الرأي العام

الدولة اليهودية ومزاعم الديمقراطية الليبرالية: حين تجتمع الهويات وتتصادم المعايير

قراءة في تصريحات غادي أيزنكوت، ووثيقة إعلان قيام إسرائيل، وازدواجية المعايير في تعريف الدولة الديمقراطية

عدي شيخ صالح – العربي القديم

لم يكن إعلان غادي أيزنكوت، رئيس حزب «يشار» الإسرائيلي ورئيس الأركان الأسبق، عزمه تشكيل حكومة إسرائيلية واسعة، مجرد محاولة جديدة لإعادة ترتيب التحالفات السياسية داخل الكنيست، بل حمل في طياته تصوراً لطبيعة الدولة الإسرائيلية، وحدود المشاركة السياسية فيها، والمرجعيات التي ينبغي أن تستند إليها الحكومة المقبلة. فقد وضع أيزنكوت أربعة مبادئ اعتبرها أساساً لأي ائتلاف حكومي جديد: الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية تؤمن بالمساواة، والالتزام بقيم وثيقة إعلان الاستقلال، وفرض الخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية على جميع المواطنين، والاعتراف بحماس منظمة إرهابية والعمل على إنهاء قوتها العسكرية والحكومية في قطاع غزة.

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه المبادئ تمثل إعلاناً سياسياً تقليدياً عن هوية الدولة وأولوياتها الأمنية والاجتماعية، غير أن التوقف عند صياغتها يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بإمكان اجتماع هويات ومفاهيم ليست متجانسة بالضرورة، بل قد تتعارض فيما بينها عندما تنتقل من مستوى الشعارات السياسية إلى مستوى الحقوق الدستورية والممارسة الفعلية. فكيف يمكن لدولة أن تكون يهودية وديمقراطية وليبرالية وتؤمن بالمساواة في آن واحد؟ وما طبيعة المساواة التي يتحدث عنها أيزنكوت في دولة تجعل حق تقرير المصير القومي فيها حكراً على جماعة قومية واحدة؟ ولماذا يستحضر وثيقة إعلان قيام إسرائيل في هذا التوقيت تحديداً؟ ثم أين تقف المعايير التي يُحتكم إليها عند تقييم الدولة ذات الهوية اليهودية مقارنة بالدولة ذات المرجعية الإسلامية؟

إن هذه الأسئلة لا تتعلق بإسرائيل وحدها، بل تمتد إلى واحدة من أكثر القضايا إشكالية في الفكر السياسي والدستوري المعاصر: العلاقة بين هوية الدولة وحقوق مواطنيها، وبين المرجعية التي تستند إليها والضمانات التي تقدمها لجميع المنتمين إليها.

غادي أيزنكوت، رئيس حزب «يشار» الإسرائيلي ورئيس الأركان الأسبق

تصريح أيزنكوت: شروط تشكيل الحكومة أم إعادة تعريف الدولة؟

لفهم دلالات التصريح، لا بد من وضعه في سياقه السياسي. فقد جاءت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 دون أن يتمكن أي من المعسكرين الرئيسيين من حسم الأغلبية البرلمانية منفرداً؛ إذ حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للكتلة التي يقودها أيزنكوت، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعداً. وبذلك أصبحت إمكانية تشكيل حكومة جديدة مرتبطة بترتيبات وتحالفات تتجاوز الحدود التقليدية للمعسكرات السياسية.

في هذا السياق، أعلن أيزنكوت استعداده لتشكيل حكومة واسعة، فاتحاً الباب أمام أي عضو في الكنيست يقبل المبادئ الأربعة التي حددها. لكن اللافت أنه وصف الحكومة التي يسعى إلى تشكيلها بأنها حكومة صهيونية واسعة، وهو وصف يكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى موقع الأحزاب العربية وإمكان مشاركتها في هذه الحكومة.

فالمسألة هنا ليست مجرد توسيع قاعدة الائتلاف، بل تحديد الشروط الفكرية والسياسية للانضمام إليه. إذ لا يكفي أن يمتلك العضو المنتخب تفويضاً شعبياً، بل ينبغي أن يوافق أيضاً على تصور محدد لهوية الدولة، وعلى مرجعيتها القومية، وعلى تعريفها لطبيعة الصراع مع الفلسطينيين.

وهنا تظهر مفارقة سياسية تستحق التوقف: قد تتوافر أغلبية برلمانية معارضة لنتنياهو، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى أغلبية سياسية متجانسة، لأن الخلاف لا يتعلق فقط بمن يحكم، وإنما أيضاً بمن يحق له المشاركة في الحكم، وتحت أي شروط، وعلى أساس أي تعريف للدولة.

