تحرم أفراد هذه الجماعة من فرص التعليم والعمل، وأشارت إلى مذكرة صادرة عن المجلس الأعلى للثورة الثقافية عام 1991 تتضمن توجيهات لتقييد وصولهم إلى الجامعات والوظائف والفرص الاقتصادية. وحين يصبح الانتماء الديني سبباً للحرمان من التعليم، يتجاوز الاختلاف حدود الصف ويغدو عاملاً في توزيع الحقوق والفرص.

الحرية داخل حدود المسموح

قد تعلن المناهج أهمية العلم والتفكير والانضباط، لكن اختبار حرية التفكير يظهر عندما يختلف الطالب مع الفكرة المعتمدة أو يعترض على قرار تتخذه المؤسسة. فالمادة 23 من الدستور الإيراني تحظر التحقيق في معتقدات الأفراد أو معاقبتهم لمجرد اعتناقها، في حين تجعل المادة 4 القوانين والأنظمة خاضعة للمعايير الإسلامية. ويترك هذا التداخل مساحة واسعة للتأويل، بحيث تتأثر الحريات الفعلية بكيفية تفسير المؤسسات للنصوص وتطبيقها.

وفي تقريرها العالمي لعام 2025، وثّقت «هيومن رايتس ووتش» إخضاع ما لا يقل عن 30 طالباً جامعياً لإجراءات تأديبية خلال العام بسبب تعبيرهم السلمي، مشيرة إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر. وتخص هذه الوقائع التعليم العالي، ولا تسمح بالحكم على كل مدرسة أو صف، لكنها توضح أن المؤسسات التعليمية تعمل في بيئة قد تترتب فيها عواقب على التعبير المعارض.

من منظور تربوي، لا يتعلم الإنسان التفكير النقدي بمجرد مطالبته بتحليل النصوص. إنه يحتاج إلى خبرة تسمح له بطرح سؤال غير متوقع ومناقشة رأي مخالف، من دون أن يتحول اختلافه إلى شبهة في ولائه أو أخلاقه. وهذا ما يشير إليه مفهوم «المنهج الخفي»: ما يتعلمه الطالب من الممارسة اليومية قبل أن يتعلمه من الكتاب. فإذا شعر أن بعض الأسئلة قد تعرّضه للعقوبة، فقد يتعلم مراقبة ما يقوله، والتمييز بين ما يفكر فيه وما يستطيع إعلانه. وهي احتمالات تربوية معقولة، لكن قياس انتشارها وآثارها الفعلية لدى الطلاب الإيرانيين يتطلب دراسات ميدانية مستقلة.

أي مدرسة نريد؟

يتجاوز هذا النقاش حدود إيران إلى سؤال عام: متى تتحول التربية من نقل المعرفة إلى ضبط الهوية؟ لا يمكن للتعليم أن ينفصل تماماً عن القيم، لكن ثمة فارقاً بين تعليم الطالب تاريخ دينه ومجتمعه، وتعليمه أن هذه المرجعية تمنحه حق الحكم على الآخرين؛ وبين تعريفه بأدوار اجتماعية قائمة، وتقديمها حدوداً طبيعية لقدرات النساء والرجال؛ وبين دراسة النظام السياسي، وافتراض أن الولاء له شرط مسبق للمواطنة الصالحة.

ولا ينبغي التعامل مع الطلاب كأوعية فارغة تتلقى خطاب الدولة بلا مقاومة. فالطلاب يعيدون تفسير ما يتعلمونه في ضوء خبراتهم الأسرية والاجتماعية، وقد يقبلون بعض الرسائل ويرفضون أخرى. وتتيح الوثائق الرسمية والدراسات والنصوص القانونية والتقارير الحقوقية قراءة اتجاه مؤسسي واضح، لكنها لا تقيس وحدها ما يقتنع به الأفراد فعلاً.

المعيار الأهم أن تمنح المدرسة الطالب أدوات الفهم والمقارنة والسؤال، وتحمي حقه في الاختلاف ضمن إطار يحفظ حقوق الآخرين. فالتعليم الذي يخشى السؤال قد ينجح في إنتاج إجابات محفوظة، لكنه يضيّق المجال أمام استقلال الحكم والمسؤولية الأخلاقية. ويتشكل مستقبل المجتمع بما تقوله المدرسة للطلاب، وبما تسمح لهم أن يسألوا عنه، وبمن تمنحه حق الظهور، وبالاختلافات التي تساعدهم على فهمها، وتلك التي تدفعهم إلى إخفائها.

المراجع

Mehran, G. (2025). “Islamization and Politicization of Social Sciences in Iranian Schools.” The Muslim World, 115(2), 78–97. https://doi.org/10.1111/muwo.70003

Divangahi, M. (2020). Evolution of Gender Representation in the Islamic Republic of Iran’s Grade One Persian TextBook. York University. https://yorkspace.library.yorku.ca/items/773028ae-2d72-4c67-b2a3-a33e30622d95

Freedom House. (2008). Discrimination and Intolerance in Iran’s Textbooks. https://www.refworld.org/reference/countryrep/freehou/2008/en/58927

Godazgar, H. (2025). “Exploring ‘diversity’ and ‘pluralism’: a sociological analysis of religious education textbooks in the ‘Islamic Republic’ of Iran.” British Journal of Religious Education, 47(4), 465–484. https://doi.org/10.1080/01416200.2025.2451031

Human Rights Watch. (2024). Iran: Persecution of Baha’is. https://www.hrw.org/news/2024/04/01/iran-persecution-bahais

Human Rights Watch. (2025). World Report 2025: Iran. https://www.hrw.org/world-report/2025/country-chapters/iran

Human Rights Watch. (2026). World Report 2026: Iran. https://www.hrw.org/world-report/2026/country-chapters/iran

دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المواد 4 و12 و13 و20 و21 و23.

………………………………………..

*باحث واختصاصي نفسي

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى