كارثة المحطة (الشماس) في حمص: أكثر من 70 عاماً على دون محاسبة المسئولين عنها
غصّت شوارع المدينة بمواكب الجنازات، وأعلنت الحكومة السورية حينها الحداد لمدة ثلاثة أيام، فيما ألغت محطة الإذاعة الموسيقى والحفلات الغنائية مستعيضة عنها بالأحاديث الدينية وتلاوة القرآن

خالد عواد الأحمد * – العربي القديم
استفاق أهالي مدينة حمص السورية ذات يوم حزيراني من عام 1950 على أكبر كارثة مرت على سوريا عندما وقع انفجار ضخم في ساعات الصباح الأولى من ذلك اليوم في مستودعات لشركة المقاولات والتجارة في حي المحطة غرب المدينة مملوكة لمؤسس الإمبراطورية الدولية للإنشاءات الكبرى CAT رجل الأعمال اللبناني المعروف “أميل البستاني” بمشاركة “شكري حنا الشماس” و”عبد الله الخوري” وكلاهما من أثرياء المدينة حينذاك، ولم يقتصر الإنفجار على مكان وقوعه بل امتدت آثاره إلى “باب التركمان” و”باب هود” و”الميدان” مسفراً عن وفاة 79 شخصاً وإصابة 237 آخرين وفق كبار سن عايشوا تلك الحادثة ولم تُمح من ذاكرتهم إلى الآن مشاهد تلك الكارثة رغم مرور أكثر من سبعة عقود على وقوعها، واحتوى المستودع الذي وقع فيه الانفجار على مخزون كبير من الديناميت، الذي كانت تستعمله شركة الكات في تنفيذ مشاريعها الانشائية، واستخراج مواد البناء من المقالع.

(لا علاقة لنا بالمرآب
وكما الحال اليوم سارعت السلطات المحلية إلى محاولة تبرير تقصيرها ومسؤوليتها عن الحادث بسماحها لتخزين هذه الكمية الكبيرة من المتفجرات في مكان آهل بالسكان، اقتصر إعلان محافظ حمص حينها على القول أن المرآب الذي وقعت فيه الفاجعة المروعة يخص المتعهد “شكري الشماس” و”أميل البستاني” و”عبد الله الخوري “وليس لأي أحد سواهم أي علاقة بالمرآب، في محاولة لتبرئة وكلاء آخرين اتضح فيما بعد أن لهم علاقة مع هرم السلطة حينذاك في عهد الرئيس شكري القوتلي، وأقامت النيابة العامة دعوى جزائية على أصحاب مستودع المتفجرات الثلاث لاقتنائهم متفجرات سببت الكارثة، وقد أبلغت هذه المذكرات برقياً للقبض عليهم وحجز أموالهم وأملاكم، وأصدر قاضي التحقيق مذكرة ثانية بناء على دعوى مقدمة من بعض ذوي القتلى للحيلولة دون تهريب أموالهم والمطالبة بإلقاء الحجز الإحتياطي على أموالهم المنقولة وغير المنقولة في سورية ولبنان” ولكن أياً من هذه الإجراءات لم ينفذ ولم يحصل ذوو الضحايا عل حقهم، وتداولت وسائل الإعلام السورية حينها أن الانفجار كان بسبب شبوب النيران جراء احتراق إحدى السيارات التي كانت مركونة أمام المستودع الكائن في حي المحطة (خلف المركز الثقافي حالياً) الذي كان يكتظ بالسكان وامتدت النيران منها إلى البراميل المخزنة في المستودعات، وصادف انفجار عشرة صناديق من الديناميت كانت موجودة في المستودع فقضت على 19 عنصراً من شرطة المدينة، وأسرع الأهالي إلى مكان الحادث على إثر اشتعال النار لنجدة المصابين والعمل على إخمادها ففاجأهم الإنفجار وقضى على الكثير منهم، كما هدم الإنفجار ثمانية عشر منزلاً في المنطقة الغربية المجاورة لمكانه وتحطمت النوافذ الزجاجية في بعض المناطق الأخرى من المدينة جراء شدة الإنفجار ومما زاد من قوة الانفجار وجود براميل البارود المستخدم لتفجير الصخور بمناطق تعهدات الطرق والجسور الذي كان ملاصقاً له مستودع بترول لمديرية الأشغال العامة وكانت تسمى (النافعة) وجعلت قوة الانفجارات براميل البارود تتطاير في الهواء لمسافات بعيده وجدت شظايا منها عند القلعة وباب السباع.

مشاهدات الناجين
في اليوم التالي للكارثة تم تشييع الضحايا ومن بينهم رئيس شرطة البلدية في حمص “حسن الكيلاني” ورئيس قوى الأمن “أحمد السخيطة” وغصّت شوارع المدينة بمواكب الجنازات، وأعلنت الحكومة السورية حينها الحداد لمدة ثلاثة أيام حزناً على ضحايا الكارثة، فيما ألغت محطة الإذاعة الموسيقى والحفلات الغنائية مستعيضة عنها بالأحاديث الدينية وتلاوة القرآن، وكان الكثير من الناجين ممن تم إسعافهم إلى المشفى الوطني قد فقدوا أطرافهم وبعضهم فقد بصره وسمعه جراء شدة الإنفجار الذي لم يبقي ولم يذر، وروى مسن كان شاهداً على الحادثة الأليمة وفضل عدم ذكر اسمه لـ “موقع تلفزيون سوريا” أنه زار المستشفى الوطني حينها فرأى طفلاً لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره أصيب جراء الانفجار الرهيب بجرح كبير في بطنه وبدت أحشاؤه خارج جسده، وأضاف -كما سمع من أهل الطفل حينها- أن طفلهم المسكين أراد أن يتحاشى النيران الملتهبة فتمكن بعد عناء طويل من الوقوف وراء أحد الجدران ولكن سلكاً كهربائياً مقطوعاً من مكان الحادث لمسه فجأة فأفقده حياته، وروى المصدر أنه رأى حينها رجلاً يمشي وهو يتمايل يمنة ويسرة وقد سلخت إحدى شظايا الإنفجار جلد رأسه، وتابع محدثنا وكأنه يسرد شريطاً سينمائياً مرعباً أنه شاهد ككثيرين غيره دولاب سيارة يتطاير متلهباً في السماء ويعلو ما يزيد عن 300 م ثم يسقط على رأس أحد المارة في الشارع فيلهب جسده ويقضي متأثراً بحروقه في الحال، ومن مآسي هذا الانفجار -حسب المصدر- أن شخصاً كان يملك معمل بلاط في شارع باب هود توفي بعد أن سقطت على رأسه عدة بلاطات حطمت رأسه، مضيفاً أن أكثر الضحايا وقعوا في الشارع الممتد من منطقة المركز الثقافي إلى الجسر الأول.
بعد “الكارثة” بأسابيع وبمبادرة من بلدية حمص جرت مباراة ودية كبرى جمعت بين نادي خالد بن الوليد (الكرامة حالياً) والنادي الأهلي بالقاهرة، وخصص ريع المباراة لمساعدة المنكوبين بالكارثة، وامتلأ الملعب البلدي (جورة أبو صابون) القريب من مكان الإنفجار عن بكرة أبيه بالجمهور الذي حضر المباراة ليساهم بدعم المنكوبين، وكذلك لأهميتها الدولية، فالنادي الأهلي في عام 1950 كان من أقوى الأندية في العالم. وانتهت المباراة بفوز الفريق الضيف بخمسة أهداف مقابل هدف واحد، بحسب موقع (تاريخ سورية المعاصر) نقلا عن الباحث “عبد الهادي النجار”.
سراً إلى حمص
وتعود ملكية شركة كات CAT التي تسببت بالكارثة إلى رجل الأعمال اللبناني أميل البستاني، وانتقلت الشركة التي تأسست عام 1941 من حيفا إلى بيروت على يده إلى جانب “عبد الله الخوري” و”شكري الشماس” والأخير من مواليد مدينة حمص، ويوجد حي في المدينة يحمل اسمه، والغريب أن الثلاثة نجوا من المحاسبة عن تسببهم بالكارثة نظراً لوجودهم خارج البلاد، فيما تم التستر على وكلائهم داخل المدينة من قبل بعض المتنفذين والمنتفعين منهم، وكشفت صحيفة الفيحاء في مقالة بعنوان (بعد أن وقعت كارثة حمص الكبرى هل يمتد التحقيق لتعيين المسؤولين عن الضحايا) في عددها الصادر بتاريخ 30/6/ 1950 أن وكلاء المتعهدين الموجودين في حمص هم شركاء لأحد أفراد العائلة المالكة السعيدة في تعهد شركة التابلاين، وأن هؤلاء الشركاء الثلاثة كانوا يستلمون المواد المتفجرة ليستعملوها في الحفريات التي تعهدوها في أراضي القنيطرة، ولكن القسم الأكبر من هذه المتفجرات –بحسب المصدر- كان يرسل سراً إلى حمص ويُخفى في هذا المشروع حتى جاء أمر الله فقضت هذه المتفجرات على مئات الأبرياء.
والمفارقة أن البستاني قضى بعد هذه الكارثة غرقاً في البحر في 15 مارس 1963 عندما هوت الطائرة التي كان يقلها قبالة مرفأ بيروت ولم يُعثر على جثته إلى الآن، وكان معه في الطائرة التي تقله من بيروت إلى دمشق “نمر طوقان” و”مروان خرطبيل” وقائد الطائرة الطيار البريطاني جون ألكسندر أوغيلفي. وفيما ظهرت جثتا طوقان والطيار بقيت جثتا البستاني وخرطبيل في أعماق البحر.
…………………………………………………………….
خالد عواد الأحمد – كاتب وصحفي سوري مقيم في الأردن لديه العديد من لكتب المطبوعة في التراث والتاريخ الاجتماعي