ولذلك يمكن قراءة المبادئ الأربعة باعتبارها محاولة لإعادة بناء توافق سياسي حول الثوابت الصهيونية، مع إدخال تعديلات على أسلوب إدارة الدولة ومؤسساتها، وليس بالضرورة مراجعة الأسس القومية التي قامت عليها.

اليهودية والديمقراطية: أين تقع الإشكالية؟

إن الجمع بين وصف الدولة بأنها يهودية وديمقراطية ليس جديداً في الخطاب السياسي الإسرائيلي، بل يمثل أحد الأسس التي حاولت الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية تقديمها منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948. غير أن الإشكالية لا تكمن في مجرد الجمع بين صفتين، وإنما في المعنى الذي تحمله كل منهما، وفي حدود التوفيق بينهما.

فإذا كان وصف الدولة بأنها يهودية يعني أن غالبية سكانها من اليهود، وأنهم يمارسون حقهم في اختيار حكوماتهم ضمن نظام ديمقراطي، فلا ينشأ بالضرورة تناقض بين الأمرين. إذ يمكن لدولة ذات أغلبية دينية أو قومية معينة أن تحافظ على نظام انتخابي تعددي، وأن تضمن الحقوق المدنية والسياسية لجميع مواطنيها.

لكن المسألة تختلف عندما تتجاوز الهوية اليهودية حدود الأغلبية السكانية والثقافية لتصبح أساساً حصرياً للانتماء القومي والسيادة وتقرير المصير.

وهنا ينبغي التمييز بين المساواة المدنية والمساواة القومية. فقد يتمتع المواطن العربي في إسرائيل بحق التصويت والترشح والتمثيل في الكنيست، لكنه يظل في مواجهة تعريف دستوري يجعل تقرير المصير القومي في الدولة حقاً حصرياً للشعب اليهودي.

ولعل قانون أساس: إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي، الصادر عام 2018، يقدم أوضح مثال على هذه الإشكالية؛ إذ تنص مادته الأولى على أن دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وأن حق تقرير المصير القومي فيها يخص الشعب اليهودي وحده.

وهنا لا بد من التمييز بين القول إن القانون يحرم المواطنين غير اليهود من جميع حقوقهم، وهو استنتاج غير دقيق، وبين القول إنه يقرر تمييزاً في مستوى تقرير المصير القومي، وهو ما ينص عليه القانون صراحة.

وبذلك يصبح السؤال أكثر تحديداً: هل تكفي المساواة الفردية والمدنية لتوصيف الدولة بأنها مساواتية، إذا كانت المساواة في الانتماء القومي وتقرير المصير غير متاحة لجميع المواطنين على قدم المساواة؟

إن الديمقراطية لا تتوقف عند صندوق الاقتراع، بل تتصل أيضاً بطبيعة المواطنة التي تنظم العلاقة بين الفرد والدولة. فالمواطن ليس مجرد شخص يمتلك حق التصويت، وإنما شريك في الكيان السياسي الذي ينتمي إليه، وتقتضي هذه الشراكة ألا تتحول هويته الدينية أو القومية إلى عامل يحدد درجة انتمائه أو مكانته الدستورية.

الليبرالية والمساواة: مفهومان متكاملان أم شعارات متجاورة؟

قد يبدو الجمع بين الليبرالية والمساواة أقل إشكالية من الجمع بين اليهودية والديمقراطية، لأن المفهومين لا يتعارضان بالضرورة، بل يمكن أن يشكل أحدهما مكملاً للآخر.

فالليبرالية تنطلق من حماية الفرد وحرياته الأساسية، وتقييد سلطة الدولة، وضمان حرية الاعتقاد والتعبير والتنظيم، بينما تتعلق المساواة بمكانة الأفراد أمام القانون، وتكافؤ حقوقهم وواجباتهم وفرصهم، وعدم التمييز بينهم بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الأصل القومي.

أما الديمقراطية فتتعلق بمصدر السلطة وآليات ممارستها، من خلال المشاركة السياسية والانتخابات والمحاسبة والتداول السلمي للحكم.

وبهذا المعنى، فإن المفاهيم الثلاثة ليست مترادفات، لكنها قابلة للتكامل ضمن نظام دستوري واحد. غير أن الإشكالية تظهر عندما تُطرح هذه المبادئ في دولة تتبنى هوية قومية حصرية، دون أن توضح كيف يمكن لهذه الهوية أن تتعايش مع المساواة الكاملة بين جميع المواطنين.

فالليبرالية لا تعني مجرد حماية بعض الحريات الفردية، والمساواة لا تعني فقط السماح للأفراد المختلفين بالتصويت، والديمقراطية لا تختزل في امتلاك الأغلبية العددية حق تقرير كل شيء. وإنما تتطلب هذه المفاهيم مجتمعة وجود ضمانات دستورية تحول دون احتكار جماعة بعينها للمكانة السياسية أو الحقوق الأساسية.

ومن هنا، فإن وصف إسرائيل بأنها دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية ومساواتيه لا يحسم الإشكالية بمجرد جمع هذه الصفات في عبارة واحدة؛ بل يضع الدولة أمام اختبار عملي يتمثل في مدى اتساق قوانينها ومؤسساتها مع هذه المبادئ مجتمعة.

وثيقة إعلان الاستقلال: المرجعية التأسيسية والعودة إلى الوعود الأولى

يكتسب استحضار أيزنكوت لوثيقة إعلان قيام إسرائيل أهمية خاصة، لأن الوثيقة الصادرة في 14 مايو/أيار 1948 لا تقتصر على إعلان إقامة الدولة اليهودية، بل تتضمن أيضاً مجموعة من المبادئ المتعلقة بالحرية والعدالة والمساواة وحقوق المواطنين. ففي الجزء الأول منها، تستند الوثيقة إلى الصلة التاريخية والدينية والسياسية للشعب اليهودي بأرض فلسطين، وتعلن إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل، وتؤكد حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره ضمن دولة ذات سيادة. لكن الوثيقة نفسها تنتقل بعد ذلك إلى تأكيد أن الدولة ستعمل على تطوير البلاد لصالح جميع سكانها، وستقوم على الحرية والعدالة والسلام، وستضمن المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس، كما ستضمن حرية الدين والضمير واللغة والتعليم والثقافة، وتحافظ على الأماكن المقدسة لجميع الأديان. ولم تكتف الوثيقة بالإعلان عن هذه المبادئ، بل وجهت نداءً صريحاً إلى السكان العرب في الدولة للمحافظة على السلام والمشاركة في بناء الدولة على أساس المواطنة الكاملة والمتساوية والتمثيل المناسب في مؤسساتها. وهكذا حملت الوثيقة منذ لحظة تأسيس الدولة فكرتين متجاورتين: الأولى تتعلق بالهوية القومية اليهودية وحق الشعب اليهودي في تقرير مصيره، والثانية تتعلق بالمساواة الكاملة بين المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية. وهذا التداخل هو ما يجعل العودة إلى الوثيقة اليوم ذات دلالة سياسية وفكرية.

فأيزنكوت لا يستحضر وثيقة الاستقلال لمجرد استعادة ذكرى تأسيسية، بل يمكن قراءة ذلك في ضوء رغبته في تقديم مشروع سياسي يعيد إسرائيل إلى ما يعتبره مبادئها التأسيسية، خصوصاً في ظل الانقسامات الداخلية التي شهدتها البلاد حول طبيعة النظام السياسي، واستقلال القضاء، وحدود صلاحيات الحكومة، والعلاقة بين المؤسسات الدستورية. كما أن استدعاء الوثيقة يوفر له مرجعية سياسية جامعة يستطيع من خلالها مخاطبة قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، وتقديم نفسه باعتباره داعياً إلى استعادة التوافق حول قواعد الدولة، بدلاً من استمرار الصراع الداخلي حول طبيعة النظام ومؤسساته. وثمة بعد آخر لا يمكن إغفاله، يتعلق بالصورة الدولية لإسرائيل. فالاستناد إلى وثيقة تتحدث عن المساواة والحريات وحقوق الإنسان يتيح للخطاب السياسي الإسرائيلي تقديم الدولة باعتبارها جزءاً من المنظومة الديمقراطية الليبرالية، ويمنحها لغة مشتركة مع الخطاب السياسي الغربي. لكن يبقى السؤال: هل تكفي العودة إلى المبادئ التأسيسية لإثبات الالتزام بها، أم أن المعيار الحقيقي هو مدى ترجمتها إلى قوانين وسياسات وممارسات؟

من وثيقة 1948 إلى قانون الدولة القومية 2018: أين تقف المساواة؟

عند مقارنة وثيقة إعلان الاستقلال بقانون أساس الدولة القومية لعام 2018، تظهر إشكالية تستحق الدراسة. فالوثيقة التأسيسية تحدثت عن المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع المواطنين، بينما نص القانون اللاحق على أن حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل يخص الشعب اليهودي وحده. ولا يعني ذلك بالضرورة أن النصين متعارضان في كل جوانبهما، فالأول يتناول مجموعة واسعة من الحقوق الفردية والمدنية، والثاني يحدد صاحب الحق في تقرير المصير القومي. لكن وضعهما جنباً إلى جنب يكشف عن سؤال جوهري يتعلق بحدود المساواة التي تتبناها الدولة. فإذا كانت المساواة المدنية مكفولة لجميع المواطنين، لكن الهوية القومية للدولة وحق تقرير المصير فيها محصوران بجماعة واحدة، فإننا أمام مستويين مختلفين من الانتماء: انتماء مدني يتمتع به الجميع من حيث المبدأ، وانتماء قومي دستوري تحتفظ به جماعة بعينها. وهذا التمييز ليس تفصيلاً قانونياً، بل يمس طبيعة الدولة نفسها، ويثير تساؤلاً حول إمكانية بناء مواطنة متساوية في دولة لا تتساوى فيها الجماعات القومية في حق تعريف الكيان السياسي وتقرير مستقبله. ومن هنا تبرز أهمية استحضار وثيقة الاستقلال في خطاب أيزنكوت: فهي تمنحه مرجعية للمساواة والحريات، لكن استدعاءها يفتح في الوقت ذاته باب المقارنة بين وعود التأسيس والتطورات الدستورية اللاحقة.

المرجعية الإسلامية والهوية اليهودية: اختبار ازدواجية المعايير

لا تكتمل مناقشة هذه الإشكالية دون الانتقال إلى المقارنة الأوسع التي يفرضها الخطاب السياسي الغربي عند تناوله هوية الدول ومرجعياتها.

فكثيراً ما تواجه الدول العربية التي تنص دساتيرها على أن الإسلام دين الدولة، أو أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي أو أساس للتشريع، اعتراضات تتعلق بمدى توافق هذه المرجعية مع الديمقراطية والليبرالية والمساواة وحقوق الأقليات.

وفي المقابل، لا يُعامل إعلان إسرائيل أنها دولة يهودية بالضرورة باعتباره مانعاً مسبقاً من وصفها بالديمقراطية، بل يجري البحث عن صيغ دستورية وسياسية تسمح بالتوفيق بين هويتها اليهودية ونظامها الديمقراطي. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا يُسمح بالبحث عن إمكانية التوفيق بين الهوية القومية اليهودية والديمقراطية، بينما تُعامل المرجعية الإسلامية في بعض الخطابات باعتبارها نقيضاً تلقائياً للديمقراطية؟ إن الإشكالية ليست في مناقشة آثار المرجعيات الدينية والقومية على النظام السياسي، فهذا حق مشروع وضروري، وإنما في اختلاف المعيار المستخدم عند تقييم هذه المرجعيات.

فإذا كان وجود هوية دينية أو قومية للدولة لا يمنعها نظرياً من تبني نظام ديمقراطي، فلماذا يُفترض أن وجود مرجعية إسلامية في دستور دولة عربية يجعلها غير ديمقراطية بالضرورة؟ وإذا كانت إسرائيل تستطيع الاستناد إلى تاريخها وهويتها اليهودية في تعريف نفسها، مع إعلان التزامها بالحريات والمساواة، فمن حق الدول ذات المرجعية الإسلامية أن تبحث عن صيغة دستورية تستلهم مرجعيتها الحضارية والدينية، مع ضمان المواطنة المتساوية والحقوق والحريات لجميع المواطنين.

لكن الإنصاف الفكري يقتضي ألا ننتقل من نقد ازدواجية المعايير إلى تبني ازدواجية معاكسة. فلا الهوية اليهودية تمنح الدولة حصانة من النقد، ولا المرجعية الإسلامية تمنح الدولة شهادة ديمقراطية تلقائية. فالدولة لا تصبح ديمقراطية لمجرد أن دستورها يستند إلى مرجعية دينية أو قومية، كما لا تصبح غير ديمقراطية لمجرد وجود تلك المرجعية.

المعيار الحقيقي هو طبيعة النظام الدستوري الذي تنتجه هذه المرجعية، وحدود سلطتها، ومدى ضمانها لحقوق المواطنين، وقدرتها على منع تحول هوية الأغلبية إلى امتياز سياسي أو قانوني على حساب الآخرين. ولذلك ينبغي التمييز بين المرجعية بوصفها إطاراً ثقافياً وقيمياً تستند إليه الدولة، وبين تحويل هذه المرجعية إلى أداة لاحتكار السلطة أو تقييد حقوق المواطنين المختلفين عنها.

وهذا المعيار يجب أن يطبق على الدولة الإسلامية واليهودية والمسيحية والعلمانية والقومية دون استثناء.

نحو معيار دستوري موحد: الهوية لا تكفي لتحديد ديمقراطية الدولة

إن النقاش الذي أثاره تصريح أيزنكوت يقودنا إلى ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي نعرّف بها الدولة الديمقراطية. فالدولة ليست مجرد نظام انتخابي، وليست مجرد هوية قومية أو مرجعية دينية، وإنما كيان سياسي وقانوني ينظم علاقة السلطة بالمجتمع، وعلاقة المواطنين بعضهم ببعض، ويحدد حقوقهم وواجباتهم وحدود انتمائهم السياسي. ومن ثم، فإن تقييم ديمقراطية أي دولة ينبغي أن يستند إلى مجموعة من المعايير الواضحة، في مقدمتها المساواة أمام القانون، وحرية الاعتقاد والتعبير، وحق المشاركة السياسية، وتداول السلطة، واستقلال القضاء، وخضوع المؤسسات للمحاسبة، وضمان حقوق الأقليات، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق أو الأصل القومي. كما ينبغي التمييز بين المساواة الفردية والمساواة في الانتماء الوطني، وبين الاعتراف بالهوية الثقافية للأغلبية وتحويلها إلى أساس لامتيازات دستورية حصرية. فليس مطلوباً من جميع الدول أن تتبنى هوية ثقافية واحدة أو أن تتخلى عن مرجعياتها التاريخية والدينية، لكن المطلوب ألا تتحول هذه المرجعيات إلى وسيلة لتقسيم المواطنين إلى درجات متفاوتة من الانتماء والحقوق. وبهذا المعنى، فإن الدولة ذات المرجعية الإسلامية يمكن أن تكون ديمقراطية إذا استطاعت بناء نظام دستوري يضمن المواطنة المتساوية والحريات والمحاسبة وتداول السلطة، والدولة ذات الهوية اليهودية ينبغي أن تخضع للمعايير نفسها، دون استثناء أو امتياز نابع من قبول سياسي أو جيوسياسي مسبق.

فالمعيار الديمقراطي لا ينبغي أن يتغير بتغير هوية الدولة أو موقعها في موازين السياسة الدولية.

خاتمة: هل تكفي الشعارات لتجاوز التناقضات الدستورية؟

إن تصريح غادي أيزنكوت يعيد طرح إشكالية قديمة بصياغة سياسية جديدة: كيف يمكن الجمع بين دولة تعرف نفسها بهوية قومية محددة، ونظام سياسي يعلن المساواة الكاملة بين جميع المواطنين؟

واستحضاره لوثيقة إعلان الاستقلال يعيدنا إلى لحظة التأسيس عام 1948، حين أعلنت إسرائيل هويتها اليهودية، وتعهدت في الوقت نفسه بالمساواة والحريات والحقوق لجميع مواطنيها. لكن التطورات الدستورية اللاحقة، ولا سيما قانون الدولة القومية لعام 2018، جعلت العلاقة بين هذه الوعود والهوية القومية الحصرية موضع تساؤل مستمر.

ولا تكمن أهمية هذه المسألة في الحكم على التجربة الإسرائيلية وحدها، بل في ما تكشفه من اضطراب في المعايير المستخدمة لتقييم الدول ذات المرجعيات الدينية والقومية. فإذا كان بالإمكان البحث عن صيغة توفق بين الهوية اليهودية والديمقراطية، فلا يجوز استبعاد إمكانية التوفيق بين المرجعية الإسلامية والديمقراطية حكماً مسبقاً. وفي المقابل، لا ينبغي إعفاء أي دولة من اختبار المواطنة والحريات والمساواة بحجة خصوصيتها الدينية أو القومية. إن السؤال الذي ينبغي أن يحكم هذا النقاش ليس ما إذا كانت الدولة يهودية أو إسلامية أو قومية أو علمانية، وإنما ما إذا كانت قادرة على ضمان أن يكون جميع مواطنيها شركاء متساوين في كيانها السياسي، لا أن يكون بعضهم أصحاب الحق الأصيل في تعريفها وتقرير مصيرها، فيما يظل الآخرون مجرد مواطنين داخل حدودها.

…………………………………………………..

*كاتب و باحث سوري مستقل في الفكر السياسي والاجتماعي، يهتم بقضايا الهوية السورية، وتحولات الدولة، و إشكالات الانتقال السياسي بعد النزاعات.

العربي القديم

مجلة وموقع إلكتروني مستقل، يهتم بالتاريخ السوري والعربي، ويفتح أفقا واسعا على الراهن. انطلقت في تموز/يوليو 2023 بمساهمة نخبة من الكتاب السوريين من اكثر من جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